من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه في طلب الرزق والنهوض إليه
قال أبو تمام:
سيبتعث الركاب وراكبيهافتى كالسيف هجعته غرار
أطل على كلى الآفاق حتىكأن الأرض في عينيه دار
غرار: قليل، وهذا البيت حسن جداً، ولو كان في مدح خليفة ضبط الدنيا، وأحسن سياستها، ومراعاة كل ناحية منها، كان أحسن وأليق.
وإنما سرق المعنى من قول منصور النمري يمدح الرشيد:
وعين محيط بالبرية طرفهاسواء عليه قربها وبعيدها
وقال:
سلي هل عمرت القفر وهو سباسبوغادرت ربعي من ركابي سباسبا
تغربت حتى لم أجد ذكر مشرقوشرقت حتى قد نسيت المغاربا
خطوب إذا لاقيتهن رددننيجريحاً كأني قد لقيت الكتائبا
ومن لم يسلم للنوائب أصبحتخلائقه طراً عليه نوائبا
وقد يكهم السيف المسمى منيةوقد يرجع المرء المظفر خائبا
فآفة ذا أن لا يصادف صارماًوآفة ذا أن لا يصادف ضاربا
قوله: «فآفة ذا أن لا يصادف صارماً» ليس بالجيد؛ لأن الشجاع المظفر قد يقطع السيف الكهام في يده، ألا ترى إلى قول البحتري:
وما السيف إلا بز غاد لزينةإذا لم يكن أمضى من السيف حامله
وكان الأجود له أن يقول: فآفة ذا أن لا يصادف مغنماً، أو مضرباً.
يعني المرء المظفر، وآفة ذا أن لا يصادف ضارباً، يعني السيف، لأنه قد جعل آفته في أن صار كهاماً أي أنه لم يجد ضارباً يضرب به، ولم يذهب إلى نحو قول الفرزدق:
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتهاوتقطع أحياناً مناط القلائد
لأن هذا معنى آخر.
وقال أبو تمام:
وأخرى لحتني حين لم أتبع الهوىقيادي ولم ينقض زماعي ناقض
أرادت بأن يحوي الرغيبات وادعوهل يفرس الليث الطلى وهو رابض
وهذا بيت الباب كله، فإنه لا يمر فيه أجود منه، ولا أليق، ولا أحسن.
وعلى أنه معنى مأخوذ من مثل للأسد: قيل له: أم أنت غليظ الرقبة؟ فقال: لا ألزم خدري وأتكل في فريستي على غيري.
وقد سمعت فيه شعراً أيضاً منظوماً، ولكن أبا تمام أحسن العبارة عن المعنى جداً.
وقال:
إن خيراً مما رأيت من الصفــح عن النائبات والإغماض
غربة تقتدي قيس بــن زهير والحارث بن مضاض
غرضي نكبتين ما فتلا رأياً فخاخاً عليه نكث انتقاض
من أبن البيوت أصبح في ثوب من العيش ليس بالفضفاض
والفتى من تعرفته اللياليوالفيافي كالحية النضناض
صلتان أعداؤه حيث حلوافي حديث من ذكره مستفاض
كل يوم له بصرف اللياليفتكة مثل فتكة البراض
أبن البيوت: أقام بها ولزمها، والفضفاض: الواسع، والحية النضناض: هو الخفيف الكثير الحركة.
وقد عيب عليه قوله: «مستفاض»، وقالوا: إنما هو مستفيض، وقيل: إنه أراد مستفاض فيه، وليس ذلك بشيء.
وقد قاله البحتري أيضاً في قصيدته التي على هذا الوزن:
أفرطت لوثة ابن أيوب والشائع من ذكر أفنه المستفاض
وقد نطق بها غير واحد من المتأخرين، وهي رديئة.
وذكرها الطرماح على غير هذا الوجه، فقال يصف حمار وحش:
ويظل المليء يوفي على القرن عذوباً كالحرضة المستفاض
القرن: الجيل، عذوقاً: رافعاً رأسه لا يذوق شيئاً.
شبهه بالحرضة، وهو رجل يجيء به أصحاب الميسر، رذل من الرجال ساقط، ويشدون عينه، ويدفعون إليه القداح فيفيض بها لهم، فقيل له: المستفاض؛ لأنه جعله مفيضاً، والإفاضة بالقداح هي أن يدفعها دفعة واحدة من الربابة إلى قدام، فيخرج من مخرجها الضيق قدح واحد، ويقوم الرقيب فيأخذه، وينظر: فإن كان لاظ له رده إلى الربابة، وقال للحرضة: أعد الجلجلة والإفاضة، وإن كان السهم من ذوات الحظوظ دفعه إلى صاحبه وقال له: اعتزل، فإن كان الفذ أخذ نصيباً واحداً وهو عشر الجزور، وإن كان غيره أخذ على قدر أنصبائه.
ولقيس بن زهير، والحارث بن مضاض في اغترابهما حديث وكذلك للبراض في فتكته، وأنا أذكر بجميع ذلك بعد الفراغ من [هذا] الباب بإذن الله.
وقال أبو تمام:
أعاذلتنا ما أخشن الليل مركباًوأخشن منه في الملمات راكبه
دعيني وأهوال الزمان أعانهافأهواله العظمى تليها رغائبه
ألم تعلمي أن الزماع على السرىأخو النجح عند النائبات وصاحبه؟!
دعيني على أخلاقي الصم التيهي الوفر أو سرب ترن نوادبه
فإن الحسام الهندواني إنماخشونته ما لم تفلل مضاربه
وقلقل نأي من خراسان جأشهافقلت اطمئني أنضر الروض عازبه
وركب كأطراف الأسنة عرسواعلى مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدورهوليس عليهم أن تتم عواقبه
وحسبك بهذا كله جودة وحسناً.
وهذا البيت الأخير إنما أخذ معناه من قول الشاعر، وأنشده في الحماسة:
فكان على الفتى الإقدام فيهاوليس عليه ما جنت المنون
وقال أبو تمام وسبيله أن يقدم في أول الباب؛ لأنه من إحسانه المشهور:
ولكنني لم أحو وفراً مجمعاًففزت به إلا بشمل مبدد
ولم تعطني الأيام نوماً مسكناًألذ به إلا بنوم مشرد
وطول مقام المرء في الحي مخلقلديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت ملاحةإلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
قوله: «لم أحو وفراً مجمعاً... إلا بشمل مبدد» يريد أنه لم يحو ذلك إلا في الغربة مع مفارقة وطنه وأحبابه، وأنه لم ينم نوماً ساكناً إلا بعد نوم مشرد في الأسفار، وهذا مبني على قول عروة بن الورد:
ولم تدر أني للمقام أطوف
وقوله: «فإني رأيت الشمس»... مسروق من قول الكميت:
ولو لم تغب شمس النهار لملت
وقال أبو تمام:
هن البجاري أيا بجيرأهدى لها الأبؤس الغوير
يوم مقام على وفازوسائر الدهر فيه سير
في ثبة إن سرن جنأو يمموا شقة فطير
قد ضج من فعلهم جديلبنسله واشتكى غرير
هذا عبيد وذا زيادوذا لبيد وذا زهير
يا لك من همة وعزملو أنه في عصاك سير
رب قليل جداً كثيركم مطر بدؤه مطير
صبراً على النائبات صبراًما صنع الله فهو خير
فهذه معان مستقيمة صحيحة، ونسج جيد، ولفظ حسن إلا قوله: «هن البجاري يا بجير»، فإنه لفظ متعسف مستكره، والبجاري: جمع بجرية وهو ما يمر بالإنسان من البجر والمصائب، من قوله ﵇: «أشكو إلى الله عجري وبجري» فالبجر: جمع بجرة.
ثم قال: «أهدى لها الأبؤس الغوير»، وهذا هو المثل: «عسى الغوير أبؤسا».
يقول: جاءها البؤس من حيث لم تعلم أن هناك بؤساً، والبجاري هي البؤس أنفسها، فكان ينبغي أن يقول: أهدى لي الأبؤس الغوير، لا أهدى لها.
وإن كان أراد أهدى لها يعني نفسه، ولم يجر لها ذكر فهو رديء.
وقال البحتري:
وأحب آفاق البلاد إلى الفتىأرض ينال بها كريم المطلب
كم مشرقي قد نقلت نوالهفجعلته لي عدة في المغرب
وقال:
أمسي زميلاً للظلام وأغتديردفاً على كفل الصباح الأشهب
فأكون طوراً مشرفاً للمشرق الـأقصى وطوراً مغرباً للمغرب
وإذا الزمان كساك حلة معدمفالبس لها حلل النوى وتغرب
ولقد أبيت مع الكواكب راكباًأعجازها بعزيمة كالكواكب
والليل في لون الغراب كأنههو في حلوكته وإن لم ينعب
حتى تبدى الصبح من جنباتهكالماء يلمع من خلال الطحلب
والعيش تنصل من دجاه كما انجلىصبغ الشباب عن القذال الأشيب
وهذا من إحسان أبي عبادة الذي يتقدم عل كل إحسان في معناه.
وما قيل في وضوح الصبح أجود ولا أطلف معنى، ولا أبرع من قوله: «كالماء يلمع من خلال الطحلب».
وقوله: «فأكون طوراً مشرقاً للمشرق الأقصى» أجود من قول أبي تمام:
«تغربت حتى لم أجد ذكر مشرق»؛ لأنه يجوز أن لا يكون سمع أهل بلد يذكرون المشرق، وليسوا جهالاً به.
وقوله: «حتى نسيت المغاربا»، يجوز أن ينساها فلا يذكرها، وأن ينسى أباه فلا يذكره، وليس ماله بروي، لأن غرضه فيه معروف، ولكن قول البحتري أجود.
وقال البحتري:
أشرق أم أغرب يا سعيدوأنقص من زماعي أم أزيد
عدتني عن نصيبين العواديفحظي أبله فيها بليد
أرى الحرمان أبعده قريببها والنجح أقربه بعيد
تقاذف بي بلاد عن بلادكأني بينها خبر شرود
قوله: «خبر شرود»، معنى غريب طريف.
وقال:
وإن اغتراب المرء في غير بغيةيطالبها من حيف دهر يطالبه
فليس بمعذور إذا رد سربهعليه بأن تعيا عليه مذاهبه
ويعطيه مرجو العواقب مسرعاًإليه ركوب الأمر تخشى عواقبه
أرجي وما نقع الرجاء إذا التقتمناحس أمر مجحف ومعاطبه
ومما يعني النفس كل عنائهاتوقعها الصنع البعيد تقاربه
وهذا البيت يصلح أن يكون في باب الصبر والقناعة، ومعناه من أتقن المعاني وأحسنها.
وقال:
عست الإضافة أن تنال بهاسعة ونكل ضارباً شبعه
والفسل تسلبه عزيمتهأدنى وجود كفاية تسعه
لا يلبث الممنوع تطلبهحتى يثوب إليك ممتنعه
والنيل دين تسترق بهفارتد لرقك عند من تضعه
قوله: «نكل ضارباً شبعه»، أي أقعده حتى نكل عن المطلب.
وقال:
أسير إذ كنت في طول المقام بهاأكدي لعلي أجدي عند مرتحلي
وربما حرم الغازون غنمهمفي الغزو ثم أصابوا الغنم في قفل
شرق وغرب فعهد العاهدين لماطالبت في ذملان الأينق الذمل
ولا تقل أمم شتى ولا نسقفالأرض من تربة والناس من رجل
قوله: «ولا تقل أمم شتى ولا نسق» أي لا يصدنك عن السفرأن تقول: كيف ألاقي أمماً متفرقين متباعدين، غير مقترنين، ولا متسقين، وأترك أهلي وبلدي، فإن تربة الأرض واحدة، والناس أبناء رجل واحد.
وصدر هذا البيت رديء، وعجزه في غاية الحسن والبراعة.
ولولا أن محاسن أبي تمام في هذا الباب هي أبياته الأربعة والجميع من معانيها مسروقة لفضلته على البحتري إلا في بيت الطحلب فإنه معنى ما علمت أحداً سبق إليه، ولا قيل في وضوح الصبح أبرع منه، فأجعلهما متكافئين.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع