تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

أمر الخلافة وما يتصرف عليه القول من معانيها

قال أبو تمام في المعتصم:

إن الخليفة حين يظلم حادثعين الهدى وله الخلافة محجر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رقت حواشي الدهر فهي تمرمر»
كثرت به حركاتها ولقد ترىمن فترة وكأنها تتفكر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رقت حواشي الدهر فهي تمرمر»
ما زلت أعلم أن عقد مرامهافي كفه مذ خليت تتخير
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «رقت حواشي الدهر فهي تمرمر»

قوله: «كثرت به حركتها»، يريد به ظهور الأمر والنهي والتدبير والسياسة.

ويريد بالفترة ما كان من إهمال هذه الأشياء، و «كأنها تتفكر» لفظ ليس بالحلو ولا الشهي ها هنا.

وقال فيه:

فلاذت بحقويه الخلافة والتقتعلى خدرها أرماحه ومناصله
أتته معداً قد أتاها كأنهاولا شك كانت قبل ذاك تراسله

فالبيت الأول جيد بالغ.

والبيت الثاني في غاية السخف والرداءة؛ لأنه جعل الخلافة قد أتته، وجعله قد أتاها، وكان ينبغي أن يقتصر إتيانه، أو إتيانها إياه وهو أجود.

فأما أن يجمع بين الحالين فما وجهه وكان ينبغي أن يعلمنا لما توجه كل واحد إلى صاحبه: أين التقيا؟ أفي منتصف الطريف؟

وقصد هذا الرجل الإغراب في الألفاظ والمعاني؛ ومن ها هنا فيسد أكثر شعره.

وقوله: «ولا شك» من سخيف الألفاظ وسفسافها، وهي حشو رديء، وليس بالبيت إليه حاجة.

والجيد النادر في هذا قول البحتري في المهدي بالله:

بارك الله للخليفة في الملــك الذي حازه له المقدار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا ليس شأني الإقصار»
رتبة من خلافة الله قد طالت بها رقبة له وانتظار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا ليس شأني الإقصار»
طلبته فقراً إليه وما كان به ساعة إليها افتقار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا ليس شأني الإقصار»

ومثله في الجودة قوله فيه:

سرت تتبغاه الخلافة رغبةإليه بأوفى قصدها واعتمادها
فما علقته خبط عاشية الدجىولكنها اختارته بعد ارتيادها
للشاعر البحتري، من قصيدة «إذا عرضت أحداج سلمى فنادها»

فهذه هي المعاني الصحيحة، واللفظ المستقيم، والسبك الرصين.

وما أحسن ما قال «سلم الخاسر» في المهدي:

هبطت إليك من السماء خلافةدفعت إليك زمامها وقيادها

ومثل قول البحتري قول الحطيئة:

أنت الإمام الذي من بعد صاحبهألقى إليك مقاليد النهي البشر
ما آثروك بها إذ قدموك لهالكن بك استأثروا إن كانت الأثر

وقال ابن هرمة في المنصور:

وما الناس أعطوك الخلافة عنوةولكنه من يعله الله يستعلي
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وما الناس أعطوك الخلافة عنوة»

ومن ذلك في الجودة قول البحتري:

اليوم أطلع للخلافة سعدهاوأضاء فيها بدرها المتهلل
للشاعر البحتري، من قصيدة «لولا تعنفني لقلت المنزل»
لبست جلالة جعفر فكأنهاسحر تجلله النهار المقبل
جاءته طائعة ولم يهزز لهارمح ولم يشهر عليها منصل
للشاعر البحتري، من قصيدة «لولا تعنفني لقلت المنزل»
أنى وإن كانت تعلت نحوهمن قبل أن يقع الفضاء فتعقل
حتى أتته يقودها استحقاقهويسوقها حظ إليه مقبل
للشاعر البحتري، من قصيدة «لَوْلاَ تُعَنّفُني لَقُلْتُ: المُنْزِلُ»

ويروى: «ويسوقها حظ إليه مكمل».

و «تصنع» كانت ها هنا أحسن من «تعقل» فجاء بتعقل من أجل القافية.

وقال أبو تمام في الواثق:

إن الخلافة أصبحت حجراتهاضربت على ضخم الهموم همام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما للدموع تروم كل مرام»

ضخم الهموم: يريد ضخم الهمة لا الهم الذي يراد به الحزن، وهذا لفظ هجين في هذا الموضع.

لا قدح في عود الخلافة بعدمامتت إليك بحرمة وذمام
هيهات تلك قلادة الله التيما كان يتركها بغير نظام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما للدموع تروم كل مرام»
إرث النبي وجمرة الملك التيلم تخل لهب بكم وضرام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما للدموع تروم كل مرام»
مذخورة أحرزتها بحكومةلله تشدخ أرؤس الحكام

وقال أبو تمام في الواثق أيضاً:

جعل الخلافة فيه رب قولهسبحانه للشيء كن فيكون
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وأبي المنازل إنها لشجون»
ولقد رايناها له بقلوبناوظهور دونه وبطون
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وأبي المنازل إنها لشجون»
ولذلك قيل من الظنون جليةصدق وفي بعض القلوب عيون
ولقد علمنا مذ ترعرع أنهلأمين رب العالمين أمين
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وأبي المنازل إنها لشجون»

قوله: «جعل الخلافة فيه رب» بيت في غاية الركاكة والرداءة؛ لأن مثل هذا إنما يقال في الأمر العجب الذي لم يكن يقدر ولا يتوقع.

ولا يظن أن مثله يكون، فيقال إذا وقع ذلك: قدرة قادر، وفعل من لا يعجزه أمر، ومن يقول للشيء: كن فيكون، فأما الأمور التي لا يتعجب منها، ولا تستغرب، والعادات جارية بها وبما يشبهها فلا يقال فيها

مثل هذا، وإنما يسبح الله تعالى، وتذكر قدرته على تكوين الأشياء لو جاءوا بأبي العبر أو بجحا فجعلوه خليفة.

فأما الواثق فما وجه تسبيح أبي تمام في أن أفضت إليه الخلافة وأبوه خليفة وهو المعتصم، وجده خليفة وهو الرشيد، وجد أبيه خليفة وهو المنصور، وأخو جده خليفة وهو الهادي، وأخو جد جده خليفة وهو السفاح، وعماه خليفتان: الأمين والمأمون؟ ثمانية خلفاء هو تاسعهم وقد عدد أبو تمام منهم خمسة في البيت فقال:

يسمو بك السفاح والمنصور الــمهدي والمعصوم والمأمون
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وأبي المنازل إنها لشجون»

وذكر الرشيد قبل هذا بأبيات، وشبه الواثق به قال:

[وجدوا جناب الملك أخضر] واجتلواهارون فيه كأنه هارون
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وأبي المنازل إنها لشجون»

فما وجه التعجب من خلافة من كانت هذه صورته؟

وقوله: «ولقد رأيناها له بقلوبنا» وقوله: «ولذاك قيل من الظنون جلية صدق» فهذه كهانة عجيبة من أبي تمام في الواثق لم يفطن لها غيره.

وعلى أن هذين البيتين رجيدان في نظمهما ولفظهما، ولكنه وضع المعاني في غير مواضعها.

وقوله: «لأمين رب العالمين أمين» يعني محمداً ﷺ.

وقد أصاب أبو الجنوب مروان بن أبي حفصة في هذا المعنى إذ يقول للأمين:

إن الخلافة قد تبين نورهاللناظرين على جبين محمد
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «لله درك يا عقيلة جعفر»
إني لأعلم أنه لخليفةإن بيعة عقدت وإن لم تعقد
للشاعر أبو الجنوب ابن ابي حفصة، اقرأ القصيدة

وما أحسن ما قال الحسين بن الضحاك الباهلي في المأمون أيضاً:

رأى الله عبد الله خير لداتهفملكه والله أعلم بالعبد

وقال البحتري في المتوكل وزاد على الإحسان:

الله آثر بالخلافة جعفراًورآه ناصرها الذي لا يخذل
للشاعر البحتري، اقرأ القصيدة
هي أفضل الرتب التي جعلت لهدون البرية وهو منها أفضل
للشاعر البحتري، من قصيدة «قُلْ للسّحابِ، إذا حَدَتْهُ الشّمألُ»

وقال فيه:

إن الخلافة لما اهتز منبرهابجعفر أعطيت أقصى أمانيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها»
أبدى التواضع لما نالها رعةعنها ونالته فاختالت به تيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها»

وهذا هو المعنى الحلو، والمدح الذي يليق بالخلفاء.

وقال في المهدي:

زاد في بهجة الخلافة نوراًفهو شمس للناس وهي نهار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا ليس شأني الإقصار»
وأجار الدنيا من الحيف والخوف فهل يشكر المجير المجار

وقال في المتوكل:

عادت بحقويك الخلافة إنهاقسم لأفضل هاشم فالأفضل
وتمنعت في ظل عزك واغتدتفي خير منزلة وأحصن معقل

أخذ قوله: «عادت بحقويلك الخلافة» من قول أبي تمام:

عادت بحقويك الخلافة والتقتعلى خدرها أرماحه ومناصله

وقال في المعتز:

حامل من خلافة الله ما يعــجز عنه ذو الأيد والإضطلاع
للشاعر البحتري، من قصيدة «لك عهد لدي غير مضاع»
مستقل بالثقل منها رحيب الــصدر نهضاً بها رحيب الباع
للشاعر البحتري، من قصيدة «لك عهد لدي غير مضاع»

وقال في المتوكل:

وقد سر في أن الخلافة فيكممخيمة ما إن يخاف انتقالها
لكم إرثها والحق منها ولم يكنلغيركم إلا اسمها وانتحالها
للشاعر البحتري، من قصيدة «قف العيس قد أدنى خطاها كلالها»

وقال فيه:

وأرى الخلافة وهي أعظم رتبةحقاً لكم ووراثة ما تنزع
للشاعر البحتري، من قصيدة «شوق اليك تفيض منه الادمع»
أعطاكموها الله عن علم بكموالله يعطي من يشاء ويمنع
للشاعر البحتري، من قصيدة «شوق إليك تفيض منه الأدمع»

وقال في المعتز:

أغر من الأملاك إما رأيتهرأيت أبا إسحق والقرم جعفرا
للشاعر البحتري، من قصيدة «سرى من خيال المالكية ما سرى»
تقدم في حق الخلافة سهمهإذا رد عنها غيره فتأخرا
للشاعر البحتري، من قصيدة «سرى من خيال المالكية ما سرى»
ويصبح معروفاً له الفضل دونهموما يتدعاه الأباعد منكرا
للشاعر البحتري، من قصيدة «سرى من خيال المالكية ما سرى»

وقال في المتوكل:

فضل الخلائف بالخلافة واقففي الرتبة العليا وفضلك أفضل
للشاعر البحتري، من قصيدة «لولا تعنفني لقلت المنزل»

أوفيت عاشرهم فإن نسبوا إلى كرم وإحسان فأنت الأول

وهذا غاية في مدح الخلفاء.

وقال في المتوكل أيضاً بفضله على الخلفاء وأحسن كل الإحسان:

وما الخلفاء لو جاروك يوماًبمعتلقيك رأياً واعتزاما
للشاعر البحتري، من قصيدة «عذيري فيك من لاح إذا ما»
ألست أعمهم جوداً وأزكاهم عوداً وأمضاهم حساما؟
للشاعر البحتري، من قصيدة «عذيري فيك من لاح إذا ما»
ولو جمع الأئمة في مقامتكون به لكنت لهم إماما
للشاعر البحتري، من قصيدة «عذيري فيك من لاح إذا ما»

ولست أعرف لأبي تمام في الخلافة غير ما قدمته.

ومن مدح الخلفاء

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.