تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

باب آخر من الابتداآت

قال أبو تمام:

متى أنت عن ذهليه الحي ذاهلوصدرك منها مدة الدهر آهل

قوله: «ذاهل» أي منصرف، يقال: ذهلت عن الشيء بمعنى انصرفت عنه، فيقول: متى أنت عنها منصرف، وصدرك أبداً منها آهل؟ أي لا تخلو أبداً من قلبك.

وقال البحتري:

ضمان على عينيك أني لا أسلووأن فؤادي من جوى بك لا يخلو
للشاعر البحتري، من قصيدة «ضمان على عينيك أني لا أسلو»

فعجز هذا البيت مثل عجز [بيت] أبي تمام، وهو أجود؛ لتصريحه بذكر الجوى.

وصدرا البيتين مقاربان، وبيت البحتري أجود وأبرع.

وقال البحتري:

هواها على أن الصدود سبيلهامقيم بأكناف الحشا ما يزولها
للشاعر البحتري، من قصيدة «هواها على أن الصدود سبيلها»

وهذا البيت أيضاً أجود من بيت أبي تمام لفظاً ومعنى.

وقال في نحو هذا:

أأفاق صب من هوى فأفيقاأو خان عهداً، أو أطاع شفيقا؟
للشاعر البحتري، من قصيدة «أأفاق صب من هوى فأفيقا»

وقال أيضاً:

أراد سلواً عن سليمى وعن هندفغالبه غي السفاه على الرشد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أراد سلوا عن سليمى وعن هند»
وقال: سواي مرجى سلوة، أو مريدهاإذا واقدات الحب حب خمودها

وهذا كله غاية في الحسن والجودة.

وقد تصرف البحتري في باب الوجد والغرام وشدة الحب في ابتداآته تصرفاً حسناً، فمن ذلك قواه:

حاشاك من ذكرى ثنته كئيباوصبابة ملأت حشاه ندوبا

وقال أيضاً:

حقاً أقول: لقد تبلت فؤاديوأطلت مدة غيي المتمادي
للشاعر البحتري، من قصيدة «حقا أقول لقد تبلت فؤادي»

وقال أيضاً:

ناهيك من حرق أبيت أقاسيوجروح حب ما لهن أواس
للشاعر البحتري، من قصيدة «ناهيك من حرق أبيت أقاسي»

وقال أيضاً:

أتراك تسمع للحمام الهتفشجواً يكون كشجوي المستطرف
للشاعر البحتري، من قصيدة «أتراك تسمع للحمام الهتف»

وقال أيضاً:

يهون عليها أن أبيت متيماًأعالج وجداً في الضمير مكتما
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهون عليها أن أبيت متيما»

وقال أيضاً:

غرام ما أتيح من الغراموشجو للمحب المستهام
للشاعر البحتري، من قصيدة «غرام ما أتيح من الغرام»

وقال أيضاً:

أنافع عند ليلى فرط حبيهاولوعة لي أبديها وأخفيها

وقال أيضاً:

قليل لها أني بها مغرم صبوأن لم يقارف غير وجد بها القلب
للشاعر البحتري، من قصيدة «قليل لها أني بها مغرم صب»

أراد: قليل لها غرامي بها وصبابتي وإن لم أهو غيرها، ولا وجه لكسر أن الثانية.

فانظر إلى هذا التصرف الحسن، والألفاظ المختلفة في المعاني المتقاربة.

ولا أعرف لأبي تمام في هذا كله شيئاً.

ومما افتتحه البحتري بالهجر قوله:

نصيبي منك لوم العاذلاتوهجران أطلت به أذاتي
للشاعر البحتري، من قصيدة «نصيبي منك لوم العاذلات»

وقال أيضاً:

شد ما أغريت ظلوم بهجريبعد وجدي بها وغلة صدري

وقال أيضاً:

خير يوميك في الهوى واقتبالهيوم يدنيك من وصاله
للشاعر البحتري، من قصيدة «خير يوميك في الهوى واقتباله»

وقال أيضاً:

لج هذا الحبيب في هجرانهوغدا والصدود أكبر شانه
للشاعر البحتري، من قصيدة «لج هذا الحبيب في هجرانه»

وقال أيضاً:

لي حبيب قد لج في الهجر جداًوأعاد الصدود منه وأبدى
للشاعر البحتري، من قصيدة «لي حبيب قد لج في الهجر جدا»

وقال أيضاً:

طاف الوشاة به فصد وأعرضاوغلا به هجر أمض وأرمضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «طاف الوشاة به فصد وأعرضا»

وقال أيضاً:

متى وصل منك ومنك هجروفي ذل، وفيك كبر

وليس لأبي تمام في هذا النحو شيء إلا قوله:

خشنت عليه أخت بني خشينوأنجح فيك قول العاذلين
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خشنت عليه أخت بني خشين»

وهذا بتداء رديء.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.