من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه في الفخر
قال أبو تمام:
ألا صنع البين الذي هو صانع
وعاو عوى والمجد بيني وبينهله حاجز دوني وركن مدفع
ترقت مناه طود عز لو ارتقتبه الريح فتراً لا نثنت وهي ظالع
أنا ابن الذين استرضع الجود فيهموسمي منهم وهو كهل ويافع
سما بي أوس في السماء وحاتموزيد القنا والأثرمان ورافع
وكأن إياس ما إياس وعارقوحارثة أوفى الورى والأصامع
نجوم طوالع جبال فورارعغيوث هوامع سيول دوافع
مضوا وكأن المكرمات لديهملكثرة ما أوصوا بهن شرائع
فأي يد في المجد مدت فلم تكنلها راحة من جودهم وأصابع
هم استودعوا المعروف محفوظ مالنافضاع وما ضاعت لدينا الودائع
بهاليل لو عاينت فضل أكفهملأيقنت أن الرزق في الأرض واسع
إذا خفقت بالبذل أرواح جودهمحداها الندى واستنشقتها المطامع
رياح كريح العنبر المحض في الندىولكنها يوم اللقاء زعازع
إذا طيء لم تطو منشور بأسهافأنف الذي يهدي لها السخط جاذع
هي السم ما ينفك في كل بلدةتسيل به أرماحهم وهو ناقع
أصارت لهم أرض العدو قطائعاًنفوس لحد المرهفات قواطع
بكل فتى ما شاب من روع وقعةولكنه قد شبن منه الوقائع
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشرأغارت عليهم فاحتوته الصنائع
فتعطي الذي تعطيهم الخيل والقناأكف لإرث المكرمات موانع
هم قوموا درء الشآم وأيقظوابنجد عيون الحرب وهي هواجع
إذا أسروا لم يأسر البغي عفوهمولم يمس عان فيهم وهو كانع
إذا أطلقوا عنه جوامع غلهتيقن أن المن أيضاً جوامع
إذا صارعوا عن مفخر قام دونهموخلفهم بالجد جد مصارع
علوا بجنوب موجدات كأنهاجنوب فيول ما لهن مضاجع
كشفت قناع الشعر عن حر وجههوطيرته عن وكره وهو واقع
بغر يراها من يراها بسمعهويدنو إليها ذو الحجى وهو شاسع
يود وداداً أن أعضاء جسمهإذا أنشدت شوقاً إليها مسامع
وهذا كله جيد بالغ، ومعان صحيحة، وأغراض حسنة مستقيمة، وليس فيها بيت رديء إلا قوله: «إذا خفقت بالبذل».
وقوله: «سما بي أوس» يريد أوس بن حارثة بن لام، و «زيد القنا» يريد زيد الخيل، وقوله: «إياس» يعني إياس بن عامر الثعلبي، وثعلبة هو جرم بن عمرو بن الغوث بن طيء، أو يريد أوس بن قبيصة الطائي، و «عارق» هو قيس بن جروة بن سيف بن وائلة بن عمرو الطائي، وقيل له «عارق» لقوله في عمرو بن هند:
لئن لم تغير بعض ما قد صنعتملأنتحين للعظم ذو أنت عارقه
وقال أيضاً يفخر:
تصدت وحبل البين مستحصد شزر
أبى لي نجر الغوث أن أرأم التيأسب بها والنجر يشبهه النجر
وهل خاب من جذماه في ضن طيءعدي العديين القلمس أو عمرو
لنا غرر زيدية أدديةإذا نجمت ذلت لها الأنجم الزهر
لنا جوهر لو خالط الأرض أصبحتوبطنانها منه وظهرانها تبر
جديلة والغوث اللذان إليهماصغت أذن للمجد ليس بها وقر
مقاماتنا وقف على العلم والحجافأمردنا كهل وأشيبنا حبر
ألنا الأكف بالعطاء فجاوزتمدى اللين إلا أن أعراضنا صخر
كأن عطايانا يناسبن من أتىولا نسب يدنيه منا ولا صهر
إذا زينة الدنيا من المال أعرضتفأزين منها عندنا الحمد والشكر
وكور اليتامى في السنين فمن نبابفرخ له وكر فنحن له وكر
أبى قدرنا في الجود إلا نباهةفليس لمال عندنا أبداً قدر
لينجح بجود من أراد فإنهعوان لهذا الناس وهو لنا بكر
جرى حاتم في حلبة منه لو جرىبها القطر شأواً قيل أيهما القطر
فتى ذخر الدنيا أناس ولم يزللها باذلاً فانظر لمن بقي الذخر
فمن شاء فليفخر بما شاء من ندىفليس لحي غيرنا ذلك الفخر
جمعنا العلى بالجود بعد افتراقهاإلينا كما الأيام يجمعها الشهر
بنجدتنا ألقت بنجد بعاعهاسحاب المنايا وهي مظلمة كدر
بكل كمي نحره غرض القناإذا اضطرب الأحشاء وانتفخ السحر
فأعجب به يهدي إلى الموت نحرهوأعجب منه كيف يبقى له نحر
يشيعه أبناء موت على الوغىيشيعهم صبر يشيعه نصر
كماة إذا ظل الكماة بمعركوأرماحهم حمر وألوانهم صفر
بخيل لزيد الخيل منها فوارسإذا نطقوا في مجلس خرس الدهر
على كل طرف يحسر الطرف سابحوسابحة لكن سباحتها الحضر
طوى بطنها الأساد حتى لو أنهابدت لك ما شككت في أنه ظهر
ضبيبية ما إن تحدث نفسهابما خلفها ما دام قدامها وتر
فإن ذمت الأعداء سوء صنيعهافليس يؤدي شكرها الذئب والنسر
بها عرفت أقدارها بعد جهلهابأقدارها قيس بن عيلان والفزر
وتغلب لاقت غالباً كل غالبوبكر فألفت حربنا بازلاً بكر
وأنت خبير كيف أبقت سويفنابني أسد إن كان ينفعك الخبر
وقسمتنا الضيزى بنجد وأهلهالنا خطوة في عرضها ولهم فتر
مساع يضل الشعر في طرق وصفهافما يهتدي إلا لأصغرها الشعر
وهذه القصيدة فيها جيد نادر، وفيها رديء ساقط، وفيها ألفاظ وضعها في غير موضعها، فمن ذلك قوله: «لنا غرر زيدية أددية إذا نجمت» وليس هذا موضع «نجمت»، إنما هو موضع «ذكرت»، لأن الشيء يذكر وقتاً بعد وقت، وإذا نجم الشيء فليس ينجم وقتاً بعد وقت، يقال: قد نجم خارجي في موضع كذا وكذا، وقد نجم في بلد كذا مذهب رديء، أي ظهر، وقد نجم قرن الظبي، إذا طلع، ونجمت سن الصبي، فما معنى «لنا غرر إذا نجمت» وهي قد نجمت وفرغ الله من نجومها؟، و «ذكرت» كان أولى بهذا الموضع، وإنما يقال «نجمت» من أجل قوله «الأنجم» ليتجانس اللفظ، وإنما يحسن التجنيس إذا حسنت وصحت المعاني.
وقوله: «لنا جوهر ...» بيت رديء سخيف، وزاد في سخفه قوله: «منه»، لأن «منه» إنما يوجب أن يكون من جوهرنا، وهو ليس يريد: لنا جوهر لو خالط الأرض أصبحت وبطانتها من جوهرنا، وإنما كان ينبغي أن يقول: لنا جوهر وظهرانها تبر، لأن هذا الجوهر غير ذلك الجوهر، وإنما قاسه به، فإذا قال: «وبطنانها منه» فقد رد الكناية إلى الجوهر الأول وسقط أن يكون في ذلك فائدة، وهو إنما أراد لفظ الجوهر ولم يراع المعنى فجاء به رديئاً.
وقوله: «وكور اليتامى في السنين ...» بيت ركيك جداً بارد المعنى سخيف عامي.
وقوله:
«كماة إذا ظل الكماة بمعركوأرماحهم حمر ....»
أي: هم كماة وأرماحهم حمر إذا ظل الكماة بمعرك وألوانهم صفر، أي: رماح هؤلاء حمر من الطعن وألوان الكماة صفر من الروع، والبيت رديء وليس بجيد التأليف.
وقوله: «لكن سباحتها الحضر» تفسير سخيف أحمق، ومن شك في أن سباحتها الحضر، وهل يظن أحد أن سباحتها غير الحضر.
وقوله: «ما شككت أنه ظهر» معنى أقبح من كل قبيح.
وكذلك: «ما إن تحدث نفسها» من أرذل لفظ وأدونه، وفيها غير بيت سخيف، وأكثرها جيد نادر.
و «الإساد»: سير الليل، و «التأويب»: سير النهار.
و «الفزر» سعد بن زيد مناة بن تميم.
وقوله: «وتغلب لاقت غالباً كل غالب» يريد غالب بن ...
وقال البحتري يفخر:
إنما الغي أن تكون رشيدا
إن قومي قوم الشريف قديماًوحديثاً أبوة وجدودا
فإذا ما عددت يحيى وعمراوأباناً وعامراً ووليدا
وعبيدا ومسهرا وجدياوتدولاً وبحتراً وعتودا
لم أدع من مناقب المجد ما يمــنع من هم أن يكون مجيدا
ذهبت طيء بسابقة المجــد على العالمين بأساً وجودا
معشر أمسكت حلومهم الأرض وكادت من عزهم أن تميدا
نزلوا كاهل الحجاز فأضحىلهم ساكنوه طراً عبيدا
منزلاً قارعوا عليه العماليــق وعاداً في عزها وثمودا
وإذا قوت وائل وتميمكان إذ ذاك حنظلاً وهبيدا
ظل ولداننا يغادون نخلاًمؤتياً أكله وطلحا نضيدا
بلد ينبت المعالي فما يثــغر الطفل فيه حتى يسودا
وليوث من طيء وغيوثلهم المجد طارفاً وتليدا
فإذا المحل جاء جاءوا سيولاوإذا النقع ثار ثاروا أسودا
يحسن الذكر عنهم والأحاديــث إذا حدث الحديد الحديدا
في مقام تخر في ضنكه البيــض على البيض ركعاً وسجودا
يفرجون الوغى إذا ما أثار الــضرب من مصمت الحديد صعيدا
بوجوه تعشي العيون ضياءأو سيوف تعشي الشموس وقودا
عدلوا الهضب من تهامة أحلاماً ثقالاً ورمل نجد عديدا
ملكوا الأرض قبل أن تملك الأرض وقادوا في حافتيها الجنودا
وجروا عند مولد الدهر في السؤدد والمكرمات شأوا بعيدا
بمساع منظومة ألبستهنالليالي قلائداً وعقودا
عبد شمس شمس العريب أبوناملك الناس واصطفاهم عبيدا
وطيء السهل والحزونة بالأبــطال شعثاً والخيل قباً وقودا
وأبو الأنجم التي لا تني تجــري على الناس أنحساً وسعودا
نحن أبناء يعرب أعرب الناس لساناً وأنضر الناس عودا
وكأن الإله قال لنا في الــحرب كونوا حجارة أو حديدا
قوله: «من هم أن يكون مجيدا» أي: لم أدع من مناقب المجد شيئاً يمنع من هم بالمجد أن يبلغ المجد لخلوه منه وفوته إياه، أي: إذا ذكرت هؤلاء وفيهم الخلال التي تجمع المجد كله، ولم أدع خلة للحسن ليس فيهم، مما يمنع الماجد أن يكون مجيداً بفقده إياها.
و «الهبيد» ثمر الحنظل، و «الطلح» يقال هو الموز، وإياه عنى ها هنا.
وقوله: «عند مولد الدهر» تعد وإسراف في المبالغة، ولكنه غير قبيح لحسن لفظه.
وقد استعمل الإيطاء في هذه القصيدة فأتى بقوله: «عبيدا» في موضعين، وهذا يجري من المطبوعين من قلة التفقد.
وأقول في الموازنة بينهما: إن وازنت بين معانيهما خاصة فيما افتخرا به، كان أبو تمام أشعر، لأنه أبرع وأفصح وأسلم ألفاظاً وأحكم، وأبو تمام على كل حال في قصيدته العينية أشعر، لأن ألفاظها وسبكها غير مقصرين.
ومما أجاد فيه البحتري وأحسن كل الإحسان قوله يمدح بني مخلد:
بني مخلد كفوا تدفق جودكمولا تبخسونا حظنا في المكارم
ولا تنصروا مجدي قنان ومالكبأن تذهبوا منا بسمعة حاتم
وكان لنا اسم الجود حتى جعلتمتغضون منا بالخلال الكرائم
وشيبني ألا أزال مجرراًسرابيل سآل كثير المغارم
وما خطري دون الغنى إن بلغتهسؤالاً ولا عرضي نظير الدراهم
ومن عربي شعره، وفاخر كلامه الدال على بدويته وحلاوة طبعه قوله في نحو هذا المعنى لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
تزاجر هذا الناس عني تقيةفما بال هذا الطاهري وبالي
يساجلني حتى كأن ليس بحترأبي وابن همام بن مرة خالي
أخي وابن عمي سابقتني خصالهإلى شرف أو سابقته خصالي
بنو الحارث الحراب يغشون نصرهبكل جهير في السلاح طوال
أولئك قوم أنت كفء سراتهموشراؤهم في سؤدد ومعال
ديارهم بالغوطتين وداركمبعسفان يغدو برها وغزال
لهم ورق الزيتون غضاً وعندكمشريجان من أثل يرف وضال
تراك مسامي الغداة ففائتيبجملة شعري وهو جملة حالي
قوله: «يغدو برها وغزال» فغزال: هضبة مرتفعة ويقال: ثنية غزال بنواحي عسفان.
يقول: إن كنت نظيري في النسب والشرف والمحل والبلد، فإنك لا تتقدمني في الشعر، الذي هو جملة ما أفتخر عليك به، فسلك أحسن مسلك بأبرع لفظ ومعنى.
وقال:
أحبب إلي بطيف سعدى الآتي
ومن الأقارب من يسر بميتتيسفهاً وعز حياتهم بحياتي
إن أبق أو أهلك فقد نلت التيملأت صدور أصادقي وعداتي
وغنيت ندمان الخلائق نابهاًذكرى وناعمة بهم نشواتي
وشفعت في الأمر الجليل إليهمبعد الجليل فأنجحوا طلباتي
وصنعت في العرب الصنائع عندهممن رفد طلاب وفك عناة
يجري ليدخل في غبار تسرعيمن رفد طلاب وفك عناة
ويذيمني من لو ضغمت قبيلةيوم الفخار لطار في لهواتي
جدي الذي رفع الأذان بمنبجوأقام فيها قبلة الصلوات
فالآن إذ ناصيت أعنان العلاورقيت فيها أرفع الدرجات
وأي أبو حيان قائد طيءللروم تحت لوائه المنصات
وولي فتح الجسر إذ أغرى بهمعمرو وفاعل تلكم الفعلات
وخؤولتي فالحوفزان وحاتموالخالدان الرافدان حماتي
إذ لم يكن شرف المناكح يشترىبالمال في اللأواء والزبات
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع