تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

ذكر ما قالاه في الجمال والبهجة وحسن الوجوه وتشبيه النساء بالشموس، والبدور، والنجوم، وغير ذلك

قال أبو تمام:

لحقنا بأخراهم وقد حوم الهوىقلوباً طيرها وهي وقع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»
فردت علينا الشمس والليل راغمبشمس لهم من جانب الخدر تطلع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»
نضا ضوؤها صبغ الدجنة وانطوىلبهجتها ثوب السماء المجزع
فوالله ما أدري أأحلام نائموتشعب أعشار القلوب وتصدع
وأقرع بالعتبى حمياً عتابهاوقد تستقيد الراح حين تشعشع؟
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»
وتقفو لي الجدوى بجدوى وإنمايروقك بيت الشعر حين يصرع

قوله: «حوم الهوى قلوباً» أي هيجها الشوق وكانت طيرها ساكنة.

يريد أن ظعنهم هيج الشوق بعد سكونه والدار جامعة.

و «ثوب السماء المجزع» يريد طمس نورها نور الكواكب التي هي نقش السماء، كالجزع نقط البياض.

و «يوشع» يريد يوشع بن نون، قيل: إن الشمس ردت له، في قصة تؤثر.

وقوله: «تحيي الهوى» أي بهجرها، و «تميته» بوصلها ونائلها، كما قال جرير:

فلما التقى الحيان ألقيت العصاومات الهوى لما أصيبت مقاتله
للشاعر جرير، من قصيدة «ألم تر أن الجهل أقصر باطله»

أي لما أصيبت مقاتله بالاجتماع.

«وتشعب أعشار الفؤاد» تضمها، وتلائم بينها، وأعشاره: أجزاؤه من قول امريء القيس

«في أعشار مقتل»

وإنما قيل أعشار؛ لأن العشرة نهاية في كل شيء من العدد، واحدها عشر، فإنما أراد جميع القلب.

وقوله: «تصدع»، أي تشق، يريد تلائم بين أجزائه مرة، وتفرق مرة أخرى بينها، مثل قوله: «تحيي الهوى وتميته».

وقوله: «وأقرع بالعتبى حميا عتابها»، أي أعتب إذا عاتبت، وأنتهي إلى ما فيه رضاها، فجعل شدة غضبها عند العتاب حميا كحميا الخمر، وهي شدتها، وجعل العتبى التي تكون منه حتى يزول غضبها قرعاً كقرع الخمر بالماء حتى تلين.

وقوله: «وقد تستقيد الراح حين تشعشع»، أي وهي مع أني كسرت غضبها وقمعته يقهرني حبها، ويغلبني سكر هواها، ويملكني كما تستقيد الراح فتصرع بالسكر من يقرعها بالمزاج.

وهذه كلها معان صحيحة مستقيمة، واستعارت لائقة بما استعيرت له.

فأما قوله:

وتقفو لي الجدوى بجدوى وإنمايروقك بيت الشعر حين يصرع

فلفظ حسن حلو، ولكنه مثل شيئاً بشيء كان غيره بالتمثيل أليق، وذلك لما قال: «وتقفو لي الجدوى» كان سبيله أن يقول: وإنما يبل الغليل العلل بعد النهل، أو ما كان أشبه هذا وقاربه؛ لأن الجدوى هو نائل المرأة، وليست من حظوظ السمع فيمثل بها بيت الشعر المصرع الذي إنما يروق السمع فقط.

ولست أقول إنه أخطأ، ولكن ليس بالجيد اللائق، والجيد فيه قول البحتري:

فإن تتبع النعمى بنعمى فإنهيزين اللآليء في النظام ازدواجها

فجعل اللآليء التي هي فرائد تحصل في اليد والعين والنفس مثالاً لنعمة المنعم وليس للأذن ههنا ولا هناك حظ.

وقال أبو تمام:

عطفوا الخدود على البدور ووكلواظلم الستور بنور حور نهد
وثنوا على وشي الخدود صيانةوشي البرود بمسجف وممهد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي»

البيت الأول حسن حلو، وأخذ قوله: «وثنوا على وشي الخدود صيانة

وشي البرود» من قول الكميت:

وأدنين البرود على خدوديزين الفداغم بالأسيل
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «وادنين البرود على خدود»

أراد بالفداغم: الخدود اللحيمة، أي يزينها بأسالة خدودهن، أو أن يكون أراد بالفداغم المواضع الممتلئة من الجسد بالشحم، فيزين ما كان ممتلئاً بأسالة خدودهن، وهذا غير حسن، والأول أشبه بلفظ البيت.

ومعناه أيضاً غير جيد؛ لأن الخد الأسيل إذا اقترن بالخد اللحيم قبحه وشانه ولم يزنه؛ لبيان فضله عليه، وقد ذكرت هذا في أغاليطه مشروحاً.

وقال أبو تمام:

وفي الخدور مهاً لو أنها شعرتبه طغت فرحاً، أو ألبست أسفا
لآليء كالنجوم الزهر قد لبستأبشارها صدف الإحصان لا الصدفا
من كل خود دعاها البين فابتكرتبكراً ولكن غدا هجرانها نصفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»
لا أظلم النأي قد كانت خلائقهامن قبل وشك النوى عندي نوى قذفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»
غيداء جاد ولي الحسن سنتهافصاغها بيديه روضة أنفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»
مصقولة سترت عنا ترائبهاقلباً بريئاً يناغي ناظراً نطفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»

قوله: «صدف الإحصان لا الصدفا» ليس بالجيد؛ لأنه قال: قد لبست صدف الإحصان، فأراك أنها لابسته في الحال.

وقوله: «لا الصدفا» ليس له وجه؛ لأن اللؤلؤ قد فارق الصدف وليس هو لابسه في الحال.

والجيد الصحيح المعنى قول البحتري:

إذا نضون شفوف الريط آونةقشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا
للشاعر البحتري، من قصيدة «يهدي الخيال لنا ذكرى إذا طافا»

شبه أجسامهن في وقت تجردهن من الثياب، باللؤلؤ في الوقت الذي يقشر عنه الصدف.

والعذر لأبي تمام أن يقال: إنما أراد أنها خلقت لابسة صدف الإحصان لا الصدف، أي ليست كاللؤلؤ الذي خلق في الصدف.

وبيت البحتري أجود.

وقول أبي تمام: «صدف الإحصان» معنى لطيف.

وقوله: «لو شعرت به» أي لو شعرت بشدة وجده طغت فرحاً، أو «ألبست أسفاً على ما فات منه» وهذه طريقة ابن أبي ربيعة التي كانت تليق به، ومع ذلك يعاب بها.

وهذه أبيات متكلفة، وخاصة قوله: «فابتكرت بكراً ولكن غدا هجرانها نصفا» فإنه غير شهي، ولا مريء اللفظ، ولا المعنى.

. ولله در أبي عبادة إذ يقول على هذا الوزن:

وفي الخدور بذور قلما طلعتإلا تصرم ضوء البدر أو كسفا
مقسومة بين أرداف مبتلةتدعو الهوىن وخصور أرهفت قصفا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إستقبلا الركب في أطلالهم وقفا»
قد كنت أشكو تمادي حبها حدثاًفالآن أطمع في إنصافها نصفا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إستقبلا الركب في أطلالهم وقفا»
أكاد من كلف أعطي الحمام يداًإذا الحمام على أغصانه هتفا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إستقبلا الركب في أطلالهم وقفا»
ما باشر النار مشبوباً تضرمهامن لم يضف تحت أحناء الحشا كلفا
للشاعر البحتري، من قصيدة «اسْتَوقِفا الرَّكبَ في أَطْلالِهم، وقِفا»
أراجع من شبابي قيض مبتذللو أنفقته في لبانات الصبا سرفا
لله أيامنا ما كان أحسنهالو أن دهراً تولى ذاهباً وقفا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إستقبلا الركب في أطلالهم وقفا»
لا تكذبن فما الدنيا براجعةما فات من لذة الدنيا وما سلفا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إستقبلا الركب في أطلالهم وقفا»

وقال أبو تمام:

ورفيقة اللحظات يعقب رفقهابطشاً بمغتر القلوب عنيفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أطلالهم سلبت دماها الهيفا»
حزن الصفات روادفاً وسوالفاًومحاجراً ونواظراً وأنوفا
كن البدور الطالعات فأوسعتمنا أفولاً بالنوى وكسوفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أطلالهم سلبت دماها الهيفا»
آرام حي زعزعتهم نيةتركتك من خمر الفراق نزيفا
كانوا رداء زمانهم فتصدعوافكأنما لبس الزمان الصوفا

وهذه معان جيدة لائقة إلا قوله: «لبس الزمان الصوفا»؛ فإن الناس جميعاً استهجنوه، ولو كان اعتمد إن لا يترك قافية على الفاء إلا أوردها لما كلن ينبغي أن ذكر الصوف وخاصة على هذا الوجه.

وقال البحتري:

إن في السرب لو يساعفنا السرب شموساً يمشين مشياً وئيدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إنما الغي أن يكون رشيدا»
يتدافعن بالأكف ويعرضــن علينا عوارضاً وخدودا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إنّما الغَيّ أنْ يكونَ رَشيدَا»
يتبسمن عن شتيت أراهأقحواناً مفصلاً أو فريدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إنما الغي أن يكون رشيدا»
رحن والليل قد أقام رواقاًفأقمن الصباح فيه عمودا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إنما الغي أن يكون رشيدا»
بفتاة مثل المهاة أبتأن تصل الوصل، أو تصد الصدودا
ذات حسن لو استزادت من الحــسن إليه لما أصابت مزيدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إنما الغي أن يكون رشيدا»
فهي الشمس بهجة، والقصيب الــغض ليناً والرئم! طرفاً وجيدا

وحسبك بهذا حسناً، وصحة، وجودة، وخاصة هذا البيت الأخير وما جمع فيه من التشبيه بأبرع لفظ، وأحلى سبك، ولكن أفسده بقوله: «أبت أن تصل الوصل، أو تصد الصدودا»، [وإنما علقه من أبي تمام].

وقال أبو تمام:

سلبنا غطاء الحسن عن حر أوجهتظل للب السالبيها سوالبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أأيامنا ما كنت إلا مواهبا»
وجوه لو أن الأرض فيها كواكبتوقد للساري لكانت كواكبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أأيامنا ما كنت إلا مواهبا»

وهذا معنى قديم متداول، وأحسن ما قيل فيه قول مزاحم العقيلي:

وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بهاصدعن الدجى حتى ترى الصبح ينجلي

وهذا كثير.

وقال البحتري:

كالبدر إلا أنها لا تجتلىوالشمس إلا أنها لا تغرب
للشاعر البحتري، من قصيدة «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»

فجاء بمعنى آخر فيه سؤال؛ وذلك أنه لما قال: «كالبدر إلا أنها لا تجتلى» كان هذا من أحسن معنى وألطفه؛ لأن عيون الناس كلهم ترى البدر وتجتليه، وهي لا تراها العيون، ولا تجتلى [ثم قال: «والشمس إلا أنها لا تغرب» وإنما قال لا تجتلى] لأنها محجوبة، وإذا كانت في حجاب فهي في غروب؛ لأن الشمس إذا غربت فإنما تدخل تحت حجاب، فظاهر المعنى: كالبدر إلا أن العيون لا تراها، والشمس إلا أن العيون لا تفقدها، وظاهر هذا القول -كما تراه- متناقض، وأظنه أنه أراد أنها وإن كنت في حجاب فإنه لا يقال غربت تغرب كما يقال للشمس، وإنما يقال لها إذا سافرت: بعدت، واغتربت، وغربت إذا توجهت نحو الغرب.

وقد يقال للرجل اغرب عنا أي ابعد، ولو استعار لها اسم الغروب عن الأرض التي تكون فيها إذا ظعنت عنها إلى أرض أخرى، كان ذلك حسناً جداً، لا سيما وقد جعلها شمساً، كما قال إبراهيم بن العباس الصولي:

وزالت زوال الشمس عن مستقرهافمن مخبري في أرض غروبها
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وقد يجوز أن يقول قائل: أنه أراد أنها لا تغرب تحت الأرض كما تغرب الشمس، وهذه معاذير ضيقة لأبي عبادة، فإن لم يك قد أخطأ فقد أساء [وإن لم يكن قد أساء فما أحسن]

وقال أبو تمام:

قالت وقد أعلقت كفي كفهاحلا وما كل الحلال بطيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحسن بأيام العقيق وأطيب»
فنعمت من شمس إذا حجبت بدتمن نورها فكأنها لم تحجب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحسن بأيام العقيق وأطيب»

وهذا معنى حسن، وقد تقدم الناس فيه وأكثروا.

قال قيس بن الخطيم:

قضى لها الله حين صورها الــخالق أن لا يكنها سدف

وأجود من هذا قول جرير:

كأنها مزنة غراء رائحةأو درة لا يواري ضوءها الصدف

ووصل أبو تمام ذلك بأن قال:

وإذا رنت خلت الظباء ولدنهاربعية، واسترضعت في الربرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحسن بأيام العقيق وأطيب»
إنسية إن حصلت أنسابهاجنية الأبوين ما لم تنسب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحسن بأيام العقيق وأطيب»

قوله: «ربعية» يريد أنها ولدت في الربيع أول النتاج فهي أحسن ما تكون وأقوى، «واسترضعت في الربرب» والربرب: القطيع من [بقر] كأنه يؤكد حسن عينها.

وقوله:

إنسية إن حصلت أنسابهاجنية الأبوين ما لم تنسب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحسن بأيام العقيق وأطيب»

فيه سؤال وهو أن يقال: قوله: «جنية الأبوين» هو كقوله: تممية الأبوين، أو قرشية الأبوين، وهذا أصح ما يكون من النسب، فكيف يقول: ما لم تنسب؟، والنسب إلى الجن كالنسب إلى الإنس، فكما تقول: إنسي فكذلك تقول: جني، فكيف يكون ذلك نسباً، وهذا غير نسب.

فالجواب أنه أراد إن حصل نسبها فقيل فلانة بنت فلان من بني فلان علم أنها من الإنس، وإن أبصرها المبصر ولم يسأل عن نسبها ظن أنها من الجن من فرط حسنها الزائد على حسن الإنس المعهود، فإنما قال: «ما لم تنسب» أي ما لم ننسبها إلى آبائها من الإنس، وقال المؤمل بن إميل المحاربي:

جنية أو لها جن يعلمهارمي القلوب بسهم ماله وتر

وأحسن في هذا كل الإحسان؛ لأن الرمي عن غير وتر ليس من رمي الإنس وقال بشار:

إنسية .............. جنيةأو فوق ذاك أجل قدرا

فجعلها لحسنها فوق الإنس والجن.

وقال حسان:

جنية أرقني حبهاتذهب صبحاً وترى في المنام

فأما قول الشنفرى:

فلو جن إنسان من الحسن جنت

فإني أظنه أراد: لو عرضت الجن لأحد من حسنه عرضت لها، وقد قيل فيه غير شيء، وكله رديء، وليس مثله يذكر.

وقال أبو تمام:

أين التي كانت إذا شاءت جرىمن مقلتي دمع يعصفره دم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أزعمت أن الربع ليس يتيم»
بيضاء تسري في الظلام فيكتسينوراً وتبدو في الضياء فيظلم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أزعمت أن الربع ليس يتيم»
يستعذب الرعديد فيها حتفهفتراه وهو المستميت المعلم
مقسومة في الحسن بل هي غايةفالحسن فيها والجمال مقسم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أزعمت أن الربع ليس يتيم»
ملطومة بالورد أطلق طرفهافي الخلق فهو مع المنون محكم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أزعمت أن الربع ليس يتيم»

قوله: «بيضاء تسري في الظلام فيكتسي نوراً» هو مذهب الناس نحو قول امريء القيس:

تضيء الظلام بالعشاء كأنها[منارة ممسى راهب متبتل]
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وقول مزاحم: «صدعن الدجى» وأشباه هذا.

وقوله: «تبدو في الضياء فيظلم» يريد أن نورها يغلب على ضوء

النهار حتى يصير كأنه مظلم، وهذا أيضاً معروف، من قولهم: لو برزت للشمس لكسفتها، والنهار عند نور وجهها ليل، وأشباه هذا.

وقال في موضع آخر:

ولهت فأظلم كل شيء دونهاوأضاء منها كل شيء مظلم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نثرت فريد مدامع لم ينظم»

فقوله: «أظلم كل شيء دونها» ليس من هذا الباب، وإنما أراد أن أمر الفراق أولهها فأظلمت الأشياء في عينها؛ لعظم ما ورد عليها.

وهذا مثل قول الشاعر، وأنشد أبو تمام في الحماسة:

نعى لي أبا المقدام فاسود منظريمن الأرض واستكت علي المسامع

قوله: و «أضاء منها كل شيء مظلم» مثل قوله: «تبدو في الظلام فيكتسي نوراً».

وقوله: «مقسومة في الحسن» أي محظوظة منه، كأنها قد قسم لها منه، والقسم: النصيب.

وقوله: «ملطومة بالورد» يريد حمرة خدها، فلم يقل: مصفوعة بالقار، ويريد سواد شعرها، ومخبوطة بالشحم يريد امتلاء لجسمها، ومضروبة بالقطن يريد بياضها، إن هذا لأحمق ما يكون من اللفظ، وأسخفه، وأوسخه.

وقد جاء مثل هذا في كلام العرب ولكن على وجه حسن، قال النابغة:

وقذوفة بدخيس اللحم بازلها[له صريف صريف القعو بالمسد]

يريد أنها قذفت بالشحم، أي كأنه رمي على جسمها رمياً.

وإنما ذهب أبو تمام إلى قول أبي نواس: «وتلطم الورد بعناب»

وهذه كانت تلطم على الحقيقة في مأتم على ميت بأنامل مخضوبة الأطراف، فجعلها عناباً تلطم به ورداً، فأتى بالظرف كله، والحسن أجمعه، والتشبه على حقيقته.

وجاء أبو تمام بالجهل على وجهه، والحمق بأسره، والخطأ بعينه.

وقال:

ومقدودة رود تكاد تقدمهاأصابتها بالعين من حسن القد
تعصفر خديها العيون بحمرةإذا وردت كانت وبالاً على الورد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أأطلال هند ساء ما اعتضت من هند»
إذا زهدتني في الهوى خيفة الردىجلت لي عن وجه يزهد في الزهد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أأطلال هند ساء ما اعتضت من هند»

قوله: «من حسن القد» بضم السين، من أقبح لفظة وأهجنها.

ومثل قوله:

«أعرضت عن الإعراض»

وهذا إذا سمعه الأعراب ضحكوا منه، بل الجيد قوله:

لولا العيون وتفاح الخدود إذاما كان يحسد أعمى من له بصر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا هذه أقصري ما هذه بشر»

وأول هذه القصيدة:

يا هذه أقصري ما هذه بشرولا الخرائد من أترابها الأخر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا هذه أقصري ما هذه بشر»
خرجن في خضرة كالروض ليس لهاإلا الحلي على أعناقها زهر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا هذه أقصري ما هذه بشر»
بدرة حفها من حولها دررأرضى غرامي فيها دمعي الدرر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا هذه أقصري ما هذه بشر»
صب الشباب عليها وهو مقتبلماء من الحسن ما في صفوه كدر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا هذه أقصري ما هذه بشر»

قوله: «خرجن في خضرة» فإن الخضرة ليست من ألوان ثياب نساء البادية ولا من صبغ نساء الأمصار إلا في الفرط، لا يلبس إلا أن يكون أصل لون الثوب أخضر.

وقد جعل أبو تمام جميع لباس هؤلاء النسوة الأخضر، وشبهه بالروض من أجل تشبيهه الحلي بالزهر، وهو نبت حسن، وغرضه في ذكر الخضرة غرض صحيح إلا أنه غير معروف.

وقال البحتري:

واخضر موشى البرود وقد بدامنهن ديباج الخدود المذهب
للشاعر البحتري، من قصيدة «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»

ذكر الخضرة لأنه لم يجد لوناً غيرها؛ وذلك أن البياض ليس مما توصف به ثياب النساء، والسواد ثياب الحزن والمصائب، وقد جعل خدودهن ديباجاً مذهباً، والذهب يشتمل على لون الحمرة، والصفرة، والتوريد هو من ألوان الخد، والكحلي لا يلفظ به، والعرب لا تذكره في

الألوان، وكذلك الأزرق لا تستعمله إلا في صفة الماء والصبح، ويقولون: عدو أزرق، أي حديد النظر، وسنان أزرق أي حديده، ولم يبق من الألوان ما يخالف لون الخدود المذهبة كما قال إلا الخضرة، فهذا وجه ذكر البحتري الخضرة؛ لأنه لو قال:

واحمر موشى الخدود وقد بدامنهن ديباج الخدود المذهب

لكان مدحاً بلونين متفقين.

وقال البحتري:

هز منها شرخ الشباب فجالتفوق خصر كثير جول الوشاح
للشاعر البحتري، من قصيدة «هين ما يقول فيك اللاحي»
وأرتنا خداً يراح له الورد ويشتمه جنى التفاح
للشاعر البحتري، من قصيدة «هين ما يقول فيك اللاحي»
وشتيتاً يغض من لؤلؤ النظــم ويزري على شتيت الأقاحي
للشاعر البحتري، من قصيدة «هين ما يقول فيك اللاحي»
فأضاءت تحت الدجنة للشرب وكادت تضيء للمصباح
للشاعر البحتري، من قصيدة «هين ما يقول فيك اللاحي»
وأشارت على الغناء بألحاظ مراض من التصابي صحاح
فطربنا لهن قبل المثانيوسكرنا منهن قبل الراح
للشاعر البحتري، من قصيدة «هين ما يقول فيك اللاحي»
قد تدير الجفون من عدم الألــباب ما لا يدور في الأقداح
للشاعر البحتري، من قصيدة «هين ما يقول فيك اللاحي»

قوله: «فجالت فوق خصر» كلام حسن.

وقوله: «يراح له الورد» حسن أيضاً.

وقول أبي تمام: «كانت وبالاً على الورد» أحسن منه وألطف، وأشبه بما يستعمل في هذا المعنى.

وقوله: «ويشتمه جنى التفاح» ليس بالجيد، بل هو رديء؛ لأنه لا يدخل في الاستعارة أن يشتم التفاح خدها، ولكنه يحمل على أن لو كان مما يشتم لاشتم خدها، أو لو كان الورد مما يراح لراح له.

و «يراح» أسهل من «يشتم».

وهذا مثل قول [عوف بن عطية] بن الخرع:

لها حافر مثل قعب الوليديتخذ الفأر فيه مغارا
للشاعر عوف بن عطية بن الخرع، اقرأ القصيدة

والفأر لا تتخذ في الحافر مغاراً، وإنما قال ذلك لعظم الحافر، ومثله أيضاً قولهم: جاء بجفنة يقعد فيها خمسة، وإنما أراد لو قعدوا فيها لو سعتهم.

وهذا على كل حال أقرب من استعارة البحتري.

وقوله: «وشتيتاً يغض من لؤلؤ النظم» بيت في غاية الجودة، والصحة، والبراعة.

وكذلك قوله: «وكادت تضيء للمصباح» وهو أجود من قول أبي تمام:

«وتبدو في الضياء فيظلم»، وأوضح وأليق، وأشد مبالغة في الضوء.

وقال البحتري:

وبنفسي مستغرب الحسن فيهحيد عن محبه ونفار
فاتر الناظرين ينتسب الورد وجنتيه والجلنار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا ليس شأني الإقصار»
مذنب يكثر التجني فمنه الذنب ظلماً ومني الاعتذار

وهذا من قول المؤمل بن أميل المحاربي:

وتذنبون فنأتيكم فنعتذر

وقال البحتري:

وقد نهيت فؤادي لو يطاوعنيعن ذي دلال غريب الحسن مفرده
للشاعر البحتري، من قصيدة «طيف ألم فحيا عند مشهده»
عن حب أحوى أسيل الخد أبيضهساجي الجفون كحيل الطرف أسوده
للشاعر البحتري، من قصيدة «طيف ألم فحيا عند مشهده»
مثل الكثيب تعالى في تراكمهمثل القضيب تثنى في تأوده
للشاعر البحتري، من قصيدة «طيف ألم فحيا عند مشهده»

فجعل الخد ههنا أبيض من أجل قوله: «كحيل الطرف أسوده».

وابيضاض الخد عند كثير من الناس -إذا كان له ماء ورونق- أحسن من احمراره.

وقوله: «أحوى» إنما ذهب به إلى الظبي، وهو الذي في ظهره خط أسود، فقال «أحوى» مكان قوله «ظبي» لو قاله.

وهذا لفظ ومعنى في غاية الحسن.

وقال:

بيضاء أوقد خديها الصبا وسقىأجفانها من مدام الراح ساقيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنافعي عند ليلى فرط حبيها»
في حمرة الورد شكل من تلهبهاوللقضيب نصيب من تثنيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنافعي عند ليلى فرط حبيها»

قوله: «أو قد خديها الصبا» يريد احمرارها، وهذا لفظ حسن ومعنى مستقيم.

وقوله: «وسقى أجفانها من مدام الراح ساقيها» يريد تفتير ألحاظها، وانكسار أجفانها من الغنج، كما تتكسر أجفان السكران.

وهذا كقوله:

تحسبه نشوان إما رنا للـ ... فتر من أجفانه وهو صاح والأشهر الأكثر في كلامهم تشبيههم أجفان المحبوب بطرف الوسنان لا بطرف السكران، فذلك نحو قول الشاعر:

وكأنها بين النساء أعارهاعينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النعاس فرنقتفي عينه سنة وليس بنائم
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «ألمم على طلل عفا متقادم»

ويجعلون طرف المحبوب هو الذي يسكر، ويقيمونه مقام الراح، وقد أكثر البحتري من هذا الوصف، وذلك قوله:

أرسلت شغلين: من لفظ محاسنهتدوي الصحيح ولحظ يسكر الصاحي
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألمع برق سرى أم ضوء مصباح»
حييت خديك بل حييت من طربورداً بورد وتفاحاً بتفاح
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألمع برق سرى أم ضوء مصباح»

[وقوله:

قد تدير الجفون من عدم الألــباب ما لا يدور في الأقداح]
للشاعر البحتري، من قصيدة «هين ما يقول فيك اللاحي»

وقوله:

وما أسكرتني الراح لكن أعانهاعلي بعينيه الغداة ومديرها

وقوله:

سقاني بكأسيه وعينيه قادراًبألحاظه دون المدام على سكري
للشاعر البحتري، من قصيدة «حبيب سرى في خفية وعلى ذعر»

وقوله:

مسكري إن شربت منه بعينيأرجوان من خمر خديه صرف

ولو قال: «خندريس من خمر عينيه» كان ذلك صحيحاً مستقيماً، ولكن «أرجوان من خمر خديه» أحسن وألطف.

ولما قيل: «بيضاء أوقد خديها الصبا» كان يجب أن يقول: في حمرة الورد شكل من تلهبها، فلم يقل، ونسب التلهب إليها، وإن كان للخدين، وذلك من أجل قوله:

وللقضيب نصيب من تثنيها

ويجوز أن يكون ذهب بقوله من تلهبها إلى تلهب نار الخدين؛ لأنه قد دل عليها بالإيقاد.

وقال أبو تمام في حمرة الخد:

إن في خيمهم لمطعمة الحجــلين والمتن متن خوط وريق
وكأن الجريال شيب بماء الدر في خدها بماء العقيق

كذا رواية هذا البيت: «شيب بماء الدر في خدها بماء العقيق» [وهو الصحيح].

والجريال: اللون الأحمر، وأراه أراد لون الخمر، كما قال الأعشى:

«سلبتها جريالها»، أي حمرتها، وقد سئل عن هذا فقال:

شربتها حمراء وبلتها بيضاء!.

واستقامة اللفظ أن يكون أراد: وكأن الجريال بماء العقيق شيب بماء الدر في خدها، كما قال في نحو هذا اللفظ:

وأخلاق كأن المسك فيهابصفو الراح بالنطف العذاب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سلام الله عدة رمل خبت»

فإن كان هذا أراد فقد كان ماء العقيق يغني عن الجريال؛ لأن الدر والعقيق جوهران، واختلاط مائهما على الاستعارة حتى يشبه الخد المورد سائغ.

وإن كان أراد بالجريال الخمر نفسها كما قال الشاعر:

وتكلمت بلسانها الجريال

فإن الخمرة بحمرة لونها مستغنية عن ماء العقيق؛ لأنها أنصع وأحسن.

وهو أيضاً جمع بين شيئين لا يتشابهان:

والعادة الجارية في مثل هذا أن يقال: كأن خدها الخمر والماء، أو كأنها في خدها الخمر والماء، فأما الخمر ممزوجة أو مشوبة بماء العقيق فإنه خطل من القول.

وقال أبو تمام:

رود أصابتها النوى في خردكانت بدور دجنة وشموسا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أقشيب ربعهم أراك دريسا»
وكأنما أهدى شقائقه إلىوجناتهن ضحى أبو قابوسا
بيضاً يدرن عيونهن إلى الصبافكأنهن بها يدرن كؤوسا

وهذه أبيات صالحة.

ثم جن بعد هذا فقال:

لولا حداثتها وأني لا أرىعرشاً لها لظننتها بلقيسا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أقشيب ربعهم أراك دريسا»

فأي شيء يزيد على هذه الحماقة.

وقال البحتري:

سفرت كما سفر الربيع الطلق عنورد يرقرقه الضحى مصقول
للشاعر البحتري، من قصيدة «في غير شأنك بكرتي وأصيلي»
وتبسمت عن لؤلؤ في رصفهبرد يرد حشاشة المتبول
للشاعر البحتري، من قصيدة «في غَيرِ شأْنكَ بُكْرَتِي وأصِيلي»

أي شيء يزيدك على هذا الإحسان؟

وأجود من هذا وأحلى قول كثير:

ويوم الخيل قد سفرت وكفترداء العصب عن رتل براد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
وعن نجلاء تدفع في بياضإذا دمعت وتنظر في سواد
وعن متكاوس في العقص جثلأثيث النبت ذي غدر جعاد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شَجَا أَظْعَانُ غَاضِرَة َ الغوادي»

متكاوس: شعر كثير قد ركب بعضه بعضاً.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.