من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما جاء عنهما في طروق الخيال
هذا باب الفضل فيه للبحتري على أبي تمام، وما زلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقولون؛ هو أشعر الناس والخاص الـ ... والخيال
ولم يأت عن أبي تمام فيه إلا أبيات يسيرة منها قوله في قصيدة:
زار الخيال لها لا بل أزاركهفكر إذا نام الناس لم ينم
ظبي تقنصه لما نصبت لهمن آخر الليل أشراكاً من الحلم
ثم اغتدى وبنا من ذكره سقمباق وإن كان معسولاً من السقم
قوله: «زار الخيال لها بل أزاركه» ليس بالجيد؛ لأنه إذا أزاره الفكر فقد زار فما وجه الاستدراك؟، فكأنه أراد أن الخيال لم يعتمد الزيارة، وإنما أزاره الفكر، ومثله قام زيد، لا بل أقمته، وكأن قائل هذا يريد ما اعتمد زيد القيام بل أقمته أنا ويروى: «إذا نام فكر الخلو».
وقوله: «لم ينم»، لم يرد حقيقة النوم، وإنما أراد لم يسكن، ولم يفتر، كما يقال: فلان لا ينام عن هذا الأمر، أي لا يفتر عنه، ولا يقصر.
وقوله: «من آخر الليل»، ولم يقل من أول الليل، يريد أنه لا ينام بالليل، وأنه يسهره، وأنه يهوم في آخره تهويماً فيطرقه الخيال في ذلك الوقت.
وقوله: «وإن كان معسولاً من السقم»، أي وإن كان حلواً من الأسقام، أي كأنه ممزوج بالعسل، ويرويه قوم:/ «وإن كان مغسولاً من السقم» وليس بشيء.
وهذه أبيات حسان، وغرض صحيح.
وقال أبو تمام أيضاً:
عادك الزور ليلة الرعل من رمــلة بين الحمى وبين المطالي
نم فما زارك الخيال ولكنــنك بالفكر زرت طيف الخيال
وقد أكثر أصحاب أبي تمام الفخر بهذا البيت، والتنويه بذكره، وأفرطوا في استحسانه، وقالوا: كشف عن العلة في طروق الخيال، وبين عن المعنى.
والبيت حسن، وإنما أخذ معناه من قول جران العود:
أهلاً بطيفك من زور أتاك بهحديث نفسك عنه وهو مشغول
فقوله: وهو مشغول، أي إنه لم يزرك على الحقيقة، فبنى من هذا قوله: «ما زارك الخيال» وبنى من قوله: «أتاك به حديث نفسك» ولكنك
بالفكر زرت طيف الخيال، فالمعنى كله لجران، وإنما غير أبو تمام اللفظ وقد قال الكميت:
فلما انتهبت وجدت الخيالأماني نفسي وأفكارها
أي وجدت الخيال أنا الجالب له بأماني وهذا ذلك المعنى بعينه.
وقد أورد أبو تمام المعنى على حذو ما قاله جران سواء فقال:
استزارته فكرتي في المنامفأتاني في خفية واكتتام
تذكر أن فكرته أتته بالطيف زائراً كما قال جران: «أتاك به حديث نفسك».
ووصل أبو تمام بيته بأن قال:
الليالي أحفى بقلبي إذا ماجرحته النوى من الأيام
يا لها زورة تنزهت الأرواح فيها سراً من الأجسام
مجلس لم يكن لنا فيه عيبغير أنا في دعوة الأحلام
ليس لهذه الأبيات حلاوة، ولا عليها طلاوة.
وقال أبو تمام:
حمتنا الطيف من أم الوليدخطوب شيبت رأس الوليد
رآنا مشعري أرق وحزنوبغيته لدى الركب الهجود
سهاد يرجحن الطرف منهويولع كل طيف بالصدود
يرجحن: أي يتثاقل في حركته كالمعنى في سيره المثقل إذا عدل يمنة وشأمة مثل السحابة المرجحنة لكثرة مائها، وإنما يريد ثقل أجفانه عند النظر من طول السهر.
ولا أعرف لأبي تمام في طروق الخيال غير ما ذكرته.
فأما البحتري فإنه أولع بذكر الخيال فقال فيه، وأكثر، وأجاد، وأبدع، وتصرف في معان لم يأت أحد بمثلها، وقد استفتح قصائد كثيرة بذكر الخيال؛ لشدة شغفه به، فأحسن في ابتداآته كلها،/ وزاد على الإحسان، فمن ذلك قوله:
أمنك تأوب الطيف الطروبحبيب جاء يهدى من حبيب
وقوله:
أجدك ما ينفك يسري لزينباخيال إذا آب الظلام تأوبا
وقوله:
قد كان طيفك مرة يغرى بييعتاد ركبي طارقاً وركابي
وقوله:
طيف ألم فحيا عند مشهدهقد كان يشفي المعنى من تلدده
وقوله:
مثالك من طيف الخيال المعاودألم بنا من أفقه المتباعد
وقوله:
عجباً لطيف خيالك المتعاهدولوصلك المتقارب المتباعد
وقوله:
قل للخيال إذا أردت فعاودتدني المسافة من هوى متباعد
وقوله:
هجرت وطيف خيالها لم يهجرونأت بحاجة مغرم لم يقصر
وقوله:
/ ألمت وهل إلمامها لك نافعوزارت خيالاً والعيون هواجع
وقوله:
بت أبدي وجداً وأكتم وجداًمن خيال قد بات لي منك يهدي
وقوله:
برح بي الطيف الذي يسريوزادني سكراً إلى سكر
وقوله:
سرى من خيال المالكية! ما سرىفتيم ذا القلب المعنى وأسهرا
وقوله:
يهدي الخيال لنا ذكرى إذا طافاوافى يخادعنا والصبح قد وافى
وقوله:
مرحباً بالخيال منك المطيففي شموس لم تتصل بكسوف
وقوله:
أما الخيال فإنه لم يطرقإلا بعقب تشوف وتشوق
وقوله:
هذا الحبيب فمرحباً فمرحباً بخيالهأنى اهتدى والليل في سرباله
/ وقوله:
خيال ملم أو حبيب مسلموبرق مجلى أو حريق مضرم
وقوله:
أأراك الحبيب خاطر وهمأم أزارتكه أضاليل حلم
وقوله:
خيال يعتريني في المناملسكرى اللحظ فاتنه الكلام
وقوله:
طيف تأوب من سعدى فحيانيأهواه وهو بعيد النوم يهواني
وقوله:
طيف لعلوة ما ينفك يأتينييصبو إلي على خلف فيصبيني
وقوله:
طيف الخيال ألم من عدوائهوبعيد موضع أرضه وسمائه
وقوله:
أحبب إلي بطيف سعدى الآتيوطروقه في أكثر الأوقات
وقوله:
/ خيال ماوية المطيفأرق عيناً لها وكيف
وقوله:
أرج لريا طلة رياهلا يبعد الطيف الذي أهداه
وما أحسن ما قال مسلم بن الوليد:
طيف الخيال حمدنا منك إلماماداويت سقماً وقد هيجت أسقاما
مضت الابتداآت
وهذا ماجاء عن البحتري من وصف الخيال في وسط الكلام، قال:
فلا وصل إلا أن طيف خيالهابنا تحت جؤشوش من الليل أسفع
ألمت بنا بعد الهدو فسامحتبوصل متى تطلبه في الجد تمنع
وما برحت حتى مضى الليل فانقضىوأعجلها داعي الصباح الملمع
فولت كأن البين يخلج شخصهاأوان تولت من حشاي وأضلعي
ورب لقاء لم يؤمل وفرقةلأسماء لم تحزر ولم تتوقع
أسر بقرب من ملم مسلموأشجى بيبن من حبيب مودع
وكائن لنا بعد النوى من تفرقتزجيه أحلام الكرى وتجمع
ومن لوعة تعتاد في إثر لوعةومن أدمع ترفض في إثر أدمع
/ فانظر إلى هذه العبارة الحسنة، وإخباره إياك بالشيء على ما كان.
ونحو ذلك في الحسن والصحة قوله:
وإني وإن ضنت علي بودهالأرتاح منها للخيال المؤرق
يعز على الواشين لو يعلمونهاليال لنا نزدار فيها ونلتقي
فكم غلة للشوق أطفات حرهابطيف متى يطرق دجى الليل يطرق
أضم عليه جفن عيني تعلقاًبه عند إجلاء النعاس المرنق
فقوله: «أضم عليه جفن عيني تعلقاً» من أحسن كلام، وأصح معنى وأصدقه وأكثره، وكثيراً ما ينال أكثر الناس ذلك عند إجلاء النوم، وابتداء اليقظة إذا كان في رؤيا يلذها.
وقال أيضاً:
أجدك ما ينفك يسري لزينباخيال إذا آب الظلام تأوبا
سرى من أعالي الشام يجلبه الكرىهبوب نسيم الروض تجلبه الصبا
وما زارني إلا ولهت صبابةإليه وإلا قلت أهلاً ومرحبا
وليلتنا بالجزع بات مساعفاًيريني أناة الخطو ناعمة الصبا
أضرت بضوء البدر والبدر طالعوقامت مقام البدر لما تغيبا
قوله: «إذا آب الظلام تأوبا»، آب أي رجع، وتأوب: تراجع.
يعني أن الطيف إذا عاد الظلام عاد، وليس ذلك من التأويب الذي هو سير النهار كله.
وقوله: «سرى من أعالي الشام» بيت في غاية الحسن والحلاوة.
وقال:
أما راعك الحي الحلال بهجرهموهم لك غدواً بالتفرق أروع
بلى وخيال من أثيلة كلماتأوهت من وجد تعرض يطمع
إذا زورة منه تقضت مع الكرىتنبهت من وجد له أتفزع
ترى مقلتي ما لا ترى في لقائهوتسمع أذني منه ما ليس تسمع
ويكفيك من حق تخيل باطلترد به نفس اللهيف فترجع
ولست أقول في هذا إلا ما كان البحتري يقوله، وحدثنا به أبو علي محمد بن العلاء السجستاني: إنه كان إذا شرب وسكر أنشد مثل هذه الأبيات وأشباهها من شعره، وقال: ألا تسمعون؟ ألا تعجبون؟.
وقال:
أخيال عزة كيف زرت وعندناأرق يشرد بالخيال الزائر
طيف ألم بنا ونحن بمهمهقفر يشق على الملم الخاطر
حتى إذا تزعوا الدجى وتسربلوامن نور هلهلة الصباح النائر
ورنوا إلى شعب الرحال بأعينيكسرن من نظر النعاس الفاتر
أهوى فأسعف بالتحية خلسةوالشمس تلمع في جناح الطائر
/ سرنا وأنت مقيمة ولربماكان المقيم علاقة للسائر
وهذا -والله- الكلام العربي، والمذهب الذي يبعد على غيره أن يأتي بمثله.
وقال:
إذا ما الكرى إلي خيالهشفى قربه التبريح أو نقع الصدى
إذا انتزعه من يدي انتباهةعددت حبيباً راح مني أو غدا
ولم أر مثلينا ولا مثل شأننانعذب أيقاظاً وننعم هجدا
وقال:
أقامت على الجهران ما إن تجوزهوخالفها بالوصل طيف لها يسري
فكم في الدجى من فرحة بلقائهاوكم ترحة بالبين منها لدى الفجر
إذا الليل أعطانا من الوصل بلغةثنتنا تباشير الصباح إلى الهجر
ولم أنس إسعاف الكرى بدنوهاوزورتها بعد الهدو وما تدري
وقال:
إن ريا لم تسق ريا من الوصــل ولم تدرما جوى العشاق
بعثت طيفها إلي ودونيوخد شهرين للمهاري العتاق
زار وهناً من الشام فحيامستهاماً صبا بأعلى العراق
فقضى ما قضى وعاد إليهاوالدجى في برودها الأخلاق
/ قد أخذنا من التلاقي بحظوالتلاقي في النوم عدل التلاقي
وهذا حسن جداً.
وألطف وأحسن وأحلى قوله:
وزائر زار من أعقتهيميل وزناً بأنسه ذعره
كأنه جاء منجزاً عدةوبت في الراقبين أنتظره
لم أنسه موشكاً على وجلمدامجاً للحديث يختصره
كأنما الكاشحون قد خرصوامكانه أو أتاهم خبره
وقال:
تدرين كم زورة مشكورةمن زائر وهب الخطير وما درى
غاب الوشاة فبات يسهل مطلبلو يشهدون طريقه لتوعرا
كان الكرى حظ العيون ولم أخلبرق الغرام يسوقه حتى جرى
قامت تمنيني الوصال لتبتليجذلي وحاجة أكمة أن يبصرا
منيتنا عللاً وما أنهلتناوالوقت ليس يحيل حتى يشهرا
تالله لم أر مذ رأيت كليلتيفي العلث إلا ليلتي في عكبرا
أهوى الظلام وأن أملاه وقدحدر الصباح نقابه أو أسفرا
وهذا لعمري هو القول الذي لو ورده الظمآن لروي؛ لكثرة مائه.
وقال:
بت أيدي وجداً وأكتم وجداًلخيال قد بات لي منك يهدى
أقسم الظن فيه أني تخطى الررمل من عالج وأني تهدى
خطأ ما أزارناه طروقاًأم توخيه للزيارة عمدا
لا تخيب البلاد تخطر فيهارسل الشوق من خيالات سعدى
وعدتنا فما وفت بوصالووفت حين أو عدت أن تصدا
قرب الطيف منتواها فأصبحــت حديثاً بناقض العهد عهدا
قوله: «لا تخيب البلاد تخطر فيها» بيت حسن جداً؛ جعل الخيالات للشوق.
وقال في قصيدته التي أولها:
بان عهد الصبا وباقي جديده
منك طيف ألم والأفق ملآن من الفجر واعتراض عموده
زائر أشرقت لرؤيته أغــوار أرض العراق بعد نجوده
أرب النفس كله ومتاع الـ ـعين في حده وفي توريده
معطياً من وصاله في كرى النوم الذي كان معطياً من صدوده
يقظات المحب ساعات بؤساهـ ونعماء عيشه في هجوده
/ وقال:
وما انفك داعي البين حتى تزايلتقباب بناها حاضر وخيام
عشية ما بي عن شبيث ترحلفأمضى ولالي في شبيث مقام
فما نلتقي إلا على حلم هاجديحل لنا جدواك وهو حرام
إذا ما تباذلنا النفائس خلتنامن الجد أيقاظاً ونحن نيام
وهذا قول ليس بينه وبين القلب حجاب.
وقال:
أرجم في ليلي الظنون وأرتجيأوائل حب أخلفتني أوائله
وليلة هومنا على العيس أرسلتبطيف خيال يشبه الحق باطله
فلولا بياض الصبح طال تشبثيبعطفي غزال بت وهناً أغازله
وكم من يد لليل عندي حميدةوللصبح من خطب تذم غوائله
وهذا كله إنما حسن هذا الحسن وقبلته النفوس لأنه اعتمد أن يخبر بالأمر على ما هو، مع حسن عبارته وبراعة نسجه وجودة تلخيصه، ومتخير ألفاظه.
وقد ذهب البحتري مذهباً آخر، وأحسن فيه كل الإحسان، وهو أن شبه الزائر الذي زاره بالخيال؛ لشدة فرحه، وخوفه أن لا يكون له حقيقة.
وقال في قصيدته التي أولها:
بودي لو يهوى العذول ويعشق
وزور أتاني طارقاً فحسبتهخيالاً من آخر الليل يطرق
أقسم فيه الظن: طوراً مكذباًبه أنه حق وطوراً أصدق
أخاف وأرجو بطل ظني وصدقهفلله شكي حين أرجو وأفرق
وقد ضمنا وشك التلاقي ولفناعناق على أعناقنا ثم ضيق
فلم تر إلا مخبراً عن صبابةبشكوى وإلا عبرة تتدفق
فاحسن بنا والدمع بالدمع واشجتمازجه والخد بالخد ملصق
ومن قبل قبل التشاكي وبعدهنكاد بها من شدة اللثم نشرق
فلو فهم الناس التلاقي وحسنهلحبب من أجل التلاقي التفرق
وقال في نحو هذا:
حبيب سرى في خفية وعلى ذعريجوب الدجى حتى التقينا على قدر
تشككت فيه من سرور وخلتهخيالاً أتى في النوم من طيفه يسري
وأفرطت من وجد به فدرى بناعلى ساعة الهجران من لم يكن يدري
وقال:
أما معين على الشوق الذي غريتبه الجوانح والبين الذي أفدا
/ كيف اللقاء وقد أضحت مخيمةبالشام لا كثباً منها ولا صددا
تهاجر أمم لا وصل يخلطهإلا تزاور طيفينا إذا هجدا
وقد يزير الكرى من لا زيارتهقصد ويدني الهوى من بعد من بعدا
بتنا على رقبة الواشين مكتنفىصبابة نتعاطى البث والكمدا
إما سألت بشخصينا هناك فقدغابا وأما خيالانا فقد شهدا
ولم يعدني لها طيف فيفجؤنيإلا على أبرح الوجد الذي عهدا
لو كان قال: «إلا تزاور طيفينا إذا هجدنا» كان عندي أجود فكأن المعنى إذا هجدت رأيتها في النوم فكأن نفسي ونفسها اجتمعتا، وكذلك إذا هجدت ترى مثل ما رأيت، ويكون طيفينا محمولاً على معنى نفينا؛ لأن النفس هي التي ترى ما ترى في النوم، وهي التي تمثل أيضاً ما تتمثله في اليقظة.
وقد يسوغ مع هذا أيضاً قوله: «إذا هجدا» أن يريد النفسين؛ لأن نفس الإنسان هي التي تنام كما قال الله ﷿: «والتي لم تمت في منامها» فهذا سائغ ولكن الغلط وقع عليه في قوله:
هجرتنا يقظى وكادت على عادتها في الصدود تهجر وسنى
إنما أراد طيفها، وهو يرى طيفها في نومه يقظى كانت أو نائمة.
وقال:
/ طيف تأوب من سعدى فحيانيأهواه وهو بعيد النوم يهواني
فيا لها زورة يشفى الغليل بهالو أنها جلبت يقظى ليقظان
مهزوزة إن مشت لم تلف هزتهافي الخيزران ولم توجد مع البان
يدني الكرى شخصها مني ويوقظنيوجد فيبعد عني شخصها الداني
وقال:
أما الخيال فإنه لم يطرقإلا بعقب تشوف وتشوق
قد زار من بعد فنهنه من جوىضرم وسكن من فؤاد مقلق
ولربما كان الكرى سكناً لهابعد الفراق إلى اللقاء فنلتقي
وقال:
مثالك من طيف الخيال المعاودألم بنا من أفقه المتباعد
يحيي هجوداً منتشين من الكرىوما نفع إهداء السلام لهاجد
إذا هي مالت للعناق تقطعتتعطف أملود من البان مائد
إذا وصلتنا لم تصل عن تعمدوإن هجرت أبدت لنا هجر عامد
وقال [من قصيدته التي أولها]:
قالت: الشيب أتى قلت: أجل
خطرت في النوم منها خطرةخطرة البرق بدا ثم اضمحل
أي زور لك لو قصداً سرىوملم منك لو حقاً فعل
يتراءى والكرى في مقلتيفإذا فارقها النوم بطل
وقال [من قصيدته التي أولها]:
شدما أغريت ظلوم بهجري
طرقتنا وفي الخيالات سقمأم بكر فأسعفت أم بكر
في بدو من الشباب عليهاورق من جديدها المسبكر
كملت أربع لها بعد عشرومدى البدر أربع بعد عشر
خلفت جارها بحزوي وباتتبين سحرى شروى الضجيع ونحري
لو درت ما أتت لمنت بنجحلم يكذب ونائل غير نزر
وقال:
قل للخيال إذا أردت فعاودتدني المسافة من هوى متباعد
فلأنت في نفسي وإن عنيتنيوبعثت لي الأشجان أحلى وافد
باتت بأحلام النيام تغرنيرود التثني كالقضيب المائد
ضاهت بحلتها تلهب خدهاحتى غدت في أرجوان جاسد
وقال:
بعينيك إعوالي وطول شهيقيوإخفاق عيني من كرى وخفوق
على أن تهويماً إذا عارض أطبىسرى طارق في غير وقت طروق
سرى جائحاً للخرق يخشى ولم يكنملياً بإسراء وجوب خروق
فبات يعاطيني على رقبة العداويمزج ريقاً من جناه بريقي
وبت أهاب المسك منه وأتقيرداع عبير صابك وخلوق
أرى كذب الأحلام صدقاً وكم صغتإلى خبر أذناي غير صدوق
وما كان من حق وبطل فقد شفىحرارة متبول وخبل ومشوق
وحسبك بهذا حسناً وحلاوة.
وقال:
أحبب إلي بطيف سعدى الآتيوطروقه في أعجب الأوقات
أني اهتديت لمحرمين تصوبوالسفوح مكة من ربى عرفات
ذكرتنا عهد الشآم وعيشنابين القنان السود والهضبات
إذ أنت شكل مخالف وموافقوالدهر فيك ممانع وموات
لولا مكاثرة الخطوب ونحتهامن جانبيَّ لكنت من حاجاتي
وما علمت أحداً من القدماء قال في طروق الخيال أحسن من قول قيس بن الخطيم، قال:
أني سربت وكنت غير سروبوتقرب الأحلام غير قريب
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينهفي النوم غير مصرد محسوب
/ ثم جاء البحتري فأبر على قيس وكل أحد ولم أستقص ههنا كل ما قاله فيه لكثرته.
وما أحسن ما قال عدي بن الرقاع:
يصطاد يقظان الرجال حديثهاوتطير بهجتها بروح الحالم
وقال البحتري:
إذا نسيت هوى ليلى أشاد بهطيف سرى في سواد الليل إذ جنحا
دنا إلي على بعد فأرقنيحتى تبلج ضوء الصبح فاتضحا
عجبت منه تخطي القاع من إضموجاوز الرمل من خبث وما برحا
قال: «تخطى القطاع من إضم وجاوز الرمل من خبث» فكيف يقولك وما برحا؟
أراد ما برح على الحقيقة.
فإن قيل: هي لم تبرح على الحقيقة فأما خيالها إذا طرق وهي بعيدة نائية فقد برح.
قيل: خيالها إنما هو صورتها التي تتصور في النفس، والصورة أيضاً غير نازحة على الحقيقة، فقولهم: طرق الخيال، وزار الخيال مجاز.
ويجوز أن يكون قوله: «وما برحا» أي ما برحت هي وجعل خيالها بدلاً، ووضعه في موضعها؛ لأنه هي، الا ترى إلى قول جرير:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذاوقت الزيارة فارجعي بسلام
قيل: إنه أراد خيالها فوضعها في موضعه؛ لأن خيالها ليس هو شيئاً غير صورتها.
/ وقد استجفى الناس قوله: «فارجعي بسلام»، وإنما قال هذا لأنه عاتب عليها، ألا ترى إلى قوله بعدا هذا:
لو كان عهدك كالذي عاهدتنالوصلت ذاك فكان غير رمام
أو لم يمنعه طرده الخيال أن قال بعد هذا:
تجري السواك على أغر كأنهبرد تحدر من متون غمام
وهذا وإن كان الناس قد تقدموه بتشبيه الثغر بالبرد فإن هذا لفظ وسبك في غاية الجودة والحلاوة والبراعة.
وأول من طرد الخيال طرفة فقال:
فقل لخيال الحنظلية ينقلبإليها فإني واصل حبل من وصل
وهذا أعذر من جرير لأنه قال: «فإني واصل حبل من وصل»، فدل على أن الحنظلية هجرته وواصله غيرها فطرد خيالها.
وقد دعا الأعشى على الخيال فقال:
هذا النهار بدا لها من أمرهاما بالها بالليل زال زوالها
أي أزاله كزواله.
وما أظن جريراً، ولا الأعشى قبله كرها الخيال على الحقيقة، وإنما أرادا أن زيارته في غير وقتها شاغلة لنا عن حالنا التي نحن عليها.
وقال البحتري:
/ أمنك تأوب الطيف الطروبحبيب جاء يهدى من جبيب
تخطي رقبة الواشين وهناًوبعد مسافة الخرق المحبوب
يكاذبني وأصدقه وداداًومن كلف مصادقة الكذوب
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع