نعاء إلى كل حي نعاء

الشاعر: أبو تمام · البحر: المتقارب · الغرض: قصيدة حزينة

«نعاء إلى كل حي نعاء» من شعر أبو تمام، من العصر العباسي، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف الهمزة، وغرضها قصيدة حزينة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

نَعاءِ إِلى كُلِّ حَيٍّ نَعاءِ ... فَتى العَرَبِ اِحتَلَّ رَبعَ الفَناءِ

أُصِبنا جَميعاً بِسَهمِ النِضالِ ... فَهَلّا أُصِبنا بِسَهمِ الغِلاءِ

أَلا أَيُّها المَوتُ فَجَّعتَنا ... بِماءِ الحَياةِ وَماءِ الحَياءِ

فَماذا حَضَرتَ بِهِ حاضِراً ... وَماذا خَبَأتَ لِأَهلِ الخِباءِ

نَعاءِ نَعاءِ شَقيقَ النَدى ... إِلَيهِ نَعِيّاً قَليلَ الجَداءِ

وَكانا جَميعاً شَريكَي عِنانٍ ... رَضيعَي لِبانٍ خَليلَي صَفاءِ

عَلى خالِدِ بنِ يَزيدَ بنِ مَز ... يَدِ أَمرِ دُموعاً نَجيعاً بِماءِ

وَلا تَرَيَنَّ البُكا سُبَّةً ... وَأَلصِق جَوىً بِلَهيبٍ رَواءِ

فَقَد كَثَّرَ الرُزءُ قَدرَ الدُمو ... عِ وَقَد عَظَّمَ الخَطبُ شَأنَ البُكاءِ

فَباطِنُهُ مَلجَأٌ لِلأَسى ... وَظاهِرُهُ ميسَمٌ لِلوَفاءِ

مَضى المَلِكُ الوائِلِيُّ الَّذي ... حَلَبنا بِهِ العَيشَ وُسعَ الإِناءِ

فَأَودى النَدى ناضِرَ العودِ وَال ... فُتُوَّةُ مَغموسَةً في الفَتاءِ

فَأَضحَت عَلَيهِ العُلى خُشَّعاً ... وَبَيتُ السَماحَةِ مُلقى الكِفاءِ

وَقَد كانَ مِمّا يُضيءُ السَريرَ ... وَالبَهوَ يَملَأُهُ بِالبَهاءِ

سَلِ المُلكَ عَن خالِدٍ وَالمُلوكَ ... بِقَمعِ العِدى وَبِنَفيِ العَداءِ

أَلَم يَكُ أَقتَلَهُم لِلأُسودِ ... صَبراً وَأَوهَبَهُم لِلظِباءِ

أَلَم يَجلِبِ الخَيلَ مِن بابِلٍ ... شَوازِبَ مِثلَ قِداحِ السَراءِ

فَمَدَّ عَلى الثَغرِ إِعصارَها ... بِرَأيٍ حُسامٍ وَنَفسٍ فَضاءِ

فَلَمّا تَراءَت عَفاريتُهُ ... سَنا كَوكَبٍ جاهِلِيِّ السَناءِ

وَقَد سَدَّ مَندوحَةَ القاصِعاءِ ... مِنهُم وَأَمسَكَ بِالنافِقاءِ

طَوى أَمرَهُم عَنوَةً في يَدَيهِ ... طَيَّ السِجِلِّ وَطَيَّ الرِداءِ

أَقَرّوا لَعَمري بِحُكمِ السُيوفِ ... وَكانَت أَحَقَّ بِفَصلِ القَضاءِ

وَما بِالوِلايَةِ إِقرارُهُم ... وَلَكِن أَقَرّوا لَهُ بِالوَلاءِ

أُصِبنا بِكَنزِ الغِنى وَالإِمامُ ... أَمسى مَصاباً بِكَنزِ الغَناءِ

وَما إِن أُصيبَ بِراعي الرَعِيَّةِ ... لا بَل أُصيبَ بِراعي الرِعاءِ

يَقولُ النِطاسِيُّ إِذ غُيِّبَت ... عَنِ الداءِ حيلَتُهُ وَالدَواءِ

نُبُوُّ المَقيلِ بِهِ وَالمَبيتِ ... أَقعَصَهُ وَاِختِلافُ الهَواءِ

وَقَد كانَ لَو رُدَّ غَربُ الحِمامِ ... شَديدَ تَوَقٍّ طَويلَ اِحتِماءِ

مُعَرَّسُهُ في ظِلالِ السُيوفِ ... وَمَشرَبُهُ مِن نَجيعِ الدِماءِ

ذُرى المِنبَرِ الصَعبِ مِن فُرشِهِ ... وَنارُ الوَغا نارُهُ لِلصِلاءِ

وَما مِن لَبوسٍ سِوى السابِغاتِ ... تَرَقرَقُ مِثلَ مُتونِ الإِضاءِ

فَهَل كانَ مُذ كانَ حَتّى مَضى ... حَميداً لَهُ غَيرُ هَذا الغِذاءِ

أَذُهلَ بنَ شَيبانَ ذُهلَ الفَخارِ ... وَذُهلَ النَوالِ وَذُهلَ العَلاءِ

مَضى خالِدُ بنُ يَزيدَ بنَ مَز ... يَدَ قَمَرُ اللَيلِ شَمسُ الضَحاءِ

وَخَلّى مَساعِيَهُ بَينَكُم ... فَإِيّايَ فيها وَسَعيَ البِطاءِ

رِدوا المَوتَ مُرّاً وُرودَ الرِجالِ ... وَبَكّوا عَلَيهِ بُكاءَ النِساءِ

غَليلي عَلى خالِدٍ خالِدٌ ... وَضَيفُ هُمومي طَويلُ الثَواءِ

فَلَم يُخزِني الصَبرُ عَنهُ وَلا ... تَقَنَّعتُ عاراً بِلُؤمِ العَزاءِ

تَذَكَّرتُ خُضرَةَ ذاكَ الزَمانِ ... لَدَيهِ وَعُمرانُ ذاكَ الفِناءِ

وَزُوّارُهُ لِلعَطايا حُضورٌ ... كَأَنَّ حُضورَهُمُ لِلعَطاءِ

وَإِذ عِلمُ مَجلِسِهِ مَورِدٌ ... زُلالٌ لِتِلكَ العُقولِ الظِماءِ

تَحولُ السَكينَةُ دونَ الأَذى ... بِهِ وَالمُرُوَّةُ دونَ المِراءِ

وَإِذ هُوَ مُطلِقُ كَبلِ المَصيفِ ... وَإِذ هُوَ مِفتاحُ قَيدِ الشِتاءِ

لَقَد كانَ حَظّي غَيرَ الخَسيسِ ... مِن راحَتَيهِ وَغَيرَ اللَفاءِ

وَكُنتُ أَراهُ بِعَينِ الرَئيسِ ... وَكانَ يَراني بِعَينِ الإِخاءِ

أَلَهفي عَلى خالِدٍ لَهفَةً ... تَكونُ أَمامي وَأُخرى وَرائي

أَلَهفي إِذا ما رَدى لِلرَدى ... أَلَهفي إِذا ما اِحتَبى لِلحِباءِ

أَلَحدٌ حَوى حَيَّةَ المُلحِدينَ ... وَلَدنُ ثَرىً حالَ دونَ الثَراءِ

جَزَت مَلِكاً فيهِ رَيّا الجَنوبِ ... وَرائِحَةُ المُزنِ خَيرَ الجَزاءِ

فَكَم غَيَّبَ التَربُ مِن سُؤدَدٍ ... وَغالَ البِلى مِن جَميلِ البَلاءِ

أَبا جَعفَرٍ لِيُعِركَ الزَمانُ ... عِزّاً وَيُكسِبكَ طولَ البَقاءِ

فَما مُزنُكَ المُرتَجى بِالجَهامِ ... وَلا ريحُنا مِنكَ بِالجِربِياءِ

وَلا رَجَعَت فيكَ تِلكَ الظُنونُ ... حَيارى وَلا اِنسَدَّ شِعبُ الرَجاءِ

وَقَد نُكِسَ الثَغرُ فَاِبعَث لَهُ ... صُدورَ القَنا في اِبتِغاءِ الشِفاءِ

فَقَد فاتَ جَدُّكَ جَدَّ المُلوكِ ... وَعُمرُ أَبيكَ حَديثُ الضِياءِ

وَلَم يَرضَ قَبضَتَهُ لِلحُسامِ ... وَلا حَملَ عاتِقِهِ لِلرِداءِ

فَمازالَ يَفرَعُ تِلكَ العُلى ... مَعَ النَجمِ مُرتَدِياً بِالعَماءِ

وَيَصعَدُ حَتّى لَظَنَّ الجَهولُ ... أَنَّ لَهُ مَنزِلاً في السَماءِ

وَقَد جاءَنا أَنَّ تِلكَ الحُروبَ ... إِذا حُدِيَت فَاِلتَوَت بِالحُداءِ

وَعاوَدَها جَرَبٌ لَم يَزَل ... يُعاوِدُ أَسعافَها بِالهَناءِ

وَيَمتَحُ سَجلاً لَها كَالسِجالِ ... وَدَلواً إِذا أُفرِغَت كَالدِلاءِ

وَمِثلُ قُوى حَبلِ تِلكَ الذِراعِ ... كانَ لِزازاً لِذاكَ الرِشاءِ

فَلا تُخزِ أَيّامَهُ الصالِحاتِ ... وَما قَد بَنى مِن جَليلِ البِناءِ

فَقَد عَلِمَ اللَهُ أَن لَن تُحِبَّ ... شَيئاً كَحُبِّكَ كَنزَ الثَناءِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.

تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.

القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • احتل: حتل: الحَتْل: الرديءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وحَتِلَتْ عينُه حَتَلًا: خَرَجَ فِيهَا حَبٌّ أَحمر؛ عَنْ كُرَاعٍ. ابْنُ الأَعرابي قَالَ: الحَاتِل المِثْل مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ قَالَ الأَزهري: الأَصل فِيهِ الحاتنُ، فَقُلِبَتِ النُّ … (لسان العرب)
  • الجداء: جدا: الجَدَا، مَقْصُورٌ: المَطَرُ الْعَامُّ. وغيثٌ جَداً: لَا يُعرف أَقصاه، وَكَذَلِكَ سماءٌ جَداً؛ تَقُولُ الْعَرَبُ: هَذِهِ سماءٌ جَدًا مَا لَهَا خَلَفٌ، ذكَّروه لأَن الجَدَا فِي قُوَّةِ الْمَصْدَرِ. ومَطَرٌ جَدًا أَي … (لسان العرب)
  • الخباء: خبأ: خَبَأَ الشيءَ يَخْبَؤُه خَبْأً: سَتَرَه، وَمِنْهُ الخابِيةُ وَهِيَ الحُبُّ، أَصلها الْهَمْزَةُ، مِنْ خَبَأْتُ، إلَّا أَن الْعَرَبَ تَرَكَتْ هَمْزَةٌ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: تَرَكَتِ الْعَرَبُ الْهَمْزَ فِي أَخْبَيْتُ … (لسان العرب)
  • الغلاء: غلا: الغَلاءُ: نَقيضُ الرُّخْصِ. غَلا السِّعْرُ وغيرُه يَغْلُو غَلاءً، مَمْدُودٌ، فَهُوَ غالٍ وغَلِيٌّ؛ الأَخيرة عَنْ كراعٍ. وأَغْلاهُ اللَّهُ: جَعَلَه غالِياً. وغَالَى بالشيءِ: اشْتَراهُ بثَمنٍ غالٍ. وغَالَى بالشيءِ وغَ … (لسان العرب)
  • النضال: نضل: نَاضَلَه مُناضَلَةً ونِضَالًا ونِيضالًا: باراهُ فِي الرَّمْي؛ قَالَ الشَّاعِرُ: لَا عَهْدَ لِي بنِيضالْ، ... أَصبحتُ كالشَّنِّ البالْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: فِيعالٌ فِي الْمَصْدَرِ عَلَى لُغَةِ الَّذِينَ قَالُوا تحمَّل … (لسان العرب)
  • بلهيب: لهب: اللَّهَبُ واللَّهيبُ واللُّهابُ واللَّهَبَانُ: اشْتِعَالُ النَّارِ إِذا خَلَصَ مِنَ الدُّخَانِ. وَقِيلَ: لَهِيبُ النَّارِ حَرُّها. وَقَدْ أَلْهَبها فالْتَهَبَتْ، ولَهَّبَها فَتَلَهَّبَتْ: أَوْقَدَها؛ قَالَ: تَسْمَعُ … (لسان العرب)
  • ترين: رين: الرَّيْنُ: الطَّبَعُ والدَّنَسُ. والرَّيْن: الصَّدأُ الَّذِي يَعْلُو السيفَ والمِرآة. ورَانَ الثوبُ رَيْناً: تَطَبَّعَ. والرَّيْنُ: كالصَّدَإ يَغْشى الْقَلْبَ. ورَانَ الذَّنْبُ عَلَى قَلْبِهِ يَرِينُ رَيْناً ورُيُون … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • البين جرعني نقيع الحنظل
  • السيف أصدق أنباء من الكتب
  • ألم يأن تركي لا علي ولا ليا
  • كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
  • أبو علي وسمي منتجعه
  • سرت تستجير الدمع خوف نوى غد
  • خشنت عليه أخت بني خشين
  • يا ربع لو ربعوا على ابن هموم