من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما جاء عنهما في وسط كلاهما من ذكر الشيب والشباب ووصف الشيب وذمه
قال أبو تمام:
غدا الهم مختطاً بفودي خطةطريق الردى منها إلى الموت مهيع
هو الزور والمعاشر يجتويوذو الإلف يقلى والجديد يرقع
ونحن نرجيه على الكره والرضاوأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
وهذه كلها معان جيدة صحيحة مستقيمة.
وقال:
شعلة في المفارق استودعتنيفي صميم الأحشاء حزناً صميما
يستشير الهموم ما اكتن منهاصعداً وهي تستشير الهموما
/ غرة مرة ألا إنما كنــت أغرا أيام كنت بهيما
رقة في الحياة تدعى جلالاًمثلما سمي اللديغ سليما
حلمتني زعمتم وأرانيقبل هذا التحليم كنت حليما
وهذه كلها أيضاً أبيات جيدة، والأغراض فيها حسنة مستقيمة.
وقوله: «تستشير الهموم ما اكتن منها» يريد أنها لم بدت حزنت، واهتممت، فصار اهتمامي يزيد فيها، لأن الهم -على كل حال- يشيب.
وقوله: «وهي تستشير الهموما» قول صحيح أيضاً؛ لأنه كلما بدا
منها شيء زاد همه، فالهم يجلبها، وهي تجلب الهم.
وأخذ البحتري قوله:
غرة مرة ألا إنما كنــت أغرا أيام كنت بهيما!
فقال:
عجبت لتفويف القذال وإنماتفويفه لو كان غير مفوف
وقال البحتري:
وكنت أرجي في الشباب شفاعةوكيف لباغي حاجة بشفيعه
مشيب كبث السر عي بجملهمحدثه أو ضاق صدر مذيعه
تلاحق حتى كاد يأتي بطيئهلحث الليالي قبل أتي سريعه
وهذا أيضاً في وصف الشيب حسن جداً.
وقال البحتري:
ردي علي الصبا إن كنت فاعلةإن الصبا ليس من شأني ولا أربي
جاوزت حد الشباب النضر ملتفتاًإلى بنات الردى تركضن في طلبي
والشيب مهرب من جارى منيتهولا نجاء له في ذلك الهرب
والمرء لو كان الشعرى له وطناًصبت عليه صروف الدهر من كثب
وقال:
لابش من شبيبة ام ناضومليح من شيبة أم راض
وإذا ما امتعضت من ولع الشيب برأسي لم يثن ذاك امتعاضي
ليس يرضى عن الزمانمرو ... فيه إلا عن غفلة أو تغاض
باكرت لمتي وناكرت منهاسوء هذي الأبدال والأعواض
شعرات أقصهن ويرجعــن رجوع السهام في الأغراض
وأبت تركي الغديات والآصال حتى خضبت بالمقراض
غير نفع إلا التعلل من شخــص عدو لم يعده إبغاضي
ورواء المشيب كالبخض في عيــني فقل فيه في العيون المراض
طبت نفساً عن الشباب وماسوود من صبغ برده الفضفاض
فهل الحادثات يابن عويفتاركاتي ولبس هذا البياض
/ وهذا هو الذي يأخذ بمجامع القلب، ويستولي على النفس، ومن حذق الشاعر أن يصور لك الأشياء بصورها، ويعبر عنها بألفاظها المستعملة فيها واللائقة بها، وذلك مذهب البحتري وصناعته؛ ولهذا ما كثر الماء والرونق في شعره، وقالوا لشعره ديباجة وما قيل ذلك في شعر أحد من المتأخرين غيره.
وقال:
وما أنس لا أنس عهد الشباب وعلوة إذ عيرتني الكبر
وقوله: «ما أنس لا أنس» جزم: لأنه شرط وجزاء.
كواكب شوق علقن الصبافقللن من حسنه ما كثر
وإني وجدت فلا تكذبنسواد الهوى في بياض الشعر
ولا بد من ترك أحدى اثنتيــن إما الشباب وإما العمر
قوله:
ولا بد من ترك أحدى اثنتيـن إما الشباب وإما العمر
عليه في هذا البيت معارضة، وهو أن يقال: إن من مات شاباً فقد فارق الشباب، وهو مفارق للعمر لا محالة، فهو أيضاً تارك لهما جميعاً، وقوله: إما الشباب وإما العمر لا يوجب إلا أحدهما.
والعذر للبحتري أن يقال: إن من مات شاباً فإنما فارق الشباب وحده؛ لأنه لم يعمر فيكون مفارقاً للعمر، ألا تراهم يقولون: فلان عمر: إذا أسن وفلان لم يعمر: إذا مات شاباً أو هو في حدود الشباب، ومن شاب وعمر ثم مات لم يكن مفارقاً للشباب في حال موته [لأنه قد قطع أيام الشباب وتقدمت مفارقته له، وإنما يكون في حال موته] مفارقاً للعمر وحده، فإلى هذا ذهب البحتري، وهو صحيح، ولم يرد بالعمر ههنا: الكبر، كما قال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصبتمته ومن تخطيء يعمر فيهرم
ومثله قول آخر:
من لم يمت عبطة يمت هرماًللموت كأس والمرء ذائقها
هذا أجود من بيت زهير ومن بيت البحتري؛ لأنه جمع المعنيين في المصراع الأول، وهو مستغن عن المصراع الثاني.
ولولا قوله:
«مشيب كبث السر».
و «فهل الحادثات يابن عويف» لفضلت أبا تمام عليه، ولكني أجعلهما متكافئين.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع