من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
البكاء على الشباب والتعزي عنه والعزوف عن الصبا
قال أبو تمام:
أصبحت روضة الشباب هشيماوغدت ريحه البليل سموما
وقال البحتري:
خلق العيش في المشيب وإن كان نضيراً وفي الشباب جديده
ليت أن الأيام قام عليهامن إذا ما انقضى زمان يعيده
ولو أن البقاء يختار فيناكان ما تهدم الليالي تشيده
شيبتني الخطوب إلا بقايامن شباب لم يبق إلا شريده
لا تنقب عن الصبا فخليقإن طلبناه أن يعز وجوده
وهذا من الحلاوة والحسن على ما تراه.
وقال وقد مضت في باب آخر:
أيثني الشباب أم ما تولىمنه في الدهر دولة ما تعود
لا أرى العيش والمفارق بيضأسوة العيش والمفارق سود
ومن جيد هذا الباب قول كثير:
وكان الصبا خدن الشباب فأصبحاوقد تركاني في مغانيهما وحدي
فوالله ما أدري أطائف جنةتأوبني أم لم يجد أحد وجدي
وقال البحتري:
أواخر العيش أخبار مكررةوأقرب العيش من لهو أوائله
يجري الشباب إذا ما تم تكملةوالشيء ينفده نقصاً تكامله
ويعقب المرء برءاً من صبابتهتجرم العام يمضي ثم قابله
إن فر من عنت الأيتم حازمهافالحزم فرك ممن لا تقاتله
وإن أراب صديقي في الوداد فكمأمسيت أحذر ما أصبحت آمله
وقال:
أما الشباب فقد فنيت بغضهوحططت رحلك مسرعاً عن نقضه
وأقام مشتاق وأقصر عاذلأرضاه فيك الشيب إذ لم ترضه
شعر صحبت الدهر حتى جازنيمسوده الأقصى إلى مبيضه
فعلى الصبا الآن السلام ولوعةتثني عليه الدمع في مرفضه
وليقن تفاح الخدود فلست منتقبيله عزلاً ولا من غضه
أي فعليه السلام وعليه لوعة.
وقال:
وصال سقاني الخبل صرفاً ولم يكنليبلغ ما أدت عقابيله الهجر
وباقي شباب في مشيب مغلبعليه اختناء اليوم يكثره الشهر
وليس طليقاً من يروح أو غدايسوم التصابي والمشيب له أسر
تطاوحني العصران في رحويهمايسيبني عصر ويقلعني عصر
متاع من الدنيا استبد بجدتيوأعظم جرم الدهر أن يمتع الدهر
قوله: «وصال سقاني الخيل صرفاً»، يريد أنه لما جاده المشيب حزن على الوصل، وأسف أسفاً شديداً؛ لأنه ليس يجد له مثل ما كان، ولأن محبوبه إن واصل واصل تكلفا، وإن ذلك لا بقاء له، وإنه ذاهب حتى إن عقابيله -وهي أواخره وبقاياه- لو كان مكانها الهجر لما بلغ من خبله ما بلغت.
وقوله: «مغلب عليه اختناء اليوم»، فالاختناء: الانخزال والتهيب من الشيء، والخشوع له، يريد كاختناء اليوم إذا كاثره الشهر فكثره؛ لأن يوماً لا يكون كشهر في المكاثرة والمفاخرة.
وقال:
تقضى الصبا إلا تلوم راحلوأغنى المشيب عن ملام العوذل
وتأبى صروف الدهر سوداً شخوصهاعلى البيض أن يحظين منه بطائل
يحاولن عندي صبوة وإخالنيعلى شغل مما يحاولن شاغل
رمي رزايا صائبات كأننيلما أشتكي منها رمي جنادل
وقال:
في الشيب زجر له كان ينزجروواعظ منه لولا أنه حجر
ابيض ما اسود من فوديه وارتجعتجلية الصبح ما قد أغفل السحر
وللفتى مهلة في العيش واسعةما لم يمت في نواحي رأسه الشعر
قوله: «ارتجعت جلية الصبح ما قد أغفل السحر» قريب من قوله:
تزيدني الأيام مغبوط عيشةفتنقضي نقص الليالي مرورها
وقال:
أيا صاحبي إما أردت صحابتيفكن مقصراً أو مغرماً مثل مقصر
فإني إن أزمع غدواً لطيتيأغلس وإن أجمع رواحاً أهجر
وما يقرب الطيف الملم ركائبيولا يعتريني الشوق من حيث يعتري
سقينا جنى السلوان أم شغل الهوىعلينا بنو العشرين من كل معشر
وما قيل في هذا الباب كقول ابن حازم الباهلي، ومنصور النمري.
قال بن حازم:
عهد الشباب لقد أبقيت لي حزناًما جد ذكرك إلا جد لي ثكل
لا تكذبن فما الدنيا بأجمعهامن الشباب بيوم واحد بدل
يكفيك بالشيب ذنباً عند غانيةوبالشباب شفيعاً أيها الرجل
وقال منصور:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزعإذا ذكرت شباباً ليس يرتجع
بان الشباب وفاتني بشرتهصروف دهر وأيام لها خدع
ما كدت أوفي شبابي كنه غرتهحتى انقضت فإذا الدنيا له تبع
وأنشد إسحق الموصلي:
لعمري لئن حلئت عن منهل الصبالقد كنت وراداً لمشربه العذب
ليالي أمشي بين بردي لاهياًأميس كغصن البانة الناعم الرطب
سلام على سير القلاص منه بقيةسوى نظر العينين أو شهوة القلب
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع