من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه في المراثي
قد جرت العادة في كل باب أن تعتبر فيه الابتداءات، فيجب أن أقدم ابتداءات هذا الباب.
قال أبو تمام:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمروليس لعين لم يفض ماؤها عذر
قد عابه قوم من متقدمي الشيوخ بهذا، وقالوا: قوله «كذا» إشارة إلى مجهول غير معروف، وقالوا: كان ينبغي أن يقول كما قال البحتري:
انظر إلى العلياء كيف تضامومآتم الأحساب كيف تقام
فأوضح المعنى بقوله: «ومآتم الأحساب كيف تقام»، وليس هذا العجز بمبين عن معنى صدره كما ذكروا، وإنما هو قسم منسوق على قسم آخر، له معنى غير معناه، فقوله: «انظر إلى العلياء كيف تضام» مثل قول أبي تمام:
«كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر».
وإنما نظر كل واحد منهما إلى الجيوب تشقق والستور تهتك، والأعلام تمزق، والرماح تكسر، فإن مثل هذا يفعل عند هلاك السادة من الأمراء وغيرهم، والخيل أنما تعقر عند قبورهم وأشباه هذا، فلما عاين هذان الشاعران من الأمر ما عيناه هذا: «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»، وقال ذاك: «انظر إلى العلياء كيف تضام»، ونظر البحتري إلى كثرة النساء، وعظم أقدارهن، وانهتاكهن، وما يفعلن بأنفسهن، فأتم البيت بأن قال: «ومآتم الأحساب كيف تقام»، لأن المآتم هي اجتماع النساء في الفجائع، ومساعدة بعضهن، فما على أحدهما فيما قاله مطعن.
وقال أبو تمام:
أصم بك الناعي وإن كان أسمعاوأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
وهذا معنى حسن جداً، وليس يريد بالصمم انسداد السمع، وإنما يريد أن الناعي أذهل عن كل شيء وحير، حتى صار الإنسان يخبر بالشيء فلا يفهم ما يقال لعظم ما ورد، فجعل ذلك صمماً، وإنما أخذ هذا من قول محياة بنت طليق أحدى بني تيم الله بن ثعلبة:
نعى ابني محل صوت ناع أصمنيفلا آب محبوراً بريد نعاهما
وقبلها ما قال النابغة:
وخبرت خير الناس أنك لمتنيوتلك التي تستك منها المسامع
وقد قاله غير النابغة:
وقال أبو تمام:
أي القلوب عليكم ليس ينصدعوأي نوم عليكم ليس يمتنع
وهذا ابتداء حسن حلو.
وقال:
ما زالت الأيام تخبر سائلاًأن سوف تفجع مسهلاً أو عاقلا
أراد تفجع مسهلاً أو عاقلا، فأقحم الألف، وهي تدخل مع الواو أبداً، وهو ابتداء حسن.
وقال:
أي ندى بين الثرى والجبوبوسؤدد لدن ورأي صليب
عجز هذا البيت رديء لقوله: «وسؤدد لدن» فإنها لفظة قبيحة في هذا الموضع، وإنما أراد الطباق، واللدن أيضاً يكون صليباً، لأن الرمح يوصف باللدونة، واللدونة فيه تثنية، وتلك صلابته وتثنيته، وإن لم يكن متثنياً أسرع الكسر إليه، وقد قال أبو تمام:
وإنمايشتد بأس الرمح حين يلين
والصلابة في الرأي والسؤدد بمنزلة واحدة، اللهم إلا أن يكون ذهب إلى أن رأيه صليب لا ينثني عن جهته وسداده، وأن سؤدده ينعطف وينثني وأراد به نفسه، وهذا كله رديء، ولفظ موضوع في غير موضعه، وما سمعنا في نثر ولا نظم بسؤدد لدن، وإنما يقال: سؤدد أول وقديم ومكين وعال ونبيه ورفيع، ويقال: رأي وثيق، ورأي محصد، ورأي سديد ومصيب.
وقال:
ما للدموع تروم كل مراموالجفن ثاكل هجعة ومنام
وهذا ابتداء جيد بالغ.
وقال:
جوى ساور الأحشاء والقلب واغلهودمع يضيم العين والجفن هامله
وقال:
بأبي وغير أبي وذاك قليلثاو عليه ثرى النباح مهيل
وهذان ابتداءان صالحان.
وقال:
لنمنا وصرف الدهر ليس بنائمخزمنا له قسراً بغير خزائم
وهذا ابتداء رديء كز اللفظ والمعنى.
وقال:
دموع أجابت داعي الحزن همعتوصل منا عن قلوب تقطع
وقال:
اليوم أدرج زيد الخيل في كفنوانحل معقود دمع الأعين الهتن
وهذان ابتداءان صالحان.
وقال:
ريب دهر أصم دون العتابمرصد بالأوجال والأوصاب
وهذا ابتداء ليس بجيد ولا رديء.
وقال:
نعاء إلى كل حي نعاءفتى العرب احتل ربع الفناء
كأنه يقول لنفسه: انع إلى كل حي انع، وهي لفظة عربية مستعملة ولكنها غير حلوة إذا ابتديء بها، وقد ابتدأ بها الكميت فقال:
نعاء جذاماً غير موت ولا قتل
أي: انع جذاماً، وكثيراً ما يقتدي به أبو تمام.
وقال:
بكى شجوه قلب بكته فواجعهوإنسان عين ليس ترقا مدامعه
يريد الأحداث التي فجعته رحمة له، أو لعله قال: فجائعه وذلك أبعد في الاستعارة وأقبح، وهذا رديء.
وقال:
داب عيني البكاء والحزن دابيفدعيني وقيت مابي لما بي
وهذا من ألفاظ الصوفية ومعانيهم المخلقة.
وقال:
لو صحح الدمع لي أو ناصح الكمدلقلما صحباك الخد والكبد
وهذا ابتداء رديء لقوله: «أو ناصح الكمد».
وقال:
أعيدي النوح معولة أعيديوزيدي من بكائك ثم زيدي
وهذا من ألفاظ النوائح.
وقال:
يا دهر قداك وقلما يغني قديوأراك عشر الظمء مر المورد
قوله: «عشر الظمء» العشر: أن تعطش الإبل، ولا تورد الماء إلا بعد عشر، يقول: فإذا أوردت كان موردك مراً غير عذب، وهذه استعارة قبيحة جداً.
فذلك ثمانية عشر بيتاً ليس فيها جيد إلا الأربعة التي ذكرتها.
وله مقطعات لا يعتد بمثلها، وليس فيها جيد إلا مقطوعتان، منهما قوله:
محمد بن حمد أخلقت رممهأريق ماء المعالي مذ أريق دمه
وإراقة ماء المعالي قبيح جداً، ولم يستو له لضيق الحيلة في النظم أن يقول: دم المعالي، لأن ذاك أشبه بازدواج ألفاظه وأجود.
ومنهما قوله:
جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطبوخطب الردى والموت أبرحت من خطب
وهذا -لعمري- ابتداء حسن جيد.
وقد نحل أبو تمام قصائد أخر رديئة جداً، وهي ثابتة في نسخة أبي علي محمد بن العلاء، ولم أذكر منها شيئاً.
وهذه ابتداءات البحتري:
قال:
انظر إلى العلياء كيف تضامومآتم الأحساب كيف تقام
وقال:
بأي أسى تثني الدموع الهواملويرجى زيال من جوى لا يزايل
وقال:
أقول لعنس كالعلاة أمونمضبرة في نسعة ووضين
وقال:
محل على القاطول أخلق داثرةوعادت صروف الدهر وهي تساوره
وقال:
أراني متى أبغ الصبابة أقدروإن أطلب الأشجان لا تتعذر
وقال:
عذيري من صرف الليالي الغوادرووقع رزايا كالسيوف البواتر
وقال:
أفي مستهلات الدموع السوافحإذا جدن برء من جوى في الجوانح
وقال:
تقضى الصبا إلا تلوم راحلوأغنى المشيب عن ملام العواذل
وهذه القصيدة ليست مرثية بأسرها، وإنما المرثية بعض أبياتها فلهذا ابتدأ هذا الابتداء.
وقال:
أقصر حميد لا عزاء لمغرمولا قصر عن دمع ولو كان من دم
وقال:
ملامك أنه عهد قريبورزء ما عفت منه الندوب
وقال:
أعجب من الغيث كيف ارفض فانقشعاوصالح العيش كيف اعتيق فارتجعا
وقال:
لأية حال أعلن الوجد كاتمهوأقصر عن داعي الصبابة لائمه
وقال:
غروب دمع من الأجفان تنهملوحرقة بغليل الحزن تشتعل
فذلك ثلاثة عشر ابتداء كلها جيد حسن إلا قوله:
«وإن أطلب الأشجان لا تتعذر»
فإن الأشجان جمع شجن، والشجن: الحاجة المهمة، وهذا ضد ما ذهب
إليه، وكأنه -والله أعلم- أراد: «وإن أطلب الأشجاء» جمع شجا، من: شجيت بالشيء أشجى شجاً، فتكون: متى أبلغ الصبابة -وهي رقة الشوق- أقدر عليها، لأنها موجودة معي، وإن أطلب ما أشجى به ويحزنني لا يتعذر أيضاً، فيكون المعنى: أنه صب أبداً، وحزين أبداً، ولم يقصد إلى قسمين مختلفين، وما أظنه قال إلا «الأشجاء» -والله أعلم- فألحقت النون، وإلا فمثل البحتري لا يذهب عليه فرق ما بين الشجى والشجن.
أو أن يكون أراد: «وإن أطلب الأشجان تتعذر»، وجاء بقوله «لا» زائدة، فإنها تزاد كثيراً، والمعنى طرحها، قال أبو النجم:
فما ألوم البيض ألا تسخرا
أراد: أن تسخر.
وقال العجاج:
في بئر لا حور سرى وما شعر
أراد: في بئر هلاك، وأصل الحور: النقصان، وقد قال الله تعالى: «لئلا يعلم أهل الكتاب» أي: ليعلم، و «قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك» أي: أن تسجد.
فهذه ابتداءتهما في سائر مراثيهما، فأما الموازنة بين الجملتين فإن ابتداءات البحتري أجود من ابتداءات أبي تمام، لما في ابتداءات أبي تمام من التخليط الذي قد ذكرته، وسلامة ابتداءات البحتري من مثل ذلك.
فأما الموازنة بين معاني الأبيات، فليس بين معانيهما اتفاق إلا في صدر
البيتين الأولين على ما وصفته، ثم ما ذكراه من أمر البكاء والدمع، فإن أبا تمام قال:
«وليس لعين لم يفض ماؤها عذر»
وقال البحتري:
«ولا قصر من دمع ولو كان من دم»
وكلاهما جيد في معناه.
وقال أبو تمامك
«دموع أجابت داعي الحزن همع»
وقال البحتري:
«بأي أسى تثني الدموع الهوامل»
والمعنيان مختلفان، وكلاهما جيد حسن.
وقال أبو تمام:
«ما للدموع تروم كل مرام»
وقال البحتري:
«غروب دمع من الأجفان تنهمل»
وكلاهما صالح، ووباقي ما قاله أبو تمام في الدمع رديء
وقال البحتري:
أفي مستهلات الدموع السوافحإذا جدن برء من جوى في الجوانح
وهذا حلو حسن، فأجعلهما في هذه المعاني خاصة متكافئين، وجملة أبيات البحتري أفضل الجملتين.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع