من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
في الشوق والصبابة
قال أبو تمام:
لا شوق ما لم منه بالَّتيهجرتك وجداً كالأباء المحرق
يغلي إذا لم يضطرم ويري إذالم يحتدم ويغص إن لم يشرق
قوله: ما لم تصل منه أي من الشوق، وجداً: أي من الوجد.
كالأباء المحرق: أي فتكون إذا مليت به كالأباء المحرق من الوجد.
وقوله: «يغلي إذا لم يضطرم»، كأنه جعل الاضطرام أشد من الغلي، والغلي هو اضطرام أيضاً.
«ويري» معناه يحرق، والاحتدام: شدة الحر، ويقال: وجدت للحر حدمة.
يقول: هو يحرق وإن لم يشتد حره.
«ويغص إن لم يشرق»، فنزل من الغليان، والاضطرام، والورى، والاحتدام إلى الغصص، والشرق، وليس ذلك بخطأ ولا هو بالجيد، ولا الحلو، ولا الشهي.
وقال البحتري:
وحرض شوقي خاطر الريح إذ سرىوبرق بدا من جانب الغرب لامع
وما ذاك أن الشوق يدنو بنازحولا أنني في وصل علوة طامع
خلا أن وجداً ما يغب ولوعةإذا اضطرمت فاضت عليها المدامع
وهذه طريقة البحتري التي يخبر فيها بالشيء على ما هو فيعفي على كل بديع واستعارة إذا اعتمدها؛ وذلك لحسن عبارته وتلخيصه.
وقوله: «خاطر الريح»: من الخطران كما قال في موضع آخر:
كما خطرت على الروض القبول
وقال:
شوق إليك تفيض منه الأدمعوجوى عليك تضيق عنه الأضلع
وهوى تجدده الليالي كلماقدمت وترجعه السنون فيرجع
وقال:
هل أنت من حر الصبابة منقذيأو أنت من شكوى الصبابة عائدي؟
شوق تلبس بالفؤاد دخيلهوالشوق يسرع في الفؤاد الواجد
ومما أحسن فيه البحتري وأغرب قوله في شدة الحب وتمكنه:
غير حب لسليمى لم يزدفيه إسعاف ولم ينقصه ضن
ثبتت تحت الحشا آخيةمنه لا ينزعها المهر الأرن
وقد بالغ أيضاً الذي يقول:
أحبك ما لو كان بين قبائلمن الناس أعداء لجر التصافيا
وأبلغ من هذا كله وأجود قول الأعشى:
كفى بالذي تولينه لو تجنباشفاء لسقم بعد ما كان أشيبا
ولكنما كانت توابع حبهاتوالى ربعي السقاب فأصبحا
فتم على معشوقه لا يزيدهاإليه بلاء السوء إلا تحببا
وكان حماد الراوية يتعجب من قوله: «فتم على معشوقه»، ويقول: هذا -والله- غاية العشق، ونهاية الإحسان في النسيب.
يقول: كفى بالذي توليه من البعد والقطيعة شفاء له من سقم الحب لو تجنب، ولكنه لا يقدر على ذلك.
وقوله: «توابع حبها» أي ما تتابع وتوالي من حبها كتوالي الربعي، وهو: السقب الذي نتج في أول الربيع، ينتقل من سن إلى سن حتى قوي ومرن، وانقاد، جعل هذا مثلاً لزيادة حبه شيئاً فشيئاً حتى تمكن، فذلك معنى قوله قوله: «توالي».
وقد روى «تأول ربعي» من حال إلى حال، من آل يئول.
وقال أبو حية النميري في هذا المعنى، وجاء به أكشف وأبين وأحسن مما جاء به الأعشى فقال:
لا منكر لقبيح منك أعرفهإني أراه -إذا أرضاك- إحسانا
أحدث النفس مسرورا بذكركمحتى كأن الذي قد كان ما كانا
ومن هذا أخذ أبو الشيص -والله أعلم- قوله:
وأهنتني فأهنت نفسي عامداًما من يهون عليك ممن أكرم
ولكنه تناهى في التذلل فأحسن المعنى كل الإحسان، ولكن الحر الكريم الأنف: «كثير بن عبد الرحمن» إذ يقول:
ولما رأت وجدي بها وتبينتصبابة حران الصبابة صاد
أدلت بصبر عندها وجلادةوتحسب أن الناس غير جلاد
فيا عز صادي القلب حتى يودنيفؤادك أو ردي علي فؤادي
وكان هذا مما ينشده أبو العباس ثعلب كثيراً ويستحسنه، ذكر ذلك الأخفش.
وقوله: «صادي القلب» أي داريه، والمصاداة: المداراة.
وقال كثير أيضاً وأحسن كل الإحسان:
وكنت ألوم الجازعين على البكافكيف ألوم الجازعين وأجزع
ولي كبد قد برحت بي مريضةإذا سمتها الهجران ظلت تصدع
وأظن أبا الشيص أخذ بقوله:
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم[إذ كان حظي منك حظي منهم]
من قول كثير:
مجاورة قوماً عدى لي صدورهمألا حبذا من حبها من تجاور
وقد أحسن أيضاً الإحسان كله الذي يقول:
ولما بدا لي منك ميل مع العداعلي ولم يحدث سواك بديل
صددت كما صد الرمي تطاولتبه مدة الأيام وهو قتيل
وقال أبو تمام يذكر الوعد وإخلافه:
وفي الكلة الوردية اللون جوذرمن العين ورد الخد ورد المجاسد
غدت مغتدى الغصبى وأوصت خيالهابحران نضو العيس نضو الخرائد
وقالت نكاح الحب يفسد شكلهوكم نكحوا حباً وليس بفاسد
سآوي بهذا القلب من لوعةإلى ثغب من نطفة اليأس بارد
وهذه أبيات سخيفة المعاني، قد أتى فيها بكل قبح وفحش، لأنه قال:
رمته بخلف بعدما عاش حقبةله رسفان في قيود المواعد
وبعد ذلك بين بأن الوعد كان مباضعة، وأنه لما حقق المطالبة غضبت، وذلك قوله: «غدت مغتدى الغضبى».
وقوله: «وقالت: نكاح الحب يفسد شكله»، فقال هو: «وكم نكحوا حباً وليس بفاسد»، فاحتجت عليه، واحتج عليها.
وهذه خصومة ومناظرة على ذلك الباب شديدة مستقصاة ما أظن أحداً سبقه إلى مثلها.
وقوله بعد هذا:
سآوي بهذا القلب من لوعة الهوىإلى ثغب من نطفة اليأس بارد
هو أيضاً غضب منه لمنعها إياه مما التمس، ومثل هذا إنما يفصح به الشاعر إذا هزل ومجن، وإنما وصل هذه الأبيات بما افتتحه من قوله:
قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهدوإن هي لم تسمع لنشدان ناشد
لقد أطرق الربع المحيل لفقدهموبينهم إطراق ثكلان فاقد
وأبقوا لضيق الهم والحزن منهمقرى من جوى سار وطيف معاود
سقته ذعافاً عادة الدهر فيهموسم الليالي فوق سم الأساود
به علة صماء للبين الم تصخلبرء ولم توجب عيادة عائد
ومن يقف على المعاهد، ويصف ما به من الهم، والحزن، والجوى، وأن عادة الدهر فيهم سقته الذعاف -وهو السم- وأن به علة للبين صماء لم تصخ لبرء: أي لم تصغ إليه، ولم تقرب منه فإنه لا يقول بعد ذلك كله: إنه كان التمس من المرأة الفاحشة، وناظرها عليها، وغضب من منعها إياه، وهذا غاية ما يكون من السخف والحمق.
فإن قيل: إن المعاهد التي وقف عليها لم تك معاهد هذه المرأة ذات الكلة الوردية اللون، وإن هذه إنما كانت معه في الرفاق وهم سائرون، فاستوقفهم لتجديد عهد بديار كان فيها أحباب أول.
قيل: هذا غلط من التأويل؛ لأنه قال: «به علة صماء للبين لم تصخ لبرء»، فأوجب بهذا القول أن حبه باق غير منصرم.
وإذا كان لم يبرأ حبه من امرأة أولى، فكيف يقف صحبه على معاهدها وفيهم امرأة أخرى يهواها، وقد طالبها سنة، وهي تعده، وذكر أنها أوصت خيالها [به]، وأنه حران هذا محال، لم يكن الحب إلا لهذه المرأة ذات الكلة [رحم الله غفلته].
وقوله: «نضو العيس» لطول السفر، و «نضو الخرائد»، يعني الخيالات.
ولله در أبي عبادة إذ يقول:
لو تسعفين وما سألت مشقةلعدلت حر جوى ببرد رضاب
ولئن شكوت ظماي إنك للتيقدماً من السراب شرابي
وعتبت من حبيك حتى إننيأخشى ملامك أن أبثك ما بي
وقال البحتري:
إذا راجعت وصلاً على طول هجرةتراجعت شيئاً من بلاي إلى سقمي
وقد زعمت أن سوف تنحج ما وأتوظني بها الإخلاف في ذلك الزعم
خليلي ما لي لا شفاء من الجوىولا نعم مرجوة النجح من نعم
وقال:
بنفسي من تنأى ويدنو ادكارهاويبذل عنها طيفها وتمانع
خليلي أبلاني هوى متلونله شيمة تأبى وأخرى تطاوع
وهذا لعمري حسن، وأحسن منه قول كثير لأنه تمنى الحال التي وصفها البحتري فقال:
والله ما يدري غريم لويتهأيشتد إن لاقاك أم يتضرع
بخلت فكان البخل منك سجيةفليتك ذو لونين يعطي ويمنع
وقال [البحتري]:
ماذا على الأيام لو سمحت لنابثواء أيام لديك قلائل
فأويت للقلب المعنى المبتلىبهواك والبدن الضئيل الناحل
وقال أيضاً:
فداؤك ما أبقيت مني فإنهحشاشة حب في نحول عظام
صلي مغرماً قد واتر الشوق دمعهسجاماً على الخدين بعد سجام
فليس الذي حللته بمحللوليس الذي حرمته بحرام
وقال:
وددت وهل نفس امريء بمليمةإذا هي لم تعط الهوى من ودادها
لو أن سليمى أسمحت أو لو أنهأعير فؤادي سلوة من فؤادها
وقال:
أين الغزال المستعير من النقاكفلاً ومن نور الأقاحي مبسما
ظمئت جوانحنا إليه وريهافي ذلك اللعس الممنع واللمى
متعتب منم حيث لا متعتبإن لم يجد جرماً علي تجرما
ألف الصدود فلو يمر خيالهبالصب في سنة الكرى ما سلما
وقال:
أرى ثقة الراجي مواصلة المهاتكاءدها أو آدها شك خائف
كأن الذي يكذبنه نحب ناذريقضين منه أو ألية حالف
فليت لبانات المحب رددن فيجوانحه أو كن عند مساعف
وهذا حسن جداً.
وقال:
إذا قربت فهجر منك يبعدنيوإن بعدت فوصل منك يدنيني
تصرم الدهر لا جود فيطعمنيفيما لديك ولا يأس فيسليني
فلست أعجب من عصيان قلبك لييوماً إذا كان قلبي فيك يعصيني
وهذا إحسانه المشهور، ويقال: إنه أخذه من قول الخليع:
أتطمع أن يطيعك قلب سعدىوتزعم أن قلبك قد عصاكا
وما أحسن ما قال بشار:
وإذا قلنا لها جودي لناخرجت بالصمت من لا ونعم
وقال أبو تمام في النائل النزر القليل ماهو فوق كل حسن وحلاوة:
تأبى على التصريد إلا نائلاًإلا يكن ماء قراحاً يمذق
نزراً كما استكرهت عائر نفحةمن فأرة المسك التي لم تفتق
وقد تصرف البحتري في جملة معاني هذا الباب تصرفاً كثيراً حسناً.
ومن ذلك قوله:
ظلمتني تجنباً وصدوداغير مرتاعة الجنان لظلمي
ويسير عند القتول إذا ماأثمت في أن تبوء بإثمي
أجد النار تستعار من النار وينشا من سقم عينيك سقمي
وقوله:
لو شئت عدت إلى التناصف في الهوىوبذلت من مكنونه ما أبذل
أحنو عليك وفي فؤادي لوعةوأصد عنك ووجه ودي مقبل
وإذا هممت بوصل غيرك ردنيوله إليك وشافع لك أول
وأعز ثم أذل ذلة عاشقوالحب فيه تعزز وتذلل
وقوله:
وبي ظمأ لا يملك الماء دفعهإلى نهلة من ريقها الخصر العذب
تزودت منها نظرة لم تجد بهاوقد يؤخذ العلق الممنع بالغصب
وما كان حظ العين في ذاك مذهبيولكن رأيت العين باباً إلى القلب
أعيذك أن تمنى بشكوى صبابةوإن أكسبتنا منك عطفاً على الصب
ويجزنني أن تعرفي الحب بالجوىوإن نفعتنا فيك معرفة الحب
وقوله:
نظرت وكم نظرت فأصدتنيفجاءات البدور على الغصون
وربة نظرة أقلعت عنهابسكر في التصابي أو جنون
فيا لله ما تلقى القلوب الــهوائم من جنايات العيون
وقد يئس العواذل من فؤادلجوج في غوايته حرون
وقوله:
قال بطلاً وأفال الرأي منلم يقل إن المنايا في الحدق
إن تكن محتسباً من قد ثوىلحمام فاحتسب من قد عشق
يملأ الواشي جناني ذعراًويعنيني الحديث المختلق
حبها أو فرقا من هجرهاوصريح الذل حب أو فرق
قوله: «يعنيني الحديث المختلق» من أحسن المعاني وأحلاها، وأجراها في عادات كل عاشق فأراد يعنيني اختلاف الحديث، وهو اختراصه أي ينصبني، ويحزنني؛ لشدة حبي لها، وخوفي من هجرها.
والألف في قوله: «أو» في البيت مقحمة في الموضعين؛ وإنما أراد حبها وفرق هجرها، وصريح الذل حب وفرق، ولم يرد بإدخال الألف أحدهما وقال آخر في نحو هذا:
تكذبني في الحب سلمى وليس ليشهود وأنى بالشهود على صدقي
سوى ذوب جسمي وانتكاث بشاشتيوروعة قلبي بالأباطيل والحق
[قوله: «روعة قلبي بالأباطيل والحق»] نحو قول البحتري:
ويعنيني الحديث المختلق
وهذا البيت حسن التقسيم.
كان بعض شيوخ الأدب تعجبه التقسيمات في الشعر، وكان مما يعجبه قول عباس بن الأحنف:
وصالكم هجر وحبكم قلىوعطفكم صد وسلمكم حرب
ويقول: هذا أحسن من تقسيمات إقليدس.
وقال أبو العباس ثعلب: سمعت «سيد العلماء» يستحسنه، يعني ابن الأعرابي.
ونحو هذا ما أنشده المبرد لأعرابي، وليس هو عندي من كلام الأعراب، وهو بكلام المولدين أشبه:
وأدنو فتقصيني وأبعد طالباًرضاها فتعتد التباعد من ذنبي
وشكواي تؤذيها وصبري يسرهاوتجزع من بعدي وتنفر من قربي
وقال البحتري:
ولي هفوات باعثات لي الجوىيعرضني من برحه للمتالف
كأن العيون الفتنات تعاونتعلى ترة عند العيون الذوارف
وقوله:
وإذا كسرن جفونهن نظرن منمرضي يشفك سحرهن صحاح
تظمأ إليهن القلوب وقد ترىفيهن ري الحائم الملتاح
والحب سقم للصحيح إذا غلافيه المحب ونشوة للصاحي
بكر العذول فكف غرب بطالتيوبدا المشيب فرد غرب جماحي
قد آن أن أعصي الغواية إذ نضاصبغ الشباب وأن أطيع اللاحي
وقوله:
جنوني إلى سعدى وسعدى خليةوصغوي إلى سعدى وسعدى تجنب
إذ لبست كانت جمال لباسهاوتسلب قلب المجتلي حين تسلب
وسميتها من خشية الناس زينباًوكم سترت حباً عن الناس زينب
غضارة دنيا شاكلت بفنونهامعاقبة الدنيا التي تتقلب
وجنة خلد عذبتنا بدلهاوما خلت أنا في الجنان نعذب
وهذا البيت يزيد على إحسان كل محسن في الغزل
ولا خفاء بفضل أبي عبادة على أبي تمام في هذا الباب.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع