تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

من باب المجد والسؤدد

قول أبي تمام في المأمون:

هدمت مساعيه وابتنتخطط المكارم في عراض الفرقد
سبقت خطى الأيام عمرياتهاومضت فصارت مسنداً للمسند
ما زال يمتحق العلا ويروضهاحتى اتقته بكيمياء السؤدد

قوله: «سبقت خطى الأيام» أي طاولت الدهر في البقاء، فجعل مطاولتها للدهر سيراً مع الدهر، فلذلك قال: «سبقت خطى الأيام» «عمرياتها»: واحدة عمرية، منسوبة إلى العمر.

وقوله: «ومضت فصارت مسنداً للمسند» فالمسند: الدهر، أي صارت دهراً للدهر.

وهذا من كلام أهل الوسواس والخطرات وأصحاب السوداء.

وقوله: «بكيمياء السؤدد» مما أنكروه عليه.

وقد أتى به بكر بن النطاح في موضعه فقال:

مدح ابن عيسى قاسم فاشدد بهكلتا يديك الكيمياء الأعظم
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
لو لم يكن في الدهر إلا درهمومدحته لأتاك ذاك الدرهم

وقال البحتري في المهتدي:

وللمهتدي بالله مجد لو ارتقتإليه النجوم رفعة ما تهدت
للشاعر البحتري، من قصيدة «رأت وخط شيب في عذاري فصدت»

وهذا أبلغ من قول أبي تمام: «وابتنت خطط المكارم في عراض الفرقد»

ولهما في السؤدد والمجد والشرف في مدح سائر الناس ما أذكره من بعد تأييد الدين وتقوية أمره.

وواجب أن يمدح الخليفة بهذا المعنى.

قال أبو تمام في مدح المعتصم:

بمعتصم قد عصمت بهعرا الدين والتفت عليه وسائله

وهذا كان يصلح أن يقال لمن له نباهة وديانة وقول بحق، ولكن خصصه بالخليفة قوله: «والتفت عليه وسائله».

وقال في الواثق:

بهارون عز الدين واشتد ركنهودانت دوانيه وقرب شاسعه

وقال البحتري في المتوكل:

خلق الله جعفراً قيم الدنــيا سدادًا وقيم الدين رشداً
للشاعر البحتري، من قصيدة «لي حَبيبٌ قَدْ لَجّ في الهَجْرِ جِدّا»

فاختص هذا القول بالخليفة؛ لأنه جعله قيماً على الدين والدنيا، ولا يجوز أن يقال هذا لغير خليفة إلا أن يكون نائباً عنه.

وقال مثل ذلك في المعتز بالله:

لقد حمل الخلافة مستقلبها وبحقه فيها المبين
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعينك لوعة القلب الرهين»
يسوس الدين والدنيا برأيرضاً لله في دنيا ودين
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعينك لوعة القلب الرهين»

وقال عبد الله بن السمط بن مروان في المأمون:

أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاًبالدين والناس في الدنيا مشاغيل
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا»

فلم يهش له، فشكى ذلك عبد الله، فقيل له: ما زدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها ومعها سبحتها.

فألا قلت كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز:

فلا هو الدنيا مضيع نصيبهولا عرض الدنيا عن الدين شاغله
للشاعر جرير، من قصيدة «إليك كلفنا كل يوم هجيرة»

وقال ابن هرمة:

فرغت لدين الله ترفع وهيهوما بك عن كسب المحامد من شغل

فحذا حذو قول جرير.

وقال البحتري أيضاً في المتوكل مما لا يقال لخليفة إلا أن يفرط مفرط فيقوله لغيره:

حلفت بمن أدعوه رباً ومن لهصلاتي ونسكي خالصاً وصيامي
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألا هل أتاها بالمغيب سلامي»
لقد حطت دين الله خير خياطةوقمت بأمر الله خير قيام
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألا هل أتاها بالمغيب سلامي»

وقال البحتري في المتوكل:

علم الله كيف أنت فأعطاك المحل الرفيع من سلطانه
جعل الدين في ضمانك والدنــيا فعش سالماً لنا في ضمانه
للشاعر البحتري، من قصيدة «لج هذا الحبيب في هجرانه»

وهذا لا يكون إلا لخليفة.

وقال في المعتز بالله:

ما زال يكلأ ديننا ويحوطهبالمشرفية والوشيج الذبل
للشاعر البحتري، من قصيدة «لَوْ كَانَ يُعْتَبُ هاجرٌ في وَاصِلِ»

وهذا يصلح أن يقال لبعض ولاة الثغور وغيرهم من الولاة يخص الخليفة.

وليس ذلك بعيب في مدح الخلفاء، ولكن إذا كان مما يخص الخليفة دون غيره كان ذلك أمدح له.

والعيب على الشاعر أن يمدح غير الخليفة بما لا يستحقه إلا الخليفة.

وقال في المهتدي بالله مما يختص بالخليفة:

هنتك أمير المؤمنين مواهبمن الله مشكور لديك جسيمها
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقى دار ليلى حيث حلت رسومها»
وتأييد دين الله إذ رد أمرهإليك فروي في الأمور عليمها
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقى دار ليلى حيث حلت رسومها»

فخصصه قوله: «وتأييد دين الله إذ رد أمره إليك».

وقال أبو تمام في تقوية الإسلام:

أمسى بك الإسلام بدراً بعدمامحقت بشاشته محاق هلال
أكملت منه كل كل نقص بعدمانقصته أيدي الكفر بعد كمال
ألبسته أيامك الغر التيأيام غيرك عندهن ليال
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «آلت أمور الشرك شر مآل»

إنما قال: «أمسى» ولم يقل أضحى من أجل قوله: «بدراً»؛ لأن البدر لا ضوء له في الضحى.

وهذا يصلح أن يقال لوزير ولوالي الثغور، وإن كان في غاية الجودة.

وقال البحتري في المتوكل:

يا كالي الإسلام في غفلاتهومقيم نهجي حجه وجهاده
للشاعر البحتري، من قصيدة «ردي على المشتاق بعض رقاده»

وقال أبو تمام في مديح محمد بن عبد الملك:

إن الخليفة قد عزت بدولتهدعائم الدين فليعزز به الأدب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قد نابت الجزع من أروية النوب»

ودعائم الدين قد توصف بأنها ثبتت، وتمكنت، وأقامت، وتوطدت، فهذا هو اللفظ المستعمل فيها، ألا ترى أنها إذا وصفت بضد هذا الوصف قيل: وهت، وسقطت، وخرت، ولا يقال: ذلت، وإنما قال: «عزت» من أجل قوله: «فليعزز به الأدب» وهذا وإن لم يكن خطأ فليس بالجيد؛ لأنه لفظ موضوع في غير موضعه.

وقال أبو تمام في إسحاق بن إبراهيم المصعبي:

ترضى السيوف به في الروع منتصراًويعضب الدين والدنيا إذا غضبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل للأمير الذي قد نال ما طلبا»

وهذا مدح لا يليق إلا بأفضل الخلفاء، وسبيل الشاعر أن يتفقد مثل هذا؛ فقد جرت به على قوم من الشعراء سلكوا دون هذا المسلك مكاره، وكان الحرمان أحسن أحوالهم التي عادوا بها.

ونحو هذا قوله في محمد بن يوسف:

حياتك للدنيا حياة ظليلةوفقدك للدنيا فناء مواشك
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قرى دارهم مني الدموع السوافك»

وهذا عموم؛ لذكره الدنيا ولا يصلح أن يكون إلا لخليفة، أو من ينفد في أكثر بلاد الله أمره.

وهذا متجاوز لقدر محمد بن يوسف، وفي الممادح التي ترضى الممدوحين متسع.

وهو في هذا الباب أشعر من البحتري.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.