من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
خروجهما إلى المديح بمخاطبة النساء
فمن ذلك قول أبي تمام:
لا تنكري عطل الكريم من الغنىفالسيل حرب للمكان العالي
وتنظري خبب الركاب يحثهامحيي القريض إلى مميت المال
وهذا معنى لطيف حسن.
ومنه قول البحتري:
ولم أنسها عند الوداع ونثرهاسوابق دمع أعجلت أن تنظما
وقالت هل الفتح بن خاقان معقبرضا فيعود الشمل منا ملاما
وقوله:
قامت تودعني عجلى وقد بدرتسوابق من توأم الدمع تجريها
واستنكرت ظعني عنها فقلت لهاإلى الخليفة أنضى العيس منضيها
وما أكثر ما يستعمل الشعراء في خروجهم إلى المدح هذا الوجه.
ومن جيد ذلك قول جرير:
تعزت أم حزرة ثم قالترأيت الموردين ذوي لقاح
تعلل وهي ساغبة بنيهابأنفاس من الشبم القراح
سأمتاح البحور فجنبينيأذاة اللوم وانتظري امتياحي
ثقي بالله ليس له شريكومن عند الخليفة بالنجاح
وربما خرجا إلى المدح بيمين يحلفان بها
ومن ذلك قول أبي تمام:
حلفت برب البيض تدمى نحورهاورب القنا المنآد والمقتصد
لقد كف سيف الصامتي محمدتباريح ثأر الصامتي محمد
فالبيض: هي الأدم من الإبل، يقال: بعير آدم إذا كان أبيض.
وقوله: «تباريح ثأر» أراد أن سيفه كف تباريح ثأره، أي كف ما برح به من الثأر حتى أدركه.
ومن ذلك قوله:
لا والذي عالم أن النوىصبر وأن أبا الحسين كريم
ما زلت عن سنن الضمير ولا غدتنفسي على إلف سواك تحوم
ومن ذلك قول البحتري:
حلفت بما حجت قريش وحجبتوحاز المصلى والحطيم وزمزم
وأهل منى إذا جاوزوا الخيف من منىوهم عصب شتى محل ومحرم
يلهون من حيث ابتدا الصبح يرتقيسناه إلى حيث انتهى الليل يظلم
لقد جشم الفتح بن خاقان خطةمن المجد لا يسطيعها المتجشم
ومن ذلك قوله: وشمائل الحسن بن وهب إنهافي المجد ذات شمائل وجنائب
ليقصرن لجاج شوق غالبوليقصرن لجاج دمع ساكب
وهما في هذا الباب متكافئان.
وربما خرجا إلى المديح بذكر الغيث ومباراته
فمن ذلك قول أبي تمام:
أيها الغيث حي أهلاً بمغداك وعند السرى وحين يئوب
لأبي جعفر خلائق تحكيــهن قد يشبه النجيب النجيب
وهذا ليس بالشهي، ولا الحلو العذب.
والجيد النادر قول البحتري:
أقول لثجاج الغمام وقد سرىبمحتفل الشؤبوب صاب فعمما
أقل وأكثر لست تبلغ غايةتبين بها حتى تضارع هيثما
وأجود من هذا وأحلى وأبلغ قوله يمدح المتوكل:
قد قلت للغيث الركام ولج فيإبراقه وألح في إرعاده
لا تعرضن لجعفر متشبهاًبندى يديه فلست من أنداده
ومن الجيد النادر في هذا الباب أيضاً قوله:
رباع تردت في الرياض مجودةبكل جديد الماء عذب الموارد
إذا راوحتها مزنة بكرت لهاشآبيب مجتاز عليها وقاصد
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلتتليها بتلك البارقات الرواعد
وقال:
سقيت رباك بكل نوء جاعلمن وبله حقاً لها معلوما
فلو أنني أعطيت فيهن المنىلسقيتهن بكف إبراهيما
بسحابة غراء متئمة إذاكان الجهام من السحاب عقيما
فقوله: «سقيت رباك» بيت ليس بالبارع لفظاً ولا معنى، وما بعده جيد حلو.
وإنما خص الجهام لأنه الذي قد كان فيه ماء فأراقه، ومثله لا يكون عقيماً، جعله كالمرأة الوالد.
وقال أبو تمام في هذا المعنى أيضاً:
شجاً في الحشا ترداده ليس يفتربه ضمن آمالي وإني لمفطر
حلفت بمستن المنى تسترشهاسحابة كف بالرغائب تمطر
إذا درجت فيه الصبا كفكفت لهاوقام يباريها أبو الفضل جعفر
وهذه ألفاظ ومعان ونسج في غاية الرداءة والهجانة، والبعد من البلاغة والبراعة، على ما فيها من التعقيد واتفاق المعاني.
فقوله: «حلفت» يعني نفسه.
و «مستن المنى»: المحل الذي يستن فيه المنى، أي يطرد، يذهب ويجيء ويكثر، يريد محل الممدوح وساحته.
وقوله: «يسترشها» إنما أراد يسترش سحابة كف فقال: «يسترشها» فقدم الكناية، وجعل «سحابة كف» بدلاً من الهاء والألف.
يقول: حللت بمحل تستن فيه المنى، وتطلب رشاش سحابة كف.
وقوله: «إذا درجت فيه الصبا» يريد في مستن المنى، كفكفت لها أي للسحابة.
وكفكفت: أي دنت وقربت.
و «قام يباريها» أي يباري الصبا بسحابة كفه أبو الفضل جعفر.
وهذان البيتان لا يتصلان بالبيت الأول، وإنما كان وجه الكلام أن يقول: شجاً في الحشا كان ترداده ليس يفتر، وكانت آمالي به صائمة، فحللت بمستن منى من حاله وصفته، حتى يتصل الكلام بعضه ببعض.
والحذف والاختصار في كلام العرب موجود، ولكن ليس في مثل هذا.
ومن هذا الباب، وفيه بعض الغموض، قوله:
إن الذي خلق الخلائق قاتهاأقواتها لتصرف الأحراس
فالأرض معروف السماء قرى لهاوبنو الرجاء لهم بنو العباس
يريد أن الله تعالى، جعل أقوات عباده من وجوه مختلفة على قدر أزمانها.
والأحراس: الدهور، واحدها حرس.
يقول: فالأرض إنما تحيا بما تقريها السماء من الغيث، وبنو الرجاء لهم بنو العباس، أي بنو الرجاء بنو العباس لهم، أي لهم عصمة، كما يقال: الله لك، أي معين ومغيث.
ويجوز أن يكون أبو تمام ذهب في ذكر الأرض والغيث ها هنا وجعل بني العباس رجاء الناس لذلك؛ لأن الناس في أيام عمر بن الخطاب رحمة الله عليه احتبس عنهم المطر فأخذ عمر بضبع العباس وقال: اللهم إن هذا عم نبيك، اللهم اسقنا غيثك، فما برح الناس حتى وافاهم المطر، فلعل أبا تمام ذهب إلى هذا المعنى، والله أعلم.
والبيتان رديئان نسجاً ولفظاً.
ولا محالة أن البحتري أيضاً في هذا الباب يتقدم أبا تمام.
وهذا وجه آخر في خروجهما إلى المدح وهو وصف الرياح، وتشبيه أخلاق الممدوح بها
فمن ذلك قول أبي تمام:
من فاقع غض النبات كأنهدور يشقق قبل ثم يزعفر
صنع الذي لولا بدائع صنعهما عاد أصفر بعد إذ هو أخضر
خلق أطال من الربيع كأنهخلق الإمام وهديه المتيسر
فقوله: «خلق أطل كأنه خلق الإمام» معنى صحيح.
«وهديه المتيسر» فالهدي: سمته ودله وشكله، و «المتيسر» قافية رديئة جداً.
ومثله قول البحتري:
ويريك الأحباب يوم تلاقباعتناق الحوذان والأقحوان
صاغ منها الربيع شكلاً لأخلاق حسين ذي الجود والإحسان
وهذا أيضاً خروج ليست له قوة لفظ ولا حلاوة فيه ولا معنى.
وهذا
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع