من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قيل في ائتلاف المحبي
ن
قال البحتري:
وجدت نفسك من نفسي بمنزلةهي المصافاة بين الماء والراح
وهذا حسن جداً وأظنه أخذه من قول بشار:
وإذ نلتقي خلف العيون كأنناسلاف عقار بالنقاخ مشوب
أخذه أيضاً من قول ابن أبي عيينة فقال:
ذاك إذ روحها وروحي مزاجان كأصفى خمر بأعذب ماء
وقول البحتري أيضاً أجود من البيتين، وأخذه عباس بن الأحنف فقال:
ما أنس لا أنس يمناها معطفةعلى فؤادي ويسرها على راسي
وقولها: ليته ثوب على جسديأوليتني كنت سربالاً لعباس
أو ليته كان لي خمراً وكنت لهمن ماء مزن فكنا الدهر في كاس
وأخذه علي بن الجهم وجعله في العناق [فقال]:
وبيتنا على رغم الحسود كأنناخليطان من ماء الغمامة والخمر
وأجود من هذا كله وأحلى وألطف معنى قول بشار:
لقد كان ما بيني زمانًا وبينهاكما بين ريح المسك والعنبر الورد
وقال عبد الصمد بن المعذل في العناق والاختلاط:
كأنني عانقت ريحانةتنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجىحسبتنا في جسد واحد
وهذا أحسن من بيتي العباس الأولين.
وقال البحتري:
ولم أنس ليلتنا في العناق لف الصبا بقضيب قضيبا
وما زلت أسمع أهل العلم بالشعر يقولون إن هذا البيت أجود ما قيل في العناق؛ لأنه أصاب حقيقة التشبيه بأجود لفظ، وأحسن نظم.
ومثله قول آخر وجدته في الأناشيد، ولست أدري أيهما أخذ من صاحبه:
وضم لا ينهنه واعتناقكما التف القضيب على القضيب
وبيت البحتري أجود سبكاً، وأحلى لفظاً؛ لقوله: «لف الصبا»؛ لأن القضيب إنما يلتف بالقضيب بالريح.
وقد قال بشار في نحو هذا، وأظن هذين منه أخذا:
إنني أشتهي لقاءك واللــه فماذا عليك من لقياني
قد تلف الرياح غصناً من البان إلى مثله فيلتقيان
وقال علي بن الجهم في وكيد الالتزام:
سقى الله ليلاً ضمنا بعد هجعةوأدنى فؤاداً من فؤاد معذب
فبتنا جميعاً لو تراق زجاجةمن الراح فيما بيننا لم تسرب
وهذا أيضاً حسن لفظاً ومعنى.
وأحسن ما قيل في المضاجعة قول امريء القيس/
تقول وقد جردتها من ثيابهاكما رعت مكحولاً من العين أتلعا
وجدك لو شيء أتانا رسولهسواك ولكن لم نجد لك مدفعا
فبتنا نذود الوحش عنا كأنناقتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا
تجافى عن المأثور بيني وبينهاوتدني علي السابري المضلعا
إذا أخذتها هزة الروع أمسكتبمنكب مقدام على الهول أروعا
وهذا لاشيء أجود منه ولا أحلى ولا أبرع وقد أخبر بالأمر على ما كان.
وقد أحسن أيضاً عبد بني الحسحاس في قوله:
وبتنا وسادانا إلى علجانةوحقف تهاداه الرياح تهاديا
فما زال بردي طيباً من ثيابهاإلى الحول حتى أنهج البرد باليا
ولست أعرف لأبي تمام في هذا الباب شيئاً.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع