من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما لاقاه في وصف الثغور
وقال أبو تمام:
وثنياك إنها إغريضولآل توم وبرق وميض
وأقاح منور في بطاحهزه في الصباح روض أريض
وارتكاض الكرى بعينيك في النومفنوناً وما لعيني غموض
لتكاءدنني غمار من الأحــداث لم أدر أيهن أخوض
وهذه لعمر الله يمين في غاية الحسن [والحلاوة] والملاحة.
وقوله: «وأقاح منور في بطاح» كلام مستقيم، والبطاح: ما اطمأن من الأرض وانهبط والندى، والعشب فيه أبقى، ورياض الحزن أحسن، فأما قول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبة
فإن الحزن ههنا: موضع كانت أبل الملوك ترعي فيه على ما ذكر.
وقوله: «هزة في الصباح روض أريض» ليس بالجيد اللائق؛ لأن الأقاحي هي من الروض، والروض أنما يهزه ويحركه الندى، والنسيم لا أن يهز بعضه بعضاً.
والأبيض: هو المتمكن في موضعه، الجيد النبات.
وقال البحتري:
لها غرائب دل ما يزال لهاعلى الغرام به حث وتحريض
تفاح خد إذا احمرت محاسنهمقبل بخفي اللحظ معضوض
وواضحات تريك الدر متسقاًكأنهن إذا استغربن إغريض
لو كان يكفيك علم الشيء تجهلهفقد كفاك من التصريح تعريض
فقوله: «تريك الدر متسقاً» أحسن، وأصح من قول أبي تمام:
«ولآل توم» غير أن أبا تمام شبه الثغر في بيته بثلاثة أشياء وقد فعل البحتري ذلك فقال:
بات نديماً لي حتى الصباحأغيد مجدول مكان الوشاح
كأنما يضحك عن لؤلؤمنظم أو برد أو أقاح
فشبه الثغر بثلاثة أشياء، وشرط في اللؤلؤ أنه منظم، كما قال في البيت الآخر:
«تريك الدر متسقاً»، حتى استوى التشبيه بالإغريض.
وقد شبه الثغر بالبرد والأقاحي في مصراع فقال:
يضحكن عن برد ونور أقاحويشبن ظلم رضابهن براح
ووصله ببيت هو في حسنه وحلاوته فقال:
وإذا برزن من الخدور سفرن عنهميك: من ورد ومن تفاح
وقد شبه البحتري أيضاً بياض ثغر المرأة بالبرق، وبضوء المصاح فقال:
أضوء برق بدا أم ضوء مصباحأم ابتسامتها بالمنظر الضاحي
ثم قال بعده:
ويرجع الليل مبيضاً إذا ضحكتعن أبيض خضل السمطين لماح
وهذا أحسن كلام، وأصحه، وأحلاه.
ولكن البديع في تشبيه الثغر بالبرق قول العديل بن الفرخ العجلي:
ضحكت فقلت غمامة برقت لنابشعاب مكة برقها لا يبرح
فشرط أن برقها مقيم لا يبرح، وهذ ألطف ما يكون من المعاني وأحسنها.
وقد أحسن البحتري كل الإحسن في قوله:
وشتيتاً يغض من لؤلؤ النظــم ويزري على شتيت الأقاحي
ومن إحسانه المشهور لفظاً ومعنى قوله:
ولما التقينا والنقا موعد لناتعجب رائي الدر حسناً ولاقطه
فمن لؤلؤ تبديه عند ابتسامهاومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
والعرب تشبه الثغر باللؤلؤوالإغريض وهو ما يتشقق
عنه الطلع من النخل، والأقاحي، وهو أشبهها بالثغر هيئة، وشكلاً، وبياضاً، وتفلجاً، وتشبهه بالبرد، وبشوك السيال، وهو شجر، ولا يريدون اللون، وإنما يريدون الشكل والتفرق، قال الأعشى:
باكرتها الأغراب في سنة النوم فتجري خلال شوك السيال
الأغراب: أقداح الفضة باكرتها وفيها الخمر وقد قال أبو تمام:
وعلى العيس خرد يتبسمــن عن الأشنب الشتيت البراد
كان شوك السيال حسناً فأضحىدونه للفراق شوك القتاد
فالبراد: هو البارد، والأشنب أيضاً: البارد، والشنب: البرد، وإنما جمع بينهما لاختلاف اللفظ.
وقال أبو تمام:
ولو تبسم عجنا الطرف في بردوفي أقاح سقته الخمر والضرب
من شكله الدر في رصف النظام ومنصفاته الفتنتان: الظلم والشنب
قوله: «وفي أقاح الخمر والضرب» معنى حسن جداً، ولائق بالمعنى.
والظلم: ماء الأسنان، والشنب: بردها.
وتزعم الرواة أن أحسن ما قيل في وصف الثغر قول بشر بن أبي خازم:
يفلجن الشفاه عن أقحوانجلاه غب سارية قطار
وهذا -لعمري- يستحق التقديم والتفضيل وليس بدونه قول النابغة:
كالأقحوان غداة غب سمائهجفت أعاليه وأسفله ندي
بل قول النابغة أجمع للمعنى؛ لأن قوله: «كالأقحوان غداة غب سمائه» بإزاء قول بشر: «جلاه غب سارية قطار».
وقول النابغة: «جفت أعاليه وأسفله ندي» زيادة حسنة.
ولكن بيت بشر أبرع؛ لأنه مستغن بنفسه، وبيت النابغة متعلق على البيت الذي قبله.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع