من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه في الشيب والشباب ووصف الكبر والعزوف عن الصبا، ونحو ذلك
وأفتتح هذا الباب بما لهما من ابتداآت القصائد في نحو معانيه.
قال أبو تمام:
نسج المشيب له لفاعاً مغذفايققاً فقنع مذوريه ونصفا
قوله: «لفاعاً» يريد لباساً، يقال: لفع المشيب رأسه: إذا شمله وعلاه.
والمغدوف: المسبل، يقال: أغدفت الستر إذا أسبلته، ومذرواه ها هنا: فودا، ومذروا كل شيء: ناحيتاه وقد استعملا كثيراً في أطراف الأليتين حتى صارا كالاسم لهما.
وقوله: «نصفا» أي قنع جانبي رأسه حتى بلغ النصف منه.
وقد قيل: إنما أراد بقوله: «نصفا» النصيفا، وهو قناع لطيف؛ يكون مثل نصف القناع الكبير، وقد ذكره النابغة فقال:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
فإن ذلك لا وجه له بعد ذكر القناع، وإنما أراد أبو تمام ما أراده الآخر بقوله:
/ أصبح الشيب في المفارق شاعاواكتسى الرأس من مشيب قناعا
فالمعنى مكتف بقوله: «قنع مذرويه»، وقوله: «نصفا» أي بلغ نصف رأسه.
وقال أبو تمام:
يضحكن من أسف الشباب المدبريبكين من ضحكات شيب مقمر
وهذا بيت رديء، وما سمعت بضحك من الأسف إلا في هذا البيت، وكأنه أراد قول الآخر:
وشر الشدائد ما يضحك
فلم تهتد لمثل هذا الصواب.
وقوله: «من ضحكات شيب مقمر» ليس بالجيد أيضاً، ولو كان ذكر الليل على الاستعارة لحسن أن يقول مقمر؛ لأنه كان يجعل سواد الشعر ليلاً، وبياضه بالمشيب إقماره، لأن قائلاً لو قال: أقمر ليل رأسك، كان من أصح الكلام وأحسنه، وإن لم يذكر الليل أيضاً حتى يقول: قد أقمر عارضاك، أو فؤادك لكان حسناً مستقيماً، وهو دون الأول في الحسن؛ وذلك أنه قد علم أنهما كانا مظلمين فاستنارا
وسقى الله البحتري الغيث إذ يقول:
ليال سرقناها من الدهر بعد ماأضاء بإصباح من الشيب مفرق
وإنما أراد أبو تمام قول دعبل:
ضحك المشيب برأسه فبكى
فأفسد المعنى.
وقال:
أبدت أسى أن رأتني مخلس القصبوآل ما كان من عجب إلى عجب
/ يقال: رأس مخلس، وخليس: إذا اختلط به الشيب، والقصب: هي خصلة الشعر.
«وآل ما كان من عجب إلى عجب»، أي عجب ومحبة، «وإلى عجب» أي عجب من شيء.
وقال في العزوف عن الصبا:
أبى: فلا شنباً يهوى ولا فلجاولا احوراراً يراعيه ولا دعجا
وهذان ابتداآن صالحان.
وللبحتري في هذا الباب ابتداآت كثيرة تصرف فيها أحسن تصرف، وافتن فيها أحلى افتنان، وذلك قوله:
أبعد المشيب المنتضى في الذوائبأحاول لطف الود عند الكواعب
وقال:
رأت وخط شيب في عذارى فصدتولم تنظرني من جوى قد أجدت
وقوله:
غلس الشيب أو تعجل وردهواستعار الشباب من لا يرده
وقوله:
أما الشباب فقد سبقت بغضهوحططت رحلك مسرعاً من نقضه
وقوله:
ترك الشباب للابسيه وبيضاونضا من الستين عنه ما نضا
/ وقوله:
لابس من شبيبة أم ناضومليح من شيبة أم راض
وقوله:
شرخ الشباب أخو الصبا وأليفهوالشيب تزجيه الهوى وخفوفه
وقوله:
ها هو الشيب لائماً فأفيقيواتركيه إن كان غير مفيق
وقوله:
قالت الشيب أتى قلت أجلسبق الوقت ضراراً وعجل
وقوله:
تقضى الصبا إلا تلوم راحلوأغنى المشيب عن ملام العواذل
أكان الصبا إلا خبالاً مسلماأقام كرجع الطرف ثم تصرما
وقوله:
لا جديد الصبا ولا ريعانهراجع بعدما تقضى زمانه
وقوله:
/ بان عهد الصبا وباقي جديدهبين أعوان طالب ووجوده
وقوله:
خطته فلم تحفل به الأعين الوطفوكان الصبا إلفاً فودعه الإلف
وقال في العزوف عن الصبا:
إليك ما أنا عن لهو ولا طربمنيت مني بقلب غير منقلب
وقال:
أطاع عاذله في الحب إذ نصحاوكان نشوان من سكر الصبا فصحا
وقال:
في الشيب زجر له لو كان ينزجروواعظ منه لولا أنه حجر
وقال:
أنزاعاً في الحب بعد نزوعوذهاباً في الغي بعد رجوع
وقال:
لأية حال أعلن الوجد كاتمهوأقصر عن داعي الصبابة لائمه
وقال:
إني تركت الصبا عمداً فلم أكدمن غير شيب ولا عذل ولا فند
وهذا باب أبر فيه البحتري على أبي تمام.
قوله: «أبعد المشيب المنتضى» ويقال: نضا الحناء عن اليد ينضو، ونضا ثوبه عنه ينضوه، أي نزعه، وانتضى السيف: انتزعه من غمده، فجعل الشيب منتضى في الذوائب أي مشهوراً فيها على الاستعارة، كأنه جعله سيفاً سل في رأسه.
وأجود من هذا قوله:
وددت بياض السيف يوم لقيننيمكان بياضر الشيب كان لمفرقي
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع