تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

ومما جاء في ابتداآته في ذكر العيون

قال البحتري:

تريك الذي حدثت عنه من السحربطرف عليل اللحظ مستغرب الفتر
للشاعر البحتري، من قصيدة «تريك الذي حدثت عنه من السحر»

وقال أيضاً:

غال صبري أما سألت بصبريما بعينيك من فتور وسحر
للشاعر البحتري، من قصيدة «غال صبري إما سألت بصبري»

وقال أيضاً:

ما بعيني هذا الغزال الغريرمن فتون مستجلب من فتور
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما بعيني هذا الغزال الغرير»

وقال أيضاً:

ومهتزة الأعطاف نازحة العطفمنعمة الأطراف فاترة الطرف
للشاعر البحتري، من قصيدة «ومهتزة الأعطاف نازحة العطف»

وقال أيضاً:

سطا فما يأمنه خلهأغيد ساجي الطرف معتله

وقال أيضاً:

فتور العيون وإمراضهانبو الجنوب وإقضاضها

وهذا كله جيد حسن عذب.

وليس لأبي تمام في معناه شيء.

وقال أيضاً:

لوت بالسلام بناناً خضيباًولحظاً يشوق الفؤاد الطروبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لوت بالسلام بنانا خضيبا»

عهدت بعض الشيوخ يكره قوله: «لوت»، ويقول: كان ينبغي أن يقول: أشارت، أو أومأت، أو نحو هذا، وكان بعضهم يحتج له ويقول: لم يمكنه ذاك في نظم البيت.

والذي أظنه أنا أنه أومأ إليها بالسلام فردت عليه والسلام الأول يشار فيه بمد الإصبع على استقامة، والرد: فمن الناس من يرد بمد الإصبع على استقامة أيضاً، ومنهم من يفتلها ويلويها كأنه يقول بإصبعه: وعليك، فيلويها إذا أراد هذا المعنى، وذلك مما نراه أبداً مشاهدة، ونفعله.

وقد ذكر البحتري لي البنانة في موضع آخر فقال:

إن الفراق جلا لنا عن غادةبيضاء تجلو عن شتيت أشنب
للشاعر البحتري، من قصيدة «إما ألم فبعد فرط تجنب»
ألوت بموعدها القديم، وأيأستمنه بلي بنانة لم تخضب

فدل هذا على مثل ذاك، وإن كان المعنيان مختلفين في أنها لم تمد إصبعها مشيرة بها على استقامة كما يشير المبتديء بالسلام، وإنما ألوت إصبعها في الإشارة إليه إما يمنة أو شأمة بمعنى تنح عنا، أو اعدل عنا؛ فليس إلى ما التمست سبيل.

وفي البيت سؤال آخر وهو قوله: «لم تخضب» ومن شأنهم أن

يصفوا بنان المرأة بالخضاب نحو قول الشاعر:

ويبدي الحصى منها إذا قذفت بهمن البرد أطراف البنان المخضب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»

وقول الراعي:

حمر الأنامل عين طرفها ساج

ومثله كثير، وعليه مذاهب الناس.

ولا نعلم أحداً شرط في البنان أنه غير مخضوب غير البحتري في هذا البيت، وإنما يذكرون الخضاب أو لا يذكرونه.

وما أظن البحتري قال هذا عياً ولا جزافاً ولا قاله إلا أن البنانة لم تكن مخضوبة، فوصف الحال على مذاهب الناس ومذهبه في وصف الشيء على ما هو؛ لأن هذا إذا أورده على ما هو لم تك فائدة، فأقول:

إنه قد يجوز أن يكون والله أعلم ذهب إلى أحد معنيين:

إما أن يكون خطر بباله عند نظم البيت قول الشاعر:

وإن حلفت لا ينقض النأي عهدهافليس لمخضوب البنان يمين
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن»

فقال هو: «وأيأست منه بلي بنانة لم تخضب»؛ لأن المرأة لا عهد لها مخضوبة البنان كانت أو غير مخضوبة؛ ألا ترى إلى قوله بعد هذا:

وأرت العهود الغانيات صبابتيآلاً جرى، ووميض برق خلب

فدلك هذا على أنه خطر ذلك البيت بباله فذهب إلى ذلك المعنى.

أي من كان يذم عهد مخضوبة البنان فهذه غير مخضوبة وأنا أذم عهدها أيضاً، فهذا المعنى -إن شاء الله- جيد لائق.

والمعنى الآخر: أن يكون أراد أنها عزفت عن الصبا، وتركت الزينة؛ لأنه قال: «ألوت بموعدها القديم»، فدل على أنه إنما انتجزها موعداً قديماً وأن حالها الآن غير تلك الحال.

وهذا أيضاً وجه قوي دقيق، وكأنه أولى من المعنى الأول بالصواب، والله أعلم.

قوله: «ولحظاً يشوق الفؤاد الطروبا» بالنصب إنما أراد ألوت بالسلام بناناً خضيباً، ولحظت لحظاً يشوق الفؤاد.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.