من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
كره النساء للمشيب
قال أبو تمام:
ألم تر آرام الظباء كأنمارأت بي سيد الرمل والصبح أدرع
لئن جزع الوحشي منها لرؤيتيلإنسها من شيب رأسي أجزع
وهذا غاية في حسنه وصحة معناه.
قوله: «سيد الرمل» يريد الذئب، وقوله: «والصبح أدرع» أي أوله مختلط بسواد الليل، يريد وقت طلوع الفجر، وكل ما اسود أوله، وابيض آخره فهو أدرع، وشاة درعاء للتي اسود رأسها وعنقها، وسائرها أبيض.
وإنما قال ذلك لأن الضباء تخاف الذئب في ذلك الوقت، لأن لونه يخفى فيه لغبشته، فلا تكاد تراه حتى يخالطها، وهو الوقت الذي تنتشر فيه الظباء، وتخرج من كنسها لطلب المرعى، والغنم يخرجها أهلها بعد هذا الوقت.
وقال أبو تمام:
لعب البين بالمفارق بل جددفابكى تماضراً ولعوبا
خضبت خدها إلى لؤلؤ العقــد دماً أن رأت شواتي خضيبا
كل داء يرجى الدواء لهإلا الفظيعين ميتة ومشيبا
يا نسيب الثغام ذنبك أبقىحسناتي عند الحسان ذنوبا
ولئن عبن ما رأين لقد أنــكرن مستنكراً وعبن معيبا
أو تصدعن عن قلى لكفى بالشــيب بيني وبينهن حسيبا
لو رأى الله أن للشيب فضلاًجاورته الأبرار في الخلد شيبا
وهذا البيت الأخير من شعره الجيد المشهور.
ومن يتعصب عليه يقول: إنه ناقض في هذه الأبيات، لقوله: «فأبكى تماضراً ولعوبا» وقوله: «خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد دماً» ثم قال: يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا
وقوله: «ولئن عبن ما رأين».
وقالوا كيف يبكين دماً على مشيبه ثم يعبنه؟
وليس ها هنا تناقض؛ لأن الشيب إنما أبكى تماضراً ولعوباً أسفاً على شبابه، والحسان اللواتي عبنه غير هاتين المرأتين، فيكون من أشفق عليه من الشيب منهن وأسف على شبابه بكى، كما قال الأخطل:
لما رأت بدل الشباب بكت لهإن المشيب لأرذل الأبدال
ولم تك هذه حال من عابه وهو مستقيم صحيح
وقول الأخطل: بكت له أي الشباب، ولكن أبا تمام لم يرض أن يقول بكت فيكون أمراً قريباً مشبهاً، حتى قال: «بكت الدم» على مذهبه في الخروج عن الحد في كل شيء.
وقال:
راحت غواني الحي عنك غوانيايلبسن نأياً تارة وصدودا
من كل سابغة الشباب إذا بدتتركت عميد القريتين عميدا
أرببن بالمرد الغطارف بدناًغيداً ألفنهم لداناً غيدا
أحلى الرجال من النساء مواقعاًمن كان أشبههم بهن خدودا
قوله: «أرببن بالمرد» هو من أرب بالشيء إذا لزمه وأقام عليه، يقال: أرب به، وألب إذا لزمه، يريد أنهن أرببن هوى المرد، وأقمن عليه.
ورواه قوم «أرببن بالمرد»، من الربا الذي معناه الزيادة يقال: قد أربى الرجل إذا زاد، فيقول: «أربين بالمرد أي زدن علينا بهم، أي جعلن المرد زيادة اخترنها علينا فما يقبل الرجل الزيادة في الشيء
الذي يعطاه فاضلاً من حقه، ويرغب يقال: قد أربى، فإلى هذا ذهب من قال: أربين، لا إلى قولهم: أنا أربأ بك عن كذا، لأن هذا مهموز معناه: أنا أرتفع بك، أو أرفعك عن كذا، من الربيئة والارتباء وهو الذي يصعد لأصحابه إلى شرف عال فيرصد أعداءهم إذا قصدوهم فيراهم من بعد فينذرهم بهم، فكأنه قوله: «أربين بالمرد» أي أخذن المرد رباً علينا لما فيهم من الزيادة التي اخترن علينا وتركننا.
والمعنى الأول أقرب لفظاً.
وعلى أي الوجهين كانت اللفظة فهي غير حسنة، ولا لائقة، ولا هذا الموضع موضعها بالباء كانت أم بالياء.
وقيل: أخذ قوله: «أحلى الرجال من النساء مواقعاً؛ من قول الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن أمراًفقد الشباب وقد يصلن الأمردا
وقال منصور النمري:
كرهن من الشيب الذي لو رأينهبهن رأيت الطرف عنهن أزورا
ونحو هذا قول آخر:
أرى شيب الرجال من الغوانيبموقع شيبهن من الرجال
وقال البحتري:
تعيب الغانيات علي شيبيومن لي أن أمتع بالمعيب
ووجدي بالشباب وإن تقضىحميداً دون وجدي بالمشيب
وهذا من فاخر هذا الباب وعجيب مذاهبه، ومن إحسان أبي عبادة المشهور.
وقال البحتري أيضاً:
أعداوة كانت فمن عجب الهوىأن يصطفي فيه العدو حبيبا
أم وصلة صرفت فعادت هجرةأن عاد ريعان الشباب مشيبا
أرأيته من بعد جثل فاحمجون المفارق بالنهار خضيبا
فعجبت من حالين خالف منهماريب الزمان وما رأيت عجيبا
إن الزمان إذا تتابع خطوهسبق الطلوب وأدرك المطلوبا
قوله: «جون المفارق»، والجون ها هنا: الأبيض؛ فلذلك قال: «بالنهار خضيبا» وخضاب البياض غير معروف ولا جرت بمثله عادة، وإنما الخضاب بالسواد والصفرة، وذلك أن الخضاب إنما هو صبغ، والبياض ليس بصبغ ولكن هو المصبوغ، والبحتري إنما جعله خضاباً لأنه لون حدث بعد لون قبله فلهذا ما جعله كالخضاب.
وقال:
رأت فلتات الشيب فابتسمت لهاوقالت: نجوم لو طلعن بأسعد
أعاتك ما كان الشباب مقربيإليك فألحى الشيب إذ كان مبعدي
تزيدين هجراً كلما ازددت لوعةطلاباً لأن أردى فها أنا ذا ردي
متى أدرك العيش الذي فات آنفاًإذا كان يومي فيك أحسن من غدي
وهذا معنى في غاية الحسن والحلاوة.
وقوله: «فابتسمت لها»، يريد استهزأت، وبهذا [جرت عادة النساء أن يضحكن من المشيب ويستهزئن لا أن] يبكين كما قال أبو تمام ولم يقنع إلا ببكاء الدم.
وقال البحتري:
عنت كبدي قسوة منك ما إنتزال تجدد فيها ندوبا
وحملت عندك ذنب المشيــب حتى كأني ابتدعت المشيبا
ومن يطلع شرف الأربعينيلاق من الشيب زوراً غريبا
عهدي بالشيوخ من أهل العلم بالشعر إذا تذاكروا ما قيل في الشيب لا يقدمون على قوله:
وحملت عندك ذنب المشيب
وقال:
وقد دعانت ناهياً فأسمعنيوخط على الرأس مخلس شعره
صغر قدري في الغانيات وماضغر صباً تصغيره كبره
وقال:
أيثني الشباب أم ما تولىمنه في الدهر دولة ما تعود
لا أرى العيش والمفارق بيضٌأسوة العيش والمفارق سود
وأعد الشقي جداً ولو أعـطي غنماً حتى يقال سعيد
من عدته العيون وانصرفت عنــه التفاتاً إلى سواهد الخدود
وقال:
راعني ما يروع من وافد الشيــب طروقاً ورابني ما يريب
شعرات سود إذا حلن بيضاًحال عن وصلة المحب الحبيب
مر بعد السواد ما كان يحلومجتناه من عيشنا ويطيب
وقال:
أجدك ما وصل الغواني بمطمعولا القلب من رق الغواني بمعتق
وددت بياض السيف يوم لقيننيمكان بياض الشيب كان بمفرقي
وقال:
عمر الغواني لقد بين من كثبهضيمة في محب غير محبوب
إذا مددن إلى أغراضه سبباًوقين من كرهه الشبان بالشيب
وقال:
خلياه وجدة اللهو مادام رداء الشباب غضاً جديدا
إن أيامه من البيض بيضما رأين المفارق السود سودا
وقال:
قدك مني فما جوى السقم إلافي ضلوع على جورى الحب تحنى
لو رأت حادث الخضاب لأنتوأرنت من احمرار اليرنا
كلف البيض بالمعمر قدراًحين يكلفن والمصغر سنا
يتشاغفن بالغرير المسمىمن تصاب دون الجليل المكنى
وقال:
ترك السواد للابسيه وبيضاونضا من الستين عنه ما نضا
وشآه أغيد في تصرف لحظهمرض أعل به القلوب وأمرضا
وكأنه وجد الصبا وجديدهديناً دنا ميقاته أن يقتضى
أسيان أثرى من جوى وصبابةوأساف من وصف الحسان وأنفضا
شآه: سبقه أغيد الشباب الناعم، وغلبه على ود الحسان.
وأساف الرجل إذا ذهب ما في يده فافتقر، وكذلك أنفض.
وقال:
أخي إن الصبا استمر بهسير الليالي فأنهجت برده
تصد عني الحسان مبعدةإذ أنا لا قربه ولا صدده
شيب على المفرقين بارضهيكثرني أن أبينه عدده
تطلب عندي الشباب ظالمةبعيد خمسين حين لا تجده
لا عجب إن مللت خلتنافافتقد الوصل منك مفتقده
من يتطاول على مطاولة العيــش تقعقع من ملة عمده
أنهجت برده: يريد بروده، وفعل لا يجمع على فعل.
والبارض: أول ما يطلع من النبات وهو غض، يريد أن أوائل الشيب قد زادت عليه في الكثرة حتى لا يقدر على عددها بعد أن كان يعد الشعرات البيض في أول طلوع الشيب.
وقوله: «تقعقع من ملة عمده» أي عظامه يجيء لها صوت إذا قام أو قعد من الكبر والضعف.
وقوله: «من ملة»: أي من تملى العيش، يريد طوله ودوامه، ومنه تمليت حبيك.
وأخذ قوله:
تطلب عندي الشباب ظالمةبعيد خمسين حين لا تجده
من قول بشار:
يا منظراً حسناً رأيتهمن وجه جارية فديته
لمعت إلي تسومنيشرخ الشباب وقد طويته
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع