من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ابتداآتهما بذكر البكاء والدموع
قال أبو تمام:
لو صحح الدمع لي، أو ناصح الكمدلقلما صحباك الخد والكبد
وهذا بيت صالح، وليس بالجيد، ولم يستو له أن يقول: العين والكبد؛ لأنهما مؤنثتان فكان يقول: صحبتاك، فجعل مكان العين الخد؛ لأنه مذكر، ولأن كثرة البكاء تؤثر فيه، وتذهب بلحمه، وذهاب العين بالبكاء أخص من ذهاب الخد.
ولو قال: «صحباك العين والكبد» لكان ذلك سائغاً وإن كانتا مؤنثتين؛ لأن هذا يجوز فيما ليس لتأنيثه حقيقة.
ولأبي تمام في باب الفراق والتوديع من الابتداآت بذكر البكاء والدمع، كل شيء جيد نادر، وقد مضى في بابه.
وقال البحتري:
شوق إليك تفيض منه الأدمعوجوى عليك تضيق عنه الأضلع
وهذا من مشهور أبياته في الحسن والجودة.
وقال أيضاً:
يكاد يبدي لسعدي غيب ما أجدتحدر من دراك الدمع مطرد
وهذا معنى حلو حسن.
وقال أيضاً:
لأخي عبرة ما تجفوغرام يدوي الحشا، ويشف
وقال أيضاً:
تعود عوائد الدمع المراقعلى ما في الصدر من احتراق
وقال أيضاً:
دموع عليها السكب ضربة لازمتجدد من عهد الصبا المتقادم
وقال أيضاً:
أدمع قد غرين بالهملانوفؤاد قد لج في الخفقان
وقال أيضاً:
بعينك لوعة القلب الرهينوفرط تتابع الدمع الهتون
وقال أيضاً:
تذكر محزون، وأنى له الذكرىوفاضت بغزر الدمع مقلته العبرى
وقال أيضاً:
بأي أسى تثني الدموع الهواملويرجى زيال من جوى لا يزايل
وهذه كلها ابتداآات جياد، وأجود منها ومن كل ابتداء في هذا الباب وغيره بذكر البكاء والدمع قوله:
قلب مشوق عناه البث والكمدومقلة تبذل الدمع الذي تجد
وقد ذكرته في باب الفراق، وهذا موضعه.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع