من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
باب في نوح الحمام
قال أبو تمام:
أتضعضعت عبرات عينك أن دعتورقاء حين تضعضع الإظلام
لا تنشجن لها فإن بكاءهاضحك وإن بكاءك استغرام
هن الحمام فإن كسرت عيافةمن حائهن فإنهن حمام
قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» أي وهت، وانحل نظامها.
وقوله: «حين تضعضع الإظلام»: أي حين تقوض غلا أقله.
والنشيج: البكاء.
وههنا معارضات ومعارضات عورض بها أبو تمام في هذه الأبيات، وهي أن قيل:
قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» إنكار على نفسه البكاء من أجل دعاء حمامة، كأنه يخسس أمرها، فما وجه قوله: «فإنهن حمام» فسهل أمرها أولاً، ثم أعظمه هذا التعظيم آخراً، هذا عين المناقضة.
ثم من ذا رآه قتله بكاء الحمام حتى يجعلهن حماما؟ وزعم أن بكاءها ضحك، والحمام إنما ينوح لفقد إلفه وفراخه فيطيل الترنم والنوح، فكيف يكون ذلك ضحكاً أو كالضحك؟
فقيل للمعارضين: وأي دليل في [قوله]: «أتضعضعت عبرات عينك أن دعت ورقاء» على أنه خسس أمر الورقاء وهي الحمامة، وحقره حتى يكون قوله: فإنهن حمام نقضاً لهذا المعنى.
فقالوا: هذا مذهب من مذاهب العرب معروف في تهوين أمر الحمامة، وتعنيف من يبكي لبكائها، ومن ذلك قول البحتري بن عزافر الحرشي:
أإن غردت يوماً بواد حمامةبكيت ولم يعذرك بالجهل عاذر
فقوله: «أإن غردت حمامة بكيت» تهوين لأمر الحمامة في تغريدها، أي ذلك لا يوجب البكاء، وهذه الألف تسمى ألف التوبيخ.
ونحوه قول ابن الدمينة:
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحىعلى غصن غض النبات من الرند
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكنجليداً وأبديت الذي لم تكن تبدي
فقال: «بكيت كما يبكي الوليد» يعني الصبي.
ومقله قول الأحوص:
أأن نادى هديلاً يوم فلجمع الإشراف في فنن حمام
ظللت كأن دمعك در سلكهوى نسقاً وأسلمه النظام
ونحوه قول آخر من بني قشير وأنشده أبو حاتم:
أتجزع أن ورق الحمام تغردابكى شجوه أو جاوب اليوم هدهدا
ومثله في أشعارهم كثير موجود.
وإلى هذا المعنى ذهب أبو تمام في قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» كأنه يوبخ نفسه على البكاء من أجل بكاء حمامة، ولما قال: «فإنهن حمام»، كانت هذه مناقضة ظاهرة.
وهذه -لعمري- معارضة، غير أن أبا تمام قد يجوز أن لا يكون اعتمد تهوين أمر الحمامة كما اعتمد هؤلاء الشعراء، وأن يكون توبيخه لنفسه على هذا الوجه، بل إنما أراد: لا تبك لبكاء الحمام، فإنك لم تسمعه دائماً يغرد، فإن كنت كلما سمعته بكيت وحزنت طال بكاؤك وحزنك وذلك كما قال الآخر:
أأن زم أجمال وفارق جيرةوصاح غراب البين أأنت حزين؟
وقد عيب هذا الشاعر في هذا المعنى، وقيل: إذا كان هذا لا يحزن فأي شيء يحزن؟
ولا شك في أن ظاهر هذا القول قبيح؛ لمخالفته ما في عادات الناس، إلا أني أظن هذا الشاعر ما ذهب في هذا القول إلى تهوين هذه الأشياء وتحقيرها، وإنما أراد أن مثل هذا يقع دائماً، فإن كان كلما شاهدته ورأيته حزنت، طال حزنك.
وقد قال مرة النهدي:
أأن سجعت في بطن واد حمامةتجاوب أخرى ماء عينيك غاسق
كأنك لم تسمع بكاء حمامةبليل ولم يحزنك إلف مفارق
ولم تر مشغوفاً بشيء تحبهسواك ولم يعشق كعشقك عاشق
فقال: «أأن سجعت» يوبخ نفسه على البكاء لبكاء حمامة، ولم يذهب في ذلك إلى تخسيس أمرها، بل إلى ما قد دل عليه [قوله]: «كأنك لم تسمع بكاء حمامة»، أي قد حزنت لذلك كثيراً، وبليت للحزن على مفارقة الإلف دائماً، ورأيت من حاله كحالك أبداً، فينبغي أن تقصر.
فكذلك هؤلاء الشعراء في الأبيات المتقدمة جائز أن لا يكونوا هونوا أمر الحمامة، إن كانوا اعتمدوه، على أنه هين عندهم وعلى الحقيقة إنما ذهبوا في ذلك إلى أن يردعوا نفوسهم عن البكاء، فغير منكر ممن أراد أن يردع نفسه عن شيء أن يهون السبب الجالب لذلك الشيء ويحقره، وإن كان عظيماً.
غير أن أبا تمام أوقع التوبيخ على نفسه كما فعلوا، وذهبوا إلى تهوين أمر الحمامة، وذهب هو إلى تعظيمه في قوله: «فإنهن حمام»، فقوافقهم في التوبيخ، وخالفهم في المعنى، كقائل قال لرجل: أمثلك يسامي عمرا؟
ويقول له قائل آخر كهذا القول سواء، ويكون أحدهما مصغراً [له] عن مساماة عمرو، والآخر مكبراً معظماً، فيستويان في اللفظ، ويختلفان في المعنى.
وقد تقدم الناس أبا تمام في مثل قوله: «فإنهن حمام»، وقد ذكروا أن تغريد الحمام يبلي، ويميت، ويقتل، وهو المذهب الأعم الأكثر فمن ذلك قول «نصيب»:
محلاة طوق كان من غير شربةبمال ولم تغرم له جعل درهم
أموت لتبكاها أسى إن عولتيووجدي بسعدى جوه غير منجم
وقال [آخر]:
ألا يا حمامات اللوى عدن عودةفإني إلى أصواتكن حزين
فعدن فلما عدن كدن يمننيوكدت بأحزاني لهن أبين
[وقال آخر:
وهيجتني فاهتجت للشوق والصبامطوقة خطباء عال رنينها
تموت لها نفس الحزين صبابةإذا ما دعت وهناً وغنت غنونها]
وقال [آخر]:
ألا يا حمام الشعب من غيضة اللوىردي الماء لا تؤخذ عليك الكظائم
حمائم قد أبلتني وقتلننيكأن لم يهم قبلي من الناس هائم
وذكر هذا أنهن أبلينه وقتلنه فما وجه الإنكار على أبي تمام قوله: «فإنهن حمام»؟.
فإن قيل: إنما أراد هؤلاء الشعراء إماتة الحب، وقتل الحب الذي هو التذليل والتتيم، ولم يريدوا القتل الذي هو الإتيان على النفس، ولا الموت الوحي [والحمام] ليس من هذا في شيء؛ وإنما قدر الموت المقدور، وقضاؤه المحتوم، يقال: قد حم الأمر إذا قضى وقدر، قال «الراعي»:
وما حم من قدر يقدر
قيل: إذا استعمل الموت على المجاز فقضاء الموت، وقدره أيضاً يستعمل على المجاز؛ لأنك إذا قلت على المجاز: في هذا الأمر إذا ارتكبته قتلى، أو موتى قلت أيضاً على المجاز: في هذا الأمر حمامي، وقد ذكر الحمام على الوجه كما ذكر الموت والقتل، فقال [الفزاري:
وأوردني يوم العذيب حمامي
ولم يمت يوم العذيب، ومثله كثير موجود].
وأما إنكارهم قوله: «فإن بكاءها ضحك» وقولهم: إن الحمامة
تغرد لفقد إلفها وفرخها، وتكثر النوح عليهما، فكيف يكون ذلك ضحكاً؟
فالجواب عن هذا: أن ذلك التغريد قد يسمع منها وإلفها معها، وتفعله وهي في عشها مع فرخها، والمشاهدة لهذا أكثر وأعم، ويسمى ذلك التغريد نوحاً؛ ألا ترى إلى قول الشاعر:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضروغصنك مياد ففيم تنوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهماومن دون أفراخي مهامه فيح
ولهذا قال ورد بن الجعد:
أحقاً يا حمامة بطن وادبأنك في بكائك تصدقينا
غلبتك في البكاء بأن ليليأواصله وأنك تهجعينا
وأني إن بكيت بكيت حقاًوأنك في بكائك تكذبينا
فمن ههنا قال أبو تمام: «لا تنشجن لها فإن بكاءها ضحك»، أي ليس هناك بكاء على الحقيقة، ولا حزن على الصحة، وإنما يشجوك تغريدها لأن لها تلحيناً وترجيعاً كأنه صوت نائح؛ ومن أجل ذلك ادعت الأعراب أن فرخ حمام كان على عهد نوح يقال له الهديل صاده بعذ جوارح الطير، فيزعمون أنه ما من حمامة إلا وهي تبكي عليه، وهذا من خرافات الأعراب، وإنما قالوا ذلك لما رأو الحمام على كل حال يغرد هذا التغريد
الشجي فسموه نوحاً وبكاءاً [واحتراقاً] واخترعوا له هذا الحديث، وذكروه في أشعارهم.
فمن ذلك قول الكميت:
وما من تهتفين له بنصربأقرب جابة لك من هديل
وقال نصيب:
فقلت: أتبكي ذات طوق تذكرتهديلاً وقد أودى وما كان تبع
أي أودي قبل تبع.
وقال نصيب أيضاً:
هتوف الضحى ورقاء يذكرك الهوىبكاها هديلاً شجوه حين تهتف
وقوله: شجوه أي بشجوه.
وقال آخر:
أيبكي هديلاً بالعشي وبالضحىعلى الطلح قمري الحمام المغرد
وقال آخر:
إني تكرني سلمى مطوقةتدعو هديلاً على أفنان أغصان
ومثل هذا كثير في أشعارهم جداً، ولا يكادون يخرجون في نوح الحمام عن أن يجعلوه على الفرخ القديم، أو على إلف مارق؛ وذلك لرقة
تغريدها، وشدة تشوق من يسمع ذلك إلى إلفه، قال رجل من بني نهشل:
أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه[وأصبر عنها إنني لصبور
وقال جميل]:
أيبكي حمام الأيك من أجل إلفهوأصبر مالي عن بثينة من صبر
وقال آخر:
ألا يا حمام الأيك مالك باكياًأفارقت إلفاً أم جفاك حبيب
ومع هذا فقد جعلوا تغريدها أيضاً غناء، لأن من الغناء ما يشجوك فيحزنك، ومنه ما يشرك فيطربك، ولهذا ما جعلوا نوح الحمام تفجعاً، وسموه غناءً، وبكاء في حال واحدة، ومنه قول الأحوص:
أهاج لك الصبابة أن تغنتنطوقة على فنن بكور
تفجع فوق غصن من أراكوتحت لبانها فنن نضير
فجعل غناءها تغجعاً.
وقال علي بن عميرة الجرمي:
لقد هاج ذكري أم عمرو حمامةبنعمان غنتنا غناء مرجعا
بكت ساق حر بالمراويح وانتحتبها الريح في واد أراض وأمرعا
فقال غنتنا ثم قال: بكت ساق حر، فجعل غناءها بكاءً.
وقال آخر:
تغنت برأد من ضحاها فأسمعتأخا طرب قد أسلمته عواذله
إذا سجعت كرت بجرس كأنهوتحوب ثكلى زايلت من تزايله
فجعل بكاءها كتحوب ثكلى.
وقال النابغة:
بكاء حمامة تدعو هديلاًمفجعة على فنن تغني
فجعلها باكية، مفجعة، مغنية.
وقال نصيب:
لقد كدت تبكي أن تغنت حمامةعلى رأدة الأفنان ناعمة الأصل
تهز بها الريح الضعيفة غصنهامراراً فتدني فرعه ثم تستعلي
بهاتفة لا تبرح الدهر والهاًعلى إثر إلف أو تنوح على شكل
فقال: تغنت، ثم جعلها والهاً، ونائحة على شكل، أي على شبه ومثل.
وقال نصيب:
وقد هاجني للشوق نوح حمامةهتوف الضحى هاجت حماماً فغردا
طروب غدت من حيث بانت فباكرتبعولتها غصناً من الأثل أغيدا
تغنت عليه ذات شجو مرنةبصوت يشوق المستهام المصيدا
فقال: هاجني نوح حمامة، ثم قال: تغنت.
وقال نصيب أيضاً:
لعلك باك أن تغنت حمامةيميد بها غصن من الريح مائل
من الورق يدعوها إلى شجوها الضحىفتبكي وتبكي حين تدنو الأصائل
فجعلها باكية مغنية.
ومثله قول ابن ميادة:
يذكرنيها أن تغنت حمائملهن على خضر العضاه عويل
تجاوبن في حد النهار بعولةوأخرى توافي الشمس كل أصيل
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أدم الظباء به ترنم سنحاوبكاء نائحة به تترنم
غنت على فنن فأسعد شجوهاورق أجبن كما استجاب المأتم
وقال رجل من بني نضر بن معاوية:
أهاج لك الأحزان نوح حمامةتغنت بليل في ذرى ناعم نضر
فقال: نوح حمامة، ثم قال: تغنت.
وقال سعد بن الجراح بن سفيان بن صامت الحارثي:
وحمامة أوفت بأخضر ناعمتبكي على غصن من الأغصان
عرف الحمام لها الغناء فرنمتفاعتادني نكس من الأحران
وقال حميد بن ثور:
فأوفت على غصن ضحياً فلم تدعلباكية في شجوها متلوما
تغني إذا غنت بأجزاع بيشةأو الرخم من تثليث أو يبنما
وقال أبو شيبة الجرمي:
ألا قاتل الله الحمامة غدوةعلى الغصن ماذا هيجت حين غنت
تعلت على الأفنان في تلع الضحافهاجت حزيناً بالبكاء وولت
وقال يزيد بن عمار الهلالي:
وذات فرخين غنت في مسوقةعجماء معربة ما ضرها العجم
بكت فأبكت مريض القلب ذا شجنوليس لها دمع فينسجم
وقال أبو مخلد الراسبي:
ولكنها لم تذر دمعاً وقد بكتوعينك تذري الدمع سحاً شئونها
وقال رجل من ولد سالم بن مالك الثقفي:
ويوم اللوى أجرى دموعك إذ دعتحمائم في فيء الأراك صوائح
حوائم ما تذري الدموع إذا بكت وهن بأسرار الدموع بوائح
وقال حرب بن الحكم بن المنذر بن الجارود:
وقبلي أبكى كل من كان باكياًهتوف البواكي والديار البلاقع
بواك على الأطلال من كل جانبنوائح ما تخضل منها المدامع
وقال علي بن عمرة الجرمي:
هتوف الضحى معروفة اللحن لم تزلتقود الهوى مهدى لنا ونقودها
جزوع جمود العين دائمة البكاوكيف بكا ذي مقلة وجمودها
مطوقة لم يضرب القين فضةعليها ولم يعطل من الحلي جيدها
فهذا ما عليه العرب وغيرهم في أن الحمام وغيره من الطير لا دموع لها.
وقال رباح العقيلي فجعل لها دموعاً وذلك سهو منه أو جهل، وأنشده أبو حاتم:
وما هاج لي إلا عشية واسطحمائم غيطان الأراك وقوع
تجاوبن في أطلال أفنان أثلةبمغرورقات فيضهن دموع
وإني لأرعى السر من أم عاصمولست لعهد صالح بمضيع
فقال: «بمغرورقات تفيض منهن الدموع».
وقال آخر:
فعدن بقرقار الهدير كأنماشربن حمياً أو بهن جنون
فلم تر عيني قبلهن حمائماًبكين فلم تقطر لهن جفون
وهذا قد أفصح -كما ترى- بأن كل حمام رآه يبكي قبل هذه الحمائم رأى له دموعاً، وهذا محض الجهل، وأظنه أراد أن يقول:
فلم تر عيني قبلهن بواكيا، فقال حمائماً كما قال جهم بن خلف:
فلم أر باكية مثلهاتبكي ودمعتها ما ترى
لم يرد باكية من الحمام، ولا من الطير، وإنما أراد بكاية من الإنس مفجعة مثل هذه الحمامة، والله أعلم.
وهذا الفصل ليس من الاحتجاج لأبي تمام في أبياته، وقد كان يجوز أن أتعداه، وأقتصر أيضاً على بعض الشواهد التي تقدمته، ولكن وجدت ذلك متمماً للباب فأوردته.
وقال أبو تمام:
لئن أرقأ الدمع العيون وقد جرىلقد رويت منه خدود نواعم
كما كاد ينسى عهد ظمياء باللوىولكن أملته عليه الحمائم
بعثن الهوى في قلب من ليس هائماًفقل في فؤاد رعنه وهو هائم
لها نغم ليست دموعاً فإن جرتمضت حيث لا تمضي الدموع السواجم
قوله: «لئن أرقأ الدمع العيون وقد جرى»، يريد لئن قطعت العيون التي ترقبني دمعي وقد جرى، أي حال جريه، لقد رويت منه خدود أحبابي.
وهذه حال مفهومة معلومة قلما يخلو منها أحد وهو أن يدور الدمع في مآقه، ويستحي أن يرى باكياً، فيكف العبرة ويردها.
ولم يوضح المعنى ويلخصه.
والجيد النادر، واللفظ الحسن، والعبارة الصحيحة قول البحتري:
نهته رقبة الواشين حتىتعلق ما يغيض وما يسيل
ومثل هذا لا يكون مسروقاً؛ لأنه جار على عادات الناس، مشاهد معلوم، وما علمت أحداً نظمه نظم البحتري.
والجيد الحسن أيضاً لفظاً ومعنى قوله:
ما لخضر ينحن في قضب الخضرعلى كل صاحب مفقود
عاطلات بل حاليات يرددن الشجا في قلائد وعقود
زدنني صبوة وذكرنني عهـداً قديماً من ناقض للعهود
ما يريد الحمام في كل وادمن عميد صب بغير عميد
كلما أخمدت له نار شوقهجنها بالبكاء والتغريد
قوله: «عاطلات بل حاليات»، يريد أطواق الحمام، هو لها [شبيه] بالحلي، وهن منه عواطل.
وما قال أحد في هذا المعنى أحسن ولا أبرع ولا أحلى من قول أمية ابن أبي الصلت في حمامة نوح:
فلما فرشوا الآيات صاغولها طوقاً كما عقد السخاب
تورثه إذا ماتت بنيهاوإن تقتل فليس لها استلاب
وقول البحتري: «يرددن الشجا في قلائد وعقود» حسن؛ لأن الباكية الحزينة ذات الشجو لا تلبس الحلي، وإن كان عليها تسلبت منه.
وأحسن منه قول الآخر:
مطوقة تبكي ولم أر باكياًبدا ما بدا من شجوها لم تسلب
أخذه ابن الرومي فقال:
لو تستطيع تسلبت من طوقهالو كان منتحلاً من الأطواق
وقال البحتري:
وورق تداعى بالبكاء بعثن ليكمين أسى بين الحشا والحيازم
وصلت بدمعي نوحهن وإنمابكيت لشجوي لا لشجو الحمائم
وهذا أيضاً جيد حسن.
ولست أعرف لهما في ذكر الحمام غير هذا.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع