من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه في وصف القدود، والخصور، والأخصاف، وثقل الأرداف، وحسن المشي
قال أبو تمام:
ومقدودة رود تكاد تقدهاإصابتها بالعين من حسن القد
تعصفر خديها العيون بحمرةإذا وردت كانت وبالاً على الورد
وقال:
وخوطية شمسية رشئيةمهفهفة الأعلى ردا ح المحقب
تصدع شمل القلب من كل وجهةوتشعبه بالبث من كل مشعب
بمختتل ساج من الطرف أحورومقتتل صاف من الثغر أشنب
من المعطيات الحسن والمؤتياتهمجلببة أو فاضلاً لم تجلبب
وهذه معان حسنة وقول حلو.
والرداح: العظيمة العجز.
وقوله: تصدع شمل القلب، وتشعبه بمعنى واحد، ولولا قوله: «بالبث» لصلح أن يكون تشعبه: تضم أجزاءه، وتلائم بينها، لأن من الأضداد: يكون جمعت وفرقت، فكأن المعنى حينئذ: تصدع شمل
القلب أي تفرقه إذا شاءت، وتشعبه أي تضمه وتجمعه، كما قال في موضع آخر:
وعهدي بها تحي الهوى وتميتهوتشعب أعشار الفؤاد وتصدع
أي تحي الهوى بهجرها، وتميته بوصلها.
وقوله: «ساج» أي يختل بنظره، ومقتتل صاف، يريد قتل الحب؛ يقال: اقتتله الحب، واقتتلته الجن، كأنه اعتمد ازدواج اللفظين بقوله: مختتل، ومقتتل.
وقوله: «مجلببة» من الجلباب وهو: الخمار، وقد يكون أيضاً الثوب.
«أو فاضلاً لم تجلببب»، والفاضل: هي المتفضلة في ثوب واحد، وهو الذي تلبسه المرأة للبذلة والاعتمال.
وقال:
من كل ضاحكة الترائب أرهفتإرهاف خوط البانة المياس
بدر أطاعت فيك بادرة النوىخطأ وشمس أولعت بشماس
وإذا مشت تركت بصدرك ضعف مابحليها من كثرة الوسواس
والخطء: ما يعتمده الإنسان، والخطأ: ما لا يعتمده.
وقوله: «ضاحكة الترائب»: يريد ما على صدرها من الحلي، والترائب: عظام الصدر.
وقال:
إن في خيمهم لمطعمة الحجــلين والمتن متن خوط وريق
وهي لا عقد ودها ساعة البيــن ولا عقد خصرها بوثيق
قوله: «مطعمة الحجلين»، والحجل، الخلخال، والمطعم: المرزوق من الطعم، جعل امتلاء لحم ساقها طعماً لخلخالها؛ لأنه يعض به.
وقوله: «وهي لا عقد ودها ساعة البين [أراد: ولا عقد ودها ساعة البين] بوثيق، ولا عقد خصرها بوثيق عل كل حال، ولكنه أخبر عنها خبراً واحداً، ونسق بأحدهما على الآخر صار الظرف، وهو ساعة البين، على ظاهر اللفظ، كأنه يضمهما معاً، فيكون عقد خصرها غير وثيق أيضاً في ساعة البين، وهو قبيح على جوازه وسوغه.
وقال البحتري:
وفيهن مشغول به الطرف هارببعينيه لحظ المحب المخالس
يخبر عن عصن من البان مائدإذا اهتز في ضرب من الدل مائس
وهذا نمط البحتري الحلو، وإنما قال: «هارب بعينيه»، فخصهما
دون غيرهما؛ لأن الحسن إنما هو في العين، علاقة الحب إنما تكون عند النظر إلى العين.
وقال:
وقد بان فيهم غصن بان إذا بداثوى مخبراً عن مثله أو مثاله
يسوءك ألا عطف عند انعطافهويشجيك ألا عدل عند اعتداله
كأنه أراد بالمثل الشيء نفسه، والمثال: الشبه، أي ثوى مخبراً عن غصن بان مثله، أو شبهه، إلى هذا ذهب.
وقال:
أعطيت بسطة على الناس حتىهي صنف في الحسن والناس صنف
اعتدال يميل منه انخناثوتثن فيه الفخامة لطف
نعمة الغصن إن تأود عطفمنه عن هزة تماسك عطف
مسكري إن سقيت منه بعينيأرجوان من خمر خديه صرف
وهذا من أحسانه المشهور.
وقال:
لما مشين بذي الأراك تشابهتأعطاف قضبان به وقدود
في حلتي حبر وروض فالتقىوشيان: وشي ربي ووشي برود
وسفرن فمتلأت عيون راقهاوردان: ورد جنى، وورد خدود
وضحكن فاغترب الأقاحي من ندغض وسلسال الرضاب برود
وهذا أيضاً من إحسانه المعروف.
وقوله «فاغترب» يريد الضحك، والمستعمل استغرب في الضحك إذا اشتد فيه، وأغرب أيضاً، قال ذو الرمة:
فما يغربون الضحك إلا تبسماًولا ينسبون القول إلا تناجيا
ولم أسمع في الضحك اغترب، إنما ذلك من الغربة والبعد، فقوله: «اغترب الأقاحي من ند غض» يريد النور نفسه، «وسلسال الرضاب» يعني الثغور، كأنه جعلهما جميعاً من الأقاحي، وفصله فقال: من ند غض، ومن سلسال الرضاب، وسلسال الرضاب هو ند غض أيضاً، إلا أنه جعل الفرق بينهما أن هذا أندى، وأجرى من ذاك.
وأظن المستغرب في الضحك إنما أخذ من غروب الأسنان إذا بدت كلها في الضحك، وهي أطرافها، وغرب كل شيء: حده.
أو أن يكون استغرب في الضحك أي امتلأ ضحكاً من قولهم: أغربت
السقاء إذا ملأته، قال بشر بن أبي خازم:
وكأن ظعنهم غداة تحملواسفن تكفأ في خليج مغرب
وسبيل هذا البيت أن يلحق في «باب الثغور».
وقوله: «فالتقى وردان: ورد جنى، وورد خدود» إن كان أراد هذا الورد المعروف فمن أين بذي الأراك ورد؟، إلا أن يريد بعض الأنواع، والحمر من الأنوار فإنها كثيرة، وإياها -إن شاء الله- أراد.
ومن عجيب ما أورده في حسن القد قوله:
تهتز مثل اهتزاز الغصن أتعبهمرور غيث من الوسمي سحاح
وقال:
بيضاء يعطيك القضيب قوامهاويريك عينيها الغزال الأحور
تمشي فتحكم في القلوب بدلهاوتميس في برد الشباب فتخطر
وتميل من لين الصبا فيقيمهاقد يؤنث تارة ويذكر
وقال:
هل الذلفاء مخبرتي أهجراًأرادت بالتجنب، أم دلالاً؟
ذكرت بها قضيب البان لماغدت تختال في الحسن اختيالا
تشاكله انعطافاً واهتزازاًوتحيكه قواماً واعتدالا
وهذا ما لا يكاد يسمع أحلى ولا أعذب ولا أبرع منه.
وقال:
ألام على هوى ظمياء ظلماًوقلبي في يدي ظمياء عان
إذا انصرفت أضاءت شمس دجنومال من التعطف غصن بان
قوله: «أضاءت شمس دجن» أي إذا انصرفت مولية بوجهها كان ضوؤها كضوء الشمس من تحت الدجن، وهو إلباس الغم الأفق، وهذا أحسن ما يكون من المعنى وألطفه، أي إذا غاب وجهها حين تولى فأنا منها أيضاً في ضياء كضياء الشمس من تحت الدجن.
وقال أبو تمام:
أدنت نقاباً على الخدين وانتسبتللناظرين بقد ليس ينتقب
وهذا حسن جداً.
وقال أبو تمام:
ليالي أضللت العزاء وجولتبعقلك آرام الخدور الخواذل
من الهيف لو أن الخلاخل صبرتلها وشحاً جالت عليها الخلاخل
منها الوحش إلا أن هاتا أوانسقنا الخط إلا تلك ذوابل
قوله: «جولت» من أجل قوله: «الخواذل» وهن اللواتي تخلفن من جملة السرب على أولادهن، فأراد أن يطابق بين «الجولان» و «التأخر» وهو طباق غير جيد، ولا لائق.
وقوله: «من الهيف لو أن الخلاخل صيرت لها وشحاً» من أقبح الخطأ وأفحشه، لأن الخلخال لا يكون في موضع الوشاح؛ لأن الوشاح: ما تتقلده المرأة من سير، أو خيط فيه خرزاً، أو حلياً من فضة أو غيرها، تتزين به فيكون منها في موضع حمائل السيف من الرجل، والخلخال لا يكون في هذا الموضع إلا إذا مسخها الله، وأقمأها.
[ وقد أخطأ في البيت الثاني أيضاً فقال: «قنا الخط إلا أن تلك ذوابل» وإنما قيل للرماح: «ذوابل» للينها وتثنيتها، فنفى ذلك عن قيود النساء التي من أكمل أوصافها التثني واللين والانعطاف، كما قال تميم بن أبي بن مقبل]:
يهززن للمشي أوصالاً منعمةهز الجنوب ضحى عيدان يبرينا
أو كاهتزاز رديني تداولهأيدي التجار فزادوا متنه لينا
وقد ذكرت هذا مشروحاً في أغاليطه.
ولله در أبي عبادة إذ يقول:
غدت قضبان أسحلة عليهالفرط الجدل أو شحة تجول
يقوم من تثنيها اعتدالتكاد تقول من هيف نحول
مشين على خمائل ذي طلوحوقد ضاقت بما فيها من الحجول
فقلت: أزيد من سقم فؤاديوهل يزداد من قتل قتيل
فهذا -والله- هو الشعر، لا تعليلات أبي تمام بطباقه وتجنيسه، وفرط تقعره، وكثرة أحالاته، وما زلت أسمع الشيوخ يفضلون هذا البيت الأخير على كل ما سمعوه في الغزل.
وهذه القصيدة من قلائده، وفيها يقول قبل هذه الأبيات:
بعيدة مطلب وجماد نيلفها هي لا تنال ولا تنيل
إذا خطرت تأرج جانباهاكما خطرت على الروض القبول
ويحسن دلها والموت فيهوقد يستحسن السيف الصقيل
وقال أبو تمام:
وناضرة الصبا حين اسبكرتطلاع المرط والدرع اليدي
تشكى الأين من نصف سريعإذا قامت ومن نصف بطي
وهذا ما لا مدفع لجودته وحسنه، وكأنه صفوة خاطر أبي تمام، إذا كان بجمامه يأتي به وبأمثاله، فإذا أعيا وكل زماناً رمى بالأوساخ والأقذار والغثاء.
وقوله: «طلاع المرط» أي تملأ الملحفة تماماً وكمالاً، كأنها تطلع عليها، أي تعلوه، والدرع: القميص التام، واليدي: الواسع.
وقال البحتري:
نواصع كسيوف الصقل مشعلةضوءاً ومرهفة في الجدل إرهافا
إذا نضون شفوف الريط آونةقشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا
كأنهن وقد قربن من طرفيضدين في الحسن تثقيلاً وإخطافا
رددن ما خففت منه الخصور إلىما في المآزر فاسثقلن أردافا
وحسبك بهذا حسن لفظ، وحلاوة نظم، وصحة معنى.
وألطف من قوله: «قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا» قول أبي تمام:
لآليء كالنجوم قد لبستأبشارها صدف الإحصان لا الصدفا
وبيت البحتري أبرع وأحلى.
وقال البحتري أيضاً:
غدت أترابها ينهضن هوناًلثقل من روادفها الثقال
مشين ضحى بأقدام لطافوسوق في خلاخلها خدال
إذا اجتبن الحلي رأيت بياضاًأوانس كاللآليء في اللآليء
وقال:
أطاع لها دل غرير، وواضحشتيت وقد مرهف وشوى خدل
وألحاظ عين ما علقن بفارغفحلينه حتى يكون له شغل
وهذا من مشهور أبي عبادة.
[وقال أبو تمام]:
ومن جيد غيداء التثني كأنماأتتك بليتيها من الرشإ الفرد
كأن عليها كل عقد ملاحةوحسناً وإن أمست وأضحت بلا عقد
ومن نظرة بين السجوف عليلةومحتضن شخت ومبتسم برد
ومن فاحم جعد ومن كفل نهدومن قمر سعد ومن نائل ثمد
محاسن ما زالت مساو من النوىتغطي عليها أو مستاو من الصد
شخت: دقيق يتمكن الذراع من احتضانه، كأنه ينفي عنها ضخم البطن وموضع [الكشح] ويستحب فيها الضمر.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع