تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

ما قالاه في الجمال والجلال والهيبة والبهاء والجهارة

قال أبو تمام:

إنا غدونا واثقين بواثقبالله شمس ضحى وبدر تمام

ثم قال بعد في القصيدة:

ما أحسب البدر المنير إذا بدابدراً بأضوأ منك في الأوهام

قوله: «في الأوهام» قد عيب به، وقيل لم يجعله مضيئاً في العين، وجعله مضيئاً في الأوهام، والذي ذهب إليه أبو تمام معنى صحيح؛ لأن وجه الإنسان لا يكون أضوأ من البدر، فجعله أضوأ منه في الصدور وفي النفوس، يريد الجلال والهيبة.

وأجود من هذا قول محمد بن وهيب:

تعظمه الأوهام قبل عيانهويصدر عنه الطرف والطرف حاسر
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة

وأحسن من قول ابن وهيب قول الأحوص:

تراهم خضع الأبصار هيبتهكما استكان لضوء الشارق الرمد

وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:

كالبدر حسناً وقد يعاودهعبوس ليث العرين في عبده
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لكثيب الحمى إلى عقده»
كالسيف يعطيك ملء عينيك منفرنده تارة ومن ربده
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما لكثيب الحمى إلى عقده»

وهذا غاية في حسنه وصحته وبراعته.

وقال جعفر الخياط:

فتى في يديه البأس يضحك والندىوفي سرحه بدر وليث غضنفر

وهذا مأخوذ من قول مسلم بن الوليد:

تمضي المنايا كما تمضي أسنتهكأن في سرحه بدراً وضرغاما
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «طيف الخيال حمدنا منك إلماما»

وقد أحسن محمد بن وهيب كل الإحسان في قوله:

وكأن ضوء جبينه قمروكأن سائر خلقه أسد

وقال أبو تمام في خالد بن يزيد بن مزيد:

وقد كان مما يضيء السريــر والبهو يملؤه بالبهاء
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نعاء إلى كل حي نعاء»
مضى خالد بن يزيد بن مزيد قمر الليل شمس الضحاء
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نعاء إلى كل حي نعاء»

وهذا يمر في المراثي.

وقال البحتري في المهتدي بالله:

زاد في بهجة الخلافة نوراًفهو شمس النهار وهي نهار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا ليس شأني الإقصار»
طلعة تملأ القلوب ووجهخشعت دون ضوئه الأبصار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقْصِرَا! ليس شأنيَ الإقْصَارُ»
ذكروا الهدى من أبيك وقالواهو ذاك السيما وذاك النجار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا ليس شأني الإقصار»
وعليهم سكينة لك إلامد أيد يوماً بها ويشار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا ليس شأني الإقصار»
بهتوا حيرة وصمتاً فلو قيــل أحيروا مقالة ما أحاروا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا ليس شأني الإقصار»
وقليل إن أكبروك لك الهيــبة ممن رآك والإكبار
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا ليس شأني الإقصار»

وقال في المتوكل لما خرج لصلاة العيد:

وافتن فيك الناظرون فإصبعيوماً إليك بها وعين تنظر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
يجدون رؤيتك التي فازوا بهامن أنعم الله التي لا تكفر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
ذكروا بطلعتك النبي فهللوالما طلعت من الصفوف وكبروا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
حتى انتهيت إلى المصلى لابساًنور الهدى يبدو عليك ويظهر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
ومشيت مشية خاشع متواضعلله لا يزهو ولا يتكبر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
ولو أن مشتاقاً تكلف فوق مافي وسعه لمضى إليك المنبر
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «جادت ضريحك يا خطيب غمامة»

وقال فيه لما دخل عليه وفد الروم:

وأيت وفد الروم بعد عنادهمعرفوا فضائلك التي لا تجهل
لحظوك أول لحظة فاستصغروامن كان يعظم فيهم ويبجل
للشاعر البحتري، اقرأ القصيدة
ورأوك وضاح الجبين كما يرىقمر السماء السعد ساعة يكمل
نظروا إليك فقدسوا لو أهمنظقوا الفصيح لكبروا ولهللوا
حضروا السماط فكلما راموا القرىمالت بأيديهم عقول ذهل
للشاعر البحتري، اقرأ القصيدة
تهوي أكفهم إلى أفواههمفتجور عن قصد السبيل وتعدل
للشاعر البحتري، اقرأ القصيدة
متحيرين فباهت متعجبمما يرى أو ناظر متأمل
ويود قومهم الأولي بعثوهملو ضمهم بالأمس ذاك المحفل
قد نافس الغيب الحضور على الذيشهدوا وقد حسد الرسول المرسل
للشاعر البحتري، اقرأ القصيدة

قوله: «باهت»، من بهت يبهت وقد قيلت وهي رديئة والجيد بهت يبهت.

وقال في المعتز:

يبهت الوفد في أسرة وجهساطع الضوء مستنير الشعاع
للشاعر البحتري، من قصيدة «لك عهد لدي غير مضاع»

وقال فيه:

إذا نظر الوفود إليه فقالواأبدر الليل أم شمس النهار

وأجود من هذا قول ابن هرمة:

لا يرفعون إليه الطرف خشيتهلا خوف بأس ولكن خوف أجلال
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «لا يرفعون إليه الطرف خشيته»

وأجود من هذا قول طريح الثقفي:

يعروهم أفكل لديك كماقفقف تحت الدجنة الصرد
لا خوف ظلم ولا قلى خلقلكن خلال كساكه الصمد

وأصل الباب كله قول الحزين الكناني:

يغضي حياء ويغضي من مهابتهفما يكلم إلا حين يبتسم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»

وقال في المتوكل:

اليوم أطلع للخلافة سعدهاوأضاء فيها بدرها المتهلل
للشاعر البحتري، من قصيدة «لولا تعنفني لقلت المنزل»
لبست جلالة جعفر فكأنهاسحر تجلله النهار المقبل

وقال في المعتز ويذكر الزو:

ولم أر كالمعتز إذ راح موفياًعليه بوجه لاح في الرونق النضر
للشاعر البحتري، من قصيدة «حبيب سرى في خفية وعلى ذعر»
ملياً بأن يجلو الظلام بغرةتخضع إكباراً لها غرة الفجر
للشاعر البحتري، من قصيدة «حبيب سرى في خفية وعلى ذعر»
إذا اهتز غب الأريحية والندىوأسفر في ضوء الطلاقة والبشر
للشاعر البحتري، من قصيدة «حبيب سرى في خفية وعلى ذعر»
وقابله بدر السماء بحسنهفبدر على بدر وبحر على بحر
رأيت بهاء الملك مجتمعاً لهوديباجة الدنيا ومكرمة الدهر
للشاعر البحتري، من قصيدة «حبيب سرى في خفية وعلى ذعر»

وقال فيه:

ملك يملأ العيون بهاءحين يبدو في تاجه المعقود
للشاعر البحتري، من قصيدة «مَنْ عَذِيرِي مِنَ الظّبَاءِ الغِيدِ»

والخلفاء وملوك الإسلام لا يلبسون التيجان، وأظنها كانت يتخذها الأحداث منهم فيلبسونها في خلواتهم، ومع نسائهم، ومن لا يحتشمونه من ندمائهم، فأما القلانس المعممة التي ترصع بالجوهر فلا شك فيها، ومن ذكر تيجان الخلفاء من الشعراء فلعله رأى على رؤسهم هذا الجنس، فقد قال البحتري أيضاً في المهتدي ينفي عنه لبس التاج:

لسجادة السجاد أحسن منظراًمن التاج في أحجاره وأتقادها
للشاعر البحتري، من قصيدة «إذا عرضت أحداج سلمى فنادها»

وقال في المعتز:

كأنما التاج إذا ما علاغرته بالدور الزهر
للشاعر البحتري، من قصيدة «بَرّحَ بي الطّيفُ الذي يسْرِي»
كواكب الفكة في أفقهادنت فحفت غرة البدر
للشاعر البحتري، من قصيدة «برح بي الطيف الذي يسري»

وقد تقدم من إنكار عبد الملك بن مروان على ابن الرقيات قوله:

يعتدل التاج فوق مفرقه

فأما الجلال والبهاء والهيبة وسائر ما مضى من ذلك في هذا الباب فإنه واجب في مدح الخلفاء والملوك والعظماء؛ لأنه من الأوصاف التي تخصهم، ويحسن موقع ذكرها عندهم.

وكذلك جمال الوجه وحسنه مما يجب المدح به؛ فإن الوجه الجميل يزيد في الهيبة، ويتيمن به العرب؛ لأنه يدل على الخصال المحمودة، كما أن قبح الوجه والدمامة يسقط الهيبة، ويدل على الخصال المذمومة، وذلك ما تكرهه العرب، وتتشاءم به؛ لأن أول ما تلقاه من الإنسان وتعاينه وجهه.

ألا ترى إلى قول البحتري:

أغر كبارق الغيث المرجىيحبب في الأباعد والأداني
للشاعر البحتري، من قصيدة «رويدك إن شأنك غير شاني»
تخاضعت الوجوه لحسن وجهيدل على خلائقه الحسان
للشاعر البحتري، من قصيدة «رويدك إن شأنك غير شاني»

وقال في مثل ذلك:

حسن الوجه والرواء وكم دل على سؤدد الشريف رواؤه
ماء وجه إذا تبلج أعطاك أماناً من نبوة الدهر ماؤه
للشاعر البحتري، من قصيدة «أيها الطالب الطويل عناؤه»
يتعالى ضياؤه فيجلىطخية الحادث المضب ضياؤه

وقد غلط بعض المتأخرين في هذا الباب ممن ألف في نقد الشعر كتاباً غلطاً فاحشاً، فذكر أن المدح بالحسن والجمال، والذم بالقبح والدمامة ليس بمدح على الحقيقة، ولاذم على الصحة، وخطأ كل من يمدح

بهذا أو يذم بذاك، فعدل بهذا المعنى عن مذاهب الأمم كلها عربيها وعجميها، وأسقط أكثر مدح العرب وهجائها، وقد بينت قبح غلطه في تبييناً شافياً مستقصى في كتاب منفرد.

وقال البحتري يمدح المعتز ويذكر ابنه عبد الله:

عليه من المعتز بالله بهجةأضاءت فلو يسري بها الركب لاهتدى
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجرني من الواشي الذي جار واعتدى»
يروق العيون الناظرات بطلعةمن الحسن لو وافى بها البدر ما عدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجرني من الواشي الذي جار واعتدى»
تأمل أمين الله فرط جلالةرائعة تبدو عليه إذا بدا

وقد تصرف البحتري في المدح بالجمال والهيبة والجلال تصرفاً كثيراً في غير مدح الخلفاء، فقال في الفضل بن إسماعيل الهاشمي:

لا تطلبن له الشبيه فإنهقمر التأمل مزنة التأميل
للشاعر البحتري، من قصيدة «صب يخاطب مفحمات طلول»

وقال في الفتح بن خاقان:

تكشف الليل من لألاء غرتهعن بدر داجيه أو شمس إصباح
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألمع برق سرى أم ضوء مصباح»

وقال يمدحه:

ويبتدر الراءون منه إذا بداسنا قمر من سدة الملك مطلع
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقيت الغوادي من طلول وأربع»
يقومون من بعد إذا بصروا بهلأبلج من نور الجلالة أروع
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقيت الغوادي من طلول وأربع»
ويدعون بالأسماء مثنى وموحداًإذا حضروا باب الرواق المرفع
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقيت الغوادي من طلول وأربع»
إذا سار كف اللحظ عن كل مبصرسواه وغض الصوت عن كل مسمع
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقيت الغوادي من طلول وأربع»
فلست ترى إلا إفاضة شاخصإليه بعين أو مشير بإصبع
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقيت الغوادي من طلول وأربع»

الإفاضة: الدفع، يريد أنه يدفع ببصره إليه، وينحو به نحوه.

والإفاضة في الكلام أن يدفعوا أيضاً القول، ويبعثوا الكلام، وهذه هيبة وجلال ما وراءها غاية، وكان المتوكل أولى بهذا الوصف من الفتح وإن كان الفتح أوفر وأهيب.

وقال البحتري في دخوله إلى الفتح:

ولما حضرنا سدة الإذن أخرترجال عن الباب الذي أنا داخله
للشاعر البحتري، من قصيدة «هب الدار ردت رجع ما أنت قائله»
فأفضيت ممن ثقرب إلى ذي مهابةأقابل بدر الأفق حين أقابله
فسلمت واعتاقت جناني هيبةتنازعني القول الذي أنا قائله
للشاعر البحتري، من قصيدة «هب الدار ردت رجع ما أنت قائله»
فلما تأملت الطلاقة وانثنىإلي ببشر آنستني مخايله
للشاعر البحتري، من قصيدة «هب الدار ردت رجع ما أنت قائله»
دنوت فقبلت الندى في يد امريءجميل محياه سباط أنامله
للشاعر البحتري، من قصيدة «هَبِ الدّارَ رَدّتْ رَجْعَ ما أنتَ قائِلُهْ»
صفت مثلما تصفوا المدام خلالهورقت كما رق النسيم شمائله

هكذا لعمري تمدح الملوك.

وقال فيه:

مهيب تعظم العلماء منهجلالة أروع واري الزناد
يؤدون التحية من بعيدإلى قمر من الإيوان باد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أما وهواك حلفة ذي اجتهاد»
قيام في المراب أو قعودسكون من أناة واتئاد
فليس اللحظ بالمكرور شزراًولا الحديث بمستعاد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أما وهواك حلفة ذي اجتهاد»

وقال فيه أيضاً لما دخلت إليه بنو تغلب بعدما أصلح بينهم حتى سكنت حربهم، يقول ذلك في قصيدته المنصفة:

تراءوك من أقصى السماط فقصرواخطاهم وقد جازوا الستور وهم عجل
للشاعر البحتري، من قصيدة «ضمان على عينيك أني لا أسلو»
إذا قلبوا أبصارهم من مهابةومالوا بلحظ خلت أنهم قبل

وهذا من فاخر المدح ومصيب الوصف.

وفي اقتصاص مثل هذه الأحوال التي تشاهد يظهر حذق الشاعر وبراعته.

والله الموفق.

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي

صفحة فارغة

﷽

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.