من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
القسم الثاني
ما قالاه في أوصاف الخيل
قال أبو تمام:
جرت له أسماء حبل الشموس
وامدد عناني بوأي ضلعهتذرع والعذرة فيه تنوس
أقاتل الهم بإيجافهفإن حرب الهم حرب ضروس
إذا المذاكي خطبت نقعهفحظها منه اللفاء الخسيس
موضح ليس بذي رجلةأشأم والأرجل منها بسوس
فكل لون فليكن ما خلا الـأشهب فالأشهب لون لبيس
ومجفر لم يصطلم كشحهفالضمر المفرط فيها رسيس
إن زار ميداناً شأى أهلهأو نادياً قام إليه الجلوس
ترى رزان القوم قد أسمحتأعينهم في حسنه وهي شوس
كأنما لاح لهم بارقفي المحل أو زفت إليهم عروس
سام إذا استعرضته زانهأعلى رطيب وقرار يبيس
فإن خدا يرتجل المشي فالــمركب في إحسانه والخميس
كأنما خامره أولقأو غازلت هامته الخندريس
عوذه الحاسد بخلاً بهورفرفت خوفاً عليه النفوس
ومثله ذو العنق السبط قدأمطيته والكفل المرمريس
غادرته وهو على سؤددوقف وفي سبل المعالي حبيس
قوله: «فامدد عناني بوأي» أي: اجعل لي عناناً أمده، «بوأي» على وزن: وغاً، وهو الحديد الشديد، «ضلعه تذرع» أي: تتسع، والذراعة السعة، كأنه مأخوذ من الذرع، يريد أن ضلعه واسعة تامة تهمى فإنه، منتفخ الجنبين، ويروى «يعذر» أي: يوسع، و «العذرة»: الشعر الذي في قفا الفرس، ويستحب أن يكون له تمام وسباطة وتفرق، كما قال امرؤ القيس:
لها عذر كقرون النساء ركبن في يوم ريح وصر
وقوله: «تنوس» أي: تتحرك وتضطرب وإذا كانت قصيرة لم يكن لها تحرك، و «المذاكي» من الخيل التي قد جاوزت القروح بثلاث سنين، واحدها
مذك، وهو جمع على غير قياس، وجمعها الصحيح: مذكيات، وهي مسان الخيل، و «اللفاء الخسيس» ... [؟].
و «الموضح»: الذي به أوضاح، والأوضاح البياض في أطرافه، وقوله: «ليس بذي رجلة» أي ليس بأرجل، والأرجل: الذي تحجيله في رجل واحدة دون سائر قوائمه، وقال: «بسوس»، لأنه يتشاءم به، والبسوس المرأة التي رمى كليب وائل ضرع ناقتها، وكانت في جوار جساس، فقتله جساس فكانت حرب بكر وتغلب من أجلها، فضرب بها المثل في الشؤم، وليست للبسوس ها هنا حلاوة في الموضع ولا طلاوة.
وكذلك قوله: «فالشهبة لون لبيش»، والأشهب من مراكب الملوك، يقال: شهب الخيل ملوكها.
ولا وجه لقوله: «لون لبيس»، ولا علمت أحداً نعت الشهبة بها النعت، لأن اللبيس هو الذي قد استعمل فأخلق واتسخ، ومن أين جعله خلقاً او دنساً بل هو من أحد ألوان الخيل وأنصعها، لا سيما إن كان أسود العرف والذنب، فإن ذاك من مراكب الخلفاء والجبابرة، وإنما يقال في الأشهب أنه ليس من سراع الخيل، ولا مما يجري في الحلبة لقلة صبره ورقته، لأن البياض عندهم رقة وترفة، وكذلك الأبلق ما شبق قط في حلبة من أجل ما فيه من البياض، فهذا عيب الشهبة عند أهل البادية، فما وجه قوله: «لبيس».
وقوله: «لم يصطلم كشحه» أي: لم يصطلمه الضمر حتى يذهب به،
والكشح هو الخاصرة، ويستحب فيها أن تكون ضامرة، فيقول: إن الضمر المفرط فيها -يعني الخيل- رسيس، يريد علة وسقما، ويقال: به رسيس من مرض، المعنى صحيح واللفظ والنظم رديئان جداً.
وقوله: «والكفل المرمريس»، يريد انملاسه، استواءه، والجساة في عنق الفرس، والكزازة من أعيب عيوبه، والسباطة ضد ذلك، فلهذا قال: «ذو العنق السبط»، والمرمريس من الألفاظ الوحشية الغريبة التي يدخلها في شعره مع ألفاظ لا تشبهها ولا تليق بها.
وليس في هذه الأبيات من أوصاف الخيل معنى لطيف ولا مستحسن.
وقوله: «أعلى رطيب وقرار يبيس»، فقد تقدم الناس فيه، وأوردوه نظماً ونثراً، فهو متبع.
وقوله: «قام إليه الجلوس» و «زفت إليهم عروس» و «رفرفت عليه النفوس»، فإن قوماً يستحسنونه وليس من أوصاف الخيل في شيء ولا طائل فيه.
وقوله: «أسمحت أعينهم في حسنه وهي شوس»، فالأشوس هو الذي بنظر بمؤخر عينه من الكبر، فيقول: ترى العيون التي لا تملأ طرفها من الشيء كبراً، وإنما تخرز في النظر، قد أسمحت في النظر إليه من حسنه.
وقال في قصيدة يمدح فيها الحسن بن وهب:
يا برق طالع منزلاً بالأبرق
ما مقرب يختال في أشطانهملآن من صلف به وتلهوق
بحوافرحفر وصلب صلبوأشاعر شعر وخلق أخلق
وبشعلة نبذ كأن فليلهافي صهوتيه بدو شيب المفرق
ذو أولق تحت العجاج وإنمامن صحة إفراط ذاك الأولق
تغرى العيون به ويفلق شاعرفي نعته عفواً وليس بمفلق
بمصعد من حسنه ومصوبومجمع من نعته ومفرق
صلتان يبسط إن ردى أو عدافي الأرض باعاً منه ليس بضيق
وتطرق الغلواء منه إذا عداوالكبرياء له بغير مطرق
أهدى كناراً جده فيما مضىللسيل واستصفى أباة اليلبق
مسود شطر مثل ما اسود الدجىمبيض شطر كابيضاض المهرق
قد سالت الأوضاح سيل قرارةفيه فمفترق عليه وملتقى
وكأن فارسه يصرف إذ بدافي متنه ابنا للصباح الأبلق
صافي الأديم كأنما ألبستهمن سندس برداً ومن إستبرق
إمليسه إمليده لو علقتفي صهوتيه العين لم تتعلق
يرقى وما هو بالسليم ويغتديدون السلاح سلاح أروع مملق
في مطلب أو مهرب أو رغبةأو رهبة أو مركب أو فيلق
قوله: «من صلف» يريد الكبر والتيه، وهذا مذهب العامة في هذه اللفظة، فأما العرب فإنها لا تستعمله على هذا المعنى، وإنما تقول: صلفت المرأة عند بعلها، إذا لم تحظ عنده، وصلف الرجل كذلك إذا كانت زوجته تكرهه، قال جرير:
إني أواصل من أردت وصالهبجبال لا صلف ولا لوام
والصلف: لالذي لا خير عنده، ومثل يضرب: «رب صلف تحت الراعدة» يعني رعداً بلا مطر، فهذا معنى الصلف في كلامهم، وعلى هذا فقد ذم أبو تمام الفرس ولم يمدحه.
و «التلهوق»: لا أعرفه إلا لطف المداراة والحيلة وإظهار الخضوع بالقول وغيره حتى تبلغ الحاجة، ويدل على ذلك قول الأغلب العجلي يصف مداراة رجل امرأة حتى نال منها ما أراد:
فلم يزل بالحلف النجيلها وبالتلهوق الخفي
أن قد خلونا بفضاء قي
وقد ذكر أبو عبيد في كتاب «الغريب المصنف» في أول نوادر الأسماء، وما أرى أبا تمام في وضع هاتين اللفظتين في هذا الموضع إلا غالطاً.
وأطن أن أبا تمام عثر بقول أبي نواس يصف فلاة قطعها على ناقة:
كلفتها أجداً تخال بهامرحاً من الخيلاء أو صلفا
وأبو نواس قال: «تخال بها» فجاء به على التشبيه، فجعله أبو تمام حقيقة فقال: «ملآن من صلف به وتلهوق» فالخيل قد توصف بالكبر، وكذلك الإبل، وإنما يراد به قوة نفوسها، وإما الصلف الذي معناه البغض ويوضع في موضع التيه فليس مما يوصف به.
وقوله: «بحوافر حفر» في نهاية الهجانة والركاكة، يريد أنه حافر للأرض، والجمع حفر مثل صابر وصبر، وإنما قال الشاعر:
ترى الأكم منها سجداً للحوافر
يريد كثرة الخيل، وأنها تطحن الأكم إذا سارت عليها، وإنما ذهب إلى ما ذكرته العرب من أوصاف الخيل في عددها، وما تثيره من العجاج، ونحو قول متمم بن نويرة:
لتبك خليلي مالكاً كل شطبةتثير غباراً كالدواخن أكدرا
وقال طفيل:
إذا استعجلت بالركض سد فروجهاغبار تهاداه السنابك أصهب
وهذا يحسن إذا ذكر جري الفرس، فاستعملوه على هذا الوجه وبنحو هذا اللفظ، وذلك من أوصافهم للشيء على ما هو، وإذا أرادوا المبالغة ذموا هذا الوجه، كما قال امرؤ القيس:
مسح إذا ما السابحات على الونىأثرن الغبار بالكديد المركل
وقال البحتري على هذا الوجه وأحسن كل الإحسان:
خفت مواقع وطئه فلو أنهيجري برملة عالج لم يرهج
فهذه الطريقة أحسن، وتلك الطريقة أعم في أشعارهم وأكثر، وأما «حوافر حفر» ففي غاية القباحة، كذلك «صلب صلب» يريد صلابته.
وقوله: «أشاعر شعر» معنى صحيح، لأن «الأشاعر»: ما حول الحافر من الشعر، ويستحب أن يكون وافياً، و «خلق أخلق» أيضاً كلام عدل، لأنه أراد إملاسه واستواءه، والخلاقة أيضاً حسن، وإنما طرحه في تخليط الصدر صحة هذا العجز؛ لأنه أراد أن يجعل ألفاظ هذا البيت كلها متجانسة، وما أفسد شعره وأحال أكثر معانيه وخبله غير عشقه للطباق والتجنيس.
وقوله: «وبشعلة نبذ كأن فليلها» يريد ما تفرق منها في صهوتيه، والصهوة موضع اللبد، وهو مقعد الفارس، وذلك الموضع أبداً ينحت شعره ويبيض لغمز السرج إياه، وأنت تراه في الخيل كلها على اختلاف شياتها، وليس هو بالبياض المحمود، ولا هي شعلة، ولا البياض في ذلك الموضع أن لو كان خلقة حسناً ولا جميلاً، وهذا من أقبح الأوصاف وأهجنها، وأبعدها عن الصواب.
والشعلة والشعل إنما هي بياض في الذنب والناصية وهو من عيوب الخيل، وهو في الناصية الشعل والسعف، ولا يكون الشعل في الصهوة، لا يقال: فرس أشعل إلا للذي في عرض ذنبه، أو ناحية من ناصيته بياض.
وقد أخذ البحتري هذا منه، فأتى به على غاية ما يكون من الحلاوة والحسن فقال:
وبشعلة كالشيب مر بمفرقيغزل لها عن شيبه بغرامه
وأراد: «لهى» فقال: «لها» على لفظ طيء، فجعل الشعل في موضعه، لأنه أراد الناصية، إلا أنه أخرجه مخرج المدح، وهو عيب في الخيل، لأنه فرس حمله عليه محمد بن يوسف، فأراد أن يعلمه أن ذلك حسن غير معيب
وقوله: «مسود شطر ومبيض شطر»، فشطر الشيء، ناحيته وجانبه، قال الله تعالى: «فول وجهك شطر المسجد الحرام» أي ناحيته وقد يراد بالشطر نصف الشيء، فيقال: قد شاطرتك مالي، أي: قد ناصفتك، فهذا هو الأكثر الأعم فيما يستعملون، وذلك من أقبح شيات الأبلق على ظاهر المعنى، ولم يرده، وإنما أراد بالشطر ها هنا: البعض، أو الجزء، أي: مسود جزء ومبيض جزء، فجاء بالشطر، والجيد النادر في هذا قول البحتري:
أو أبلق يلقى العيون إذا بدامن كل لون معجب بنموذج
وقد كان جعله في أول الأبيات أشعل بقوله: «وشعلة نبذ»، ثم جعله ها هنا أبلق، فهذا الفرس هو الأشعل الأبلق، على مذهب أبي تمام في هذا التشبيه ولا ينكر مثل هذا من ابتداعاته.
وقوله: «قد سالت الأوضاح»، و «الأوضاح»: بياض أطراف الفرس وقوله: «فمفترق عليه وملتقى» لا أعرفه وجهه إلا أن يكون أراد من بياض التحجيل ما لا يستدير على وظيفة وإنما يحيط ببعضه ومنه ما يحيط به كله
فسمى ذاك «مفترقاً» وسمى هذا «ملتقيا»، وها وصف ما سمع بمثله، ولا أظن أحداً نطق به، لأنه في غاية القباحة، وما دعاه إلى مفترق وملتق إلا إعواز الكلام، وحاجته إلى تمام البيت.
وقوله: قد سالت الأوضاح سيل قرارة، سيلاً استقر في موضعه، كما قال: «ولكل سائلة تسيل قرار»
أي موضع تستقر فيه، فيريد: كأن البياض في أطرافه سيل سال واستقر في موضعه.
وقوله:
وكأن فارسه يصرف إذ بدافي متنه ابناً للصباح الأبلق
فهذا الذي ينبغي أن تسمعه وتضحك منه.
وقوله: «... من سندس برداً ومن إستبرق»
فالسندس على ما يقال: دقيق الديباج، والإستبرق: غليظه، ويقال: السندس هو الحرير الأخضر، وإنما أراد صفاء لونه، وأن نصوعه كنصوع الديباج، ولم يرد هذا اللون.
وقوله: «إمليسه» يريد إملاسه واستواءه، وكذلك «إمليده»، والأملود من القضبان: الحسن الاستواء والإملاس.
وقوله: «لو علقت في صهوتيه العين لم تتعلق» يريد أنها تلمع وترف من صفائها، فلا يتمكن الناظر من إثبات النظر إليها.
وقوله:
أهدى كناراً جده فيما مضىللسيل واستصفى أباة اليلبق
فهو مما يتعلق بخبر وفيه معنى غامض قد ذكرته فيما أفردته من تفسير غامض معانيه.
وليس في هذه الأبيات بيت جيد إلا قوله:
«بمصعد من حسنه ومصوب»
وقوله:
«وتطرق الغلواء منه إذا عدا»
وما بقي مما لم أذكره صالح المعنى، على ما فيه من التكلف.
وقال يمدح مالك بن طوق:
قالت وعي النساء كالحرس
هل يرجعن غير جانب فرساًذو سبب في ربيعة الفرس
كأنني بي قد زرت ساحتهابمسمح في قياده سلس
أحمر منها مثل السبيكة أوأحوى به كاللمى أو اللعس
أو أدهم فيه كمته أممكأنه قطعة من الغلس
مبتل متن وصهوتين إلىحوافر صلب له ملس
فهو على الروع والحلائب ذوأعلى مندى وأسفل يبس
يكثر أن يستحم في الحر والــقر حميماً في النجس
مخلق وجهه على الشبق تخــليق عروس الإبناء للعرس
حر له سورة لدى السوط والزجر وعند العنان والمرس
فهو يسر الرواض بالنزق الســاكن منه واللين والشرس
صهصلق في الصهيل تحسبهأشرج حلقومه على جرس
تقتل عشراً من النعام بهبواحد الشد واحد النفس
قوله: «كأنني بي» من أقبح ألفاظ العوام وأسخفها، وقوله: «أحمر منها» يريد الخيل، ولا شيء أقبح من قوله: «منها»، وليست به إليها حاجة، وقوله: «أحوى»: فالحوة حمرة تضرب إلى السواد، وهي من الألوان التي تستحبها، وقوله: «كاللمى أو اللعس»، واللمى: هو سواد اللثة، ويدل
على طيب الفم، وبه قيل للمرأة لمياء، و «اللعس» سواد يعلو شفة المرأة البيضاء وقد جعله العجاج في الجسد كله، إذا كان بياضاً ناصعاً تعلوه أدمة خفيفة، قال:
وبشر مع البياض العسا
فجعله أبو تمام في ألوان الخيل، وقد كان في «أحوى» كفاية، لأنه اللون المعروف من ألوان الخيل، وهذا كله إنما يأتي به لشدة محبته للإغراب.
وقوله: «أو أدهم فيه كمتة أمم» فالأمم: القصد، أي كمتته مقتصدة يسيرة، ولهذا يقال في تفسير الأمم مرة يقال: قصد، ومرة: قريب، وهذا من ألوان الخيل يقال له: أدهم، على ما ذكره أبو عبيدة، وهو أهون الدهم سواداً، وتراه تعلوه حمرة، ويقال للأنثى: جونة، وللجميع جون وإنما يقال: أدهم جون، ولا يقال: أدهم فيه كمتة، وقوله: «كأنه قطعة من الغلس» أي: هو أدهم تعلوه حمرة يسيرة، كما أن الغلس هو اختلاط الظلمة بضياء النهار، وذلك الوقت لا حمرة فيه، وإنما هو بياض الفجر يعترض الأفق، فإذا جاءت الحمرة فليس ذلك بغلس، بل ذلك حمرة الشمس وأول النهار، وقد تبعه البحتري في هذا المعنى فقال في وصف لون الفرس بالحمرة:
صبغة الأفق بين آخر ليلمنقض شأنه وأول فجر
ولا حمرة بين آخر الليل، وأول الفجر، لأن أول الفجر الزرقة ثم البياض، وإذا جاءت الحمرة فذلك لطلوع الشمس، وهو أول النهار، وهذا الوصف منهما جميعاً عندي إلى الخطأ أقرب منه إلى الصواب.
وقوله:
يكثر أن يستحم في الحر والــقر حميماً يزيد في النجس
يريد أنه إذا جرى في أي أوقات الزمان من حر كان أو من برد أرسل العرق، وذلك مما يحمد في الخيل، ويكره منها الذي يبطيء عرقه أو يقل، وقوله: «يزيد في النجس» من إبداعاته القبيحة، أي: ليس استحمامه مما يؤدي إلى طهارة ونظافة، بل ذاك يزيد في النجس، يريد النجاسة، وليست هناك نجاسة، وإنما أراد: يزيد في الوسخ الذي يتعلق به من الغبار وغيره، فجعل مكان الوسخ النجس من أجل القافية فقبح كل القبيح، ومن أوصاف جياد الخيل ودلائل العتق فيها طيب رائحة العرق، وقال أبو النجم:
كأن مسكاً علة معللةفي ناصح الماء الذي يشلشله
قوله: «مخلق وجهه على السبق» معنى عامي وبيت سخيف، وقال: «عروس الإبناء»، ولم يقل: «البناء»، لأن البناء مصدر الباني على أهله، فإذا صنع غيره له أمر البناء فقد أبناه، كما يبني الباني البيت، فإذا أعانه غيره، أو أمكنه من بنائه فقد أبناه، كما قال الشاعر:
لو وصل الغيث أبنين أمرأًكانت له قبة سحق بجاد
«أبنين أمرأً» يعني الخيل إذا أغارت ألحقت الغنى بالفقير.
وقوله: «حر له سورة» أي: حر الطينة، كريم الأصل، لا يصبر على الهوان، فله عند السوط والزجر سورة، لا كالكودن الذي إذا ضرب لم يحرك منه الضرب كبير تحريك، وقوله: «عند العنان» أي له سورة، أي: انبعاث وحركة عند السوط والزجر وعند تحريك النعان، وإنما أراد قول امريء القيس:
فللزجر ألهوب وللساق درةوللسوط منه وقع أهوج منعب
وبقي قوله: «والمرس» وهو مما يسأل عنه، وإنما جعل المرس -وهو المعقود- تبعاً للعنان إذا حركه، لأن الفرش يلجم ومقوده عليه، كذلك تفعل العرب والصعاليك.
وقوله: «يسر الرواض بالنزق الساكن» الزاي من «النزق» مكسورة أي: سكن وإذا نوقوه نزق، وكذلك «اللين والشرس» ويروى «اللين الشرس» مثل «النزق الساكن».
و «الصهصلق» الصافي من الأصوات الحاد، وقوله: «تقتل عشراً من النعام به» أي: إذا أرسلته إلى عشر نعامات أقصعها، وقوله: «بواحد الشد» أي:
بالطلق الواحد، لا بتكرير العدو، وقوله: «واحد النفس» أي: بشد واحد، ونفس واحد، لا بتكرير الأنفاس الموجبة للبهر والتعب.
وقال في قصيدة يمدح فيها الحسن بن وهب:
هل أثر من ديارهم دعس
نعم متاع الدنيا حباك بهأروع لا جيدر ولا جبس
أصفر منها كأنه محة الــبيضة صاف كأنه عجس
هاديه جذع من الأراك وماخلف الصلا منه صخرة جلس
يكاد يجري الجادي من ماء عطــفيه ويجني من متنه الورس
هذب في جنسه ونال المدىبنفسه فهو وحده جنس
أحرز آباؤه الفضيلة مذتفرست في عروقها الفرس
ليس بديعاً منه ولا عجباًأن تطرق الماء ورده خمس
يترك ما مر مذ قبيل بهكأن أدنى عهد به الأمس
وهو إذا ما ناجاه فارسهيفهم عنه ما تفهم الإنس
وهو ولما تهبط ثنيتهلا الربع في نقعه ولا السدس
وهو إذا ما رنا بمقلتهكانت سخاماً كأنها نقس
وهو إذا ما أعرت غرتهعينيك لاحت كأنها برس
ضمخ من لونه فجاء كأنقد كسفت في أديمه الشمس
كل ثمين من الثناء بهغير ثنائي فإنه بخس
قوله: «أصفر منها» مثل قوله في القصيدة التي قبلها: «أحمر منها»، يريد من الخيل، وهي في هذا الموضع عي قبيح، ولكنه تزيد على كل لكنة، و «العجس» والمعجس من القوس مقبض الرامي.
وقوله: «هاديه جذع من الأراك» غلط، لأن عيدان الأراك لا تسمى جذوعاً، ولا تعظم حتى تكون في امتلاء الجذوع، ولا استوائها ولا قريباً منها، و «الصلا» الظهر، و «الصخرة الجلس» يعني كفله، شبهه بالصخرة، لشدة لحمه وصلابته، أراد أن ينفي عنه الرخاوة، وقوله: «جلس» يريد متمكنة في موضعها.
و «الجادي» الزعفران، و «الورس» هو العصفر وهو الحص.
وقوله: «ورده خمس» أي ليس عجيبا أن يصبح السير، ويطرق الماء، أي: يأتيه طروقاً، أي مساء، وورده خمس، أي: لا يوصل إليه في المسير إلا في اليوم الخامس، فيسير هو في يوم واحد، لأنه ليس في ذكر الطروق فائدة إلا إذا كان السير من أول نهار ذلك اليوم، وإلا فالكودن والحمير قد تطرق ذلك الماء بعد سير أيام ولذلك قال:
يترك ما مر مذ قبيل بهكأن أدنى عهد به الأمس
وإنما أراد السرعة.
وقوله: «لا الربع في نقعه ولا السدس» فالربع أراد جمع رباع، والسدس جمع سديس، وأراد الربع والسدس، فسكن عين الفعل، والرباعي من الخيل الذي قد سقطت رباعيته في السنة الرابعة، وفي السنة الخامسة هو قارح، وليس السديس من أوصاف الخيل، وإنما ذلك في الإبل، وهذا غلط منه إن كان أراد الخيل، وإن كان أراد الرباعي من الإبل، وهو الذي يلقى رباعيته في السنة السادسة، والسديس هو الذي يلقى السن التي بعد الرباعية في السنة التاسعة لا يلحقان نقعه -أي غباره- فذلك سائغ، أي أن الإبل لا تلحقه في الجري أو في السير.
ووجدت في في أكثر النسخ العتق:
وهو إذا ما أعرت عذرتهعينيك لاحت كأنها بري
و «العرس» من الفرس هي خصلة الشعر التي على قفاه، وليس بياض ذلك الشعر بمحمود، بل هو عندي عيب، كما أن بياض الناصية عيب ويسمى: السعف، وه من عيوب الخيل، وما أظنه قال إلا «غرته».
فهذا ما وجدت له من وصف الخيل في هذه القصائد الأربع، وليس له طبع في وصف الخيل يدل على ذلك قلة معرفته بها، وملابسته لها.
وقد قال البحتري وأحسن كل الإحسان:
مالت نواحي عرفه فكأنهاعذبات أثل مال تحت حمامه
واسود ثم صفت لعيني ناظرجنباته فأضاء في إظلامه
ومقد الأذنين يحسب أنهبهما يرى الشخص الذي لأمامه
يختال في استعراضه ويكب في اســتدباره ويشب في استقدامه
وإذا التقى الثفر القصير وراءهفالطول حظ عنانه وحزامه
وكأن فارسه وراء قذالهردف فلست تراه من قدامه
لانت معاطفه فخيل أنهللخيزران مناسب بعظامه
في شعلة كالشيب مر بمفرقيغزل لها عن شيبه بغرامه
ومردد بين القوافي يجتنيما شاء من ألف القريض ولامه
وكأن صهلته إذا استعلى بهارعد تقعقع في ازدحام غمامه
مثل الغراب بدا يباري صحبهبسواد نقبته وحسن قوامه
أو كالعقاب نقض من عليائهفي باقر الصمان أو أرامه
لا شيء أجود منه غير فتى غدامن جوده الأوفى ومن إنعامه
أرسلته ملء العيون مسلماًمنها لشهوتها لطول دوامه
وكأن كل عجيبة موصولةبتقسم اللحظات في أقسامه
والطرف أجلب زائر لمؤونةما لم تزره بسرجه ولجامه
قوله: «ومقدم الأذنين» بكسر الدال، يريد أن ينصبهما، وإذا فعل ذلك فإلى قدامه ينصبهما، وإنما يفعل الفرس ذلك لأنه يصغي بها فيسمع الشيء على بعد، يقال: «أسمع من فرس»، وكلما أنس شيئاً أو خاف من شيء عرفت ذلك من نصبه أذنيه وتقديمه إياهما.
وقوله: «يختال في استعراضه» أي: إذا استعرضته فرأيته من عرضه رأيت خيلاءه، وقوله: «ويكب في استدباره» أي: إذا رأيته مستدبراً رأيته كالمكب لارتفاع كفله، وقوله: «ويش في استقدامه» أي: إذا رأيته من مقدمه مقبلاً كأنه قد شب لإشراف رأسه وعنقه، وهذا أوضح وأحسن ما يكون من أوصاف الخيل، وذلك كما قال ابن قيصر -وكان أعلم الناس بالخيل-: خير الخيل ما إذا استقبلته أقعى، وإذا استدبرته جبي، وإذا استعرضته استوى.
والمقعي: يرفع مقدمه ويخفض مؤخره، والمجبى: الذي يرفع مؤخره ويخفض مقدمه، وهذا وصف البحتري بعينه.
وقوله: «وإذا التقى الثفر القصير وراءه»، إنما جعله قصيراً ليدل على قصر ظهر الفرس، وذلك هو المحمود في الظهر، والطول مذموم فيه، وقوله: «فالطول حظ عنانه وحزامه»، لأن العنان إنما يطول لطول عنق الفرس، وكلام طالت عنق الفرس كان أعتق له وأكرم وأسرع إذا عدا، وإذا طال الحزام فإنما هو لانتفاخ جوفه، وذلك هو المحمود وضده الهضم، فوصفه في هذا البيت بطول العنق وانتفاخ الجنين وقصر الظهر فأحسن كل الإحسان، وأتى من الوصف بالصواب كله في أجود لفظ وأحسن نسج.
وقوله: «وكان راكبه وراء قذاله ردف» أي: وكأن راكبه ردف وراء قذاله، أي تحسبه رديفاً لإشراف رأسه وعنقه، فلست تراه من قدامه.
وقوله: «وبشعلة كالشيب ...» أحسن فيه كل الإحسان لأنه يصف فرساً أدهم، فأراد أن شعلته شعرات بيض يسيرة في دهمته، كما يبتديء الشيب بمفرقي الرجل الغزل فيلهى عنه، ولا يزيله بخضاب وغيره لاشتغاله بلهوه وغرامه، وهذا أحسن وأصح وأليق ما يكون من الأوصاف في مثل هذا المعنى لا قول أبي تمام:
وبشعلة نبذ كأن فليلهاي صهوتيه بدو شيب المفرق
وهو يصف فرساً أبلق.
وقوله: «للخيزران مناسب لعظامه» تشبيه في غاية الصحة والاستقامة.
وقوله: «مثل الغراب» يريد سواده واستواءه، يعني الغراب الأسود.
وقوله: «أو كالعقاب من عليائه» رديء، لأن العقاب أنثى، قال: امرؤ القيس: عقاب تدلت من شماريخ ثهلان
وقد ذكرها وعلة الجرمي فقال:
عقاب تدلي عند تيمن كاسر
وأظنه أخرج كاسراً مخرج، جارية بالغ وطاهر، أي ذات بلوغ وطهر، وناقة ضامر ونازع إلى وطنها، كما يقال للجمل عاقر، وعانس للرجل والمرأة، وقوله: «في باقر الصمان أو أرامه» يريد بقر الصمان، و «الصمان» موضع و «الأرام» الظباء البيض الخالصة البياض، والأدم أيضاً البيض إلا أنها تعلوها كدرة فيها غبرة، واحدها رئم، أي انقضت على البقر أو أولاد البقر والظباء شبه الفرس إذا عدا بها في تلك الحال.
وقوله:
لا شيء أجود منه غير فتى غدامن جوده
أي: غير فتى الفرس من جوده، أي من بعض جوده وإنعامه.
وقوله: «أرسلته» أي: أرسلته إلي، لأنه حمله عليه، «ملء العيون» لأنها لا تقلع عن النظر إليه، يقال: هو يملأ العين والقلب، أي يملأهما حسناً و «مسلماً منها» أي من العيون لا يصاب بها لشهوتها لنقائه وسلامته، وذلك أن أكثر الإصابة بالعين إنما يقع من الحاسد والمبغض بإدارة النظر إلى الشيء.
وقوله: «وكأن كل عجيبة» من أوصافه، «موصولة بتقسم اللحظات» أي: يتفرقها في أقسامه، أي في أجزائه وأعضائه.
وهذه القصيدة من إحسانه المشهور.
وقال البحتري أيضاً في قصيدته التي على الجيم يمدح أبا نهشل بن حميد ويستهديه فرساً:
فأعن على غزو العدو بمنطوأحشاؤه طي الكتاب المدرج
إما بأشقر ساطع أغشى الوغىمنه بمثل الكوكب المتأجج
متسربل شية طلت أعطافهبدم فما تلقاه غير مضرج
أو أدهم صافي السواد كأنهتحت الكمى مظهر بيرندج
ضرم يهيج السوط من شؤبوبههيج الجنائب من حريق العرفج
خفت مواقع وطئه فلو أنهيجري برملة عالج لم يرهج
أو أشهب يقق يضيء وراءهكفل كمتن اللجة المترجرج
تخفى الحجول وما بلغن لبانهفي أبيض متألق كالمدلج
أوفى بعرف أسود متغرببفيما يليه وحافر فيروزجي
أو أبلق يلقى العيون إذا بدامن كل لون معجب بنموذج
جذلان تحسده الجياد إذا مشىعننا بأحسن حلة لم تنسج
أرمى به شوك القنا وأوردهكالسمع أثر فيه شوك العوسج
وأقب نهد للصواهل شطرهيوم الفخار وشطره للشحج
خرق يتيه على أبيه ويدعىعصبية لبنى الضبيب وأعوج
مثل المذرع جاء بين عمومةفي غافق وخؤولة للخزرج
لا ديزج يصف الرماد ولم أجدحالاً تخسس من وراء الديزج
وعريض أعلى المتن لو عليتهبالزئبق المنهال لم يترجرج
خاضت قوائمه الوثيق بناؤهاأمواج تحنيب بهن مدرج
ولأنت أبعد في السماحة همةمن أن تضن بمركب أو مسرج
قوله: «فما تلقاه غير مضرج»، لأن الضرج الحمرة.
وقوله: «مظهر بيرندج» هي لفظة فارسية، وأظنه جلداً أسود، وقوله: «كمتن اللجة ...» إذا ترجرج لحمه.
وقوله: «تخفى الحجول ...» يريد أن بياض قوائمه ليس هو من أجل بياض شهبته، فهي خافية فيه لا تتبين، أي لو أن هناك تحجيلاً في أصل خلقته، ولو اتصل بياضه حتى يصل إلى لبانه، لخفي في شدة بياض شهبته، كأنه يؤكد نقاء بياضه، فقوله: «متألق كالدملج» لفظ ومعنى في غاية الحسن وصحة التشبيهن وكذلك قوله: «حافر فيروزجي»، لأنه إذا كان ذلك ذلك لونه دل على شدته.
وقوله: «إذا مشى عننا» أي اعتراضاً، كما يعن الماشي، أي يعرض حتى تراه.
وقوله: «أرمى به شوك القنا ...» إلى أخر البيت، من أحسن كلام وأفصحه وأبرعه وأشبهه بكلام الأوائل، وعلى أنها طريقته التي لا يكاد يزول عنها إلا غالطاً.
«وأقب نهد» يريد بغلاً مشرفاً، «للصواهل» يريد الخيل، و «الشحج» الحمير.
«خرق يتيه على أبيه» أي يترفع عنه، «ويدعي عصبية لبني «الضبيب» وأعوج»، «فالضبيب» فرس مشهور من خيل طيء، «وأعوج» فرس، وهما أعوجان، فالأعوج الأكبر من خيل «غنى» والأعوج الأصغر «لبني هلال».
وقوله: «خرق» يريد أخرق، كما يقال أحمق وحمق أي: هو أخرق في سيره، والخرق الجهل، كأنه الذي يخبط بيده في سيره من النشاط، فيقال: ناقة خرقاء كذلك لنجاتها، قال الشاعر يصف ناقة:
فهي صناع الرجل خرقاء اليد
يصف ناقة تخبط السير خبطاً من نشاطها، والرجل لما كانت تابعة لليد جعلها صناعاً لاتباعها، وجعل اليد مخصوصة بالخرق لأنها المبتدئة.
وقوله: «مثل المذرع» فالمذرع الكريم الأم الوضيع الأب، و «غافق» حي من أحياء اليمن، أظنهم من الأزد، وهو مأخوذ من الغفق، وهو الهجوم على الشيء، كأنه يخسس أمر غافق ويعظم أمر الخزرج.
وقوله: «خاضت قوائمه الوثيق بناؤها ...» قد شرحته في جزء أخرجت فيه الغامض من معانيه، فاطلبه هناك.
وهذا من مشهور إحسان البحتري في نعت الخيل.
وقال في قصيدة يخاطب فيها محمد بن عبد الله بن طاهر:
غرام ما أتيح من الغرام
أراجعتي يداك بأعوجيكقدح النبع في الريش اللوام
بأدهم كالظلام أغر يجلوبغرته دياجير الظلام
تقدم في العنان فمد منهوضبر فاستزاد من الحزام
ترى أحجاله يصعدن فيهصعود البرق في الغيم الجهام
وما حسن بأن تهديه فذاسليب السرج منزوع اللجام
فأتمم ما مننت به وأنعمفما المعروف إلا بالتمام
وقال يخاطب أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد:
إما ألم فبعد طول تجنب
هل أنت مبلغي التي أغدو لهابمقلص السربال أحمر مذهب
لو يوقد المصباح منه لسامحتبضيائه شية كوهي الكوكب
إما أغر تشق غرته الدجىأو أرثم كالضاحك المستغرب
متقارب الأقطار يملأ حسنهلحظات عين الناظر المتعجب
وأجل سيبك أن تكون قناعتيمنه بأشقر ساطع أو أشهب
وإذا التقى شعري وجودك يسراً النــيل الجزيل وثنيا بالمركب
قوله: «مقلص السربال» يريد أن قوائمه معروقة عارية من اللحم، فكأنه قد جعل لحمه كسوة لا تصل إلى قوائمه، فكان بذلك مقلص السربال، وكان بعض الشيوخ يقول: إنما عنى فرساً خلوقياً مجيباً، فبياض التجبيب إلى ركبه، فذلك هو تقليص السربال.
وقوله: «كوهي الكوكب» قد مضى تفسيره عند تفسير قوله تعالى في وصف الخمر:
من كميت تقولها وهي نجمضوأ الليل أو مجاجة شمس
وقوله: «إما أغر» والغرة من الفرس: فوق الدرهم، والقرحة: قدر الدرهم، والأرثم: إذا كانت بجحفلته العليا بياض، وذلك مما يستحسن، فإن كان البياض بالسفلي فهو ألمظ وقوله: «كالضاحك المستغرب» تشبيه لطيف حسن.
وقوله: «متقارب الأقطار» لفظ ومعنى ما لحسنها نهاية.
وقوله: «وأجل سيبك» كأنه استعفى من الأشهب، والأشقر، ولم يكره كل أشقر وأشهب، وإنما عنى دابتين كانتا عند أبي صالح بأعيانهما، أشقر وأشهب، واقترح عليه غيرهما.
وقال يمدح محمد بن علي القمي، ويصف فرساً حمله عليه، ويستهديه سيفاً:
وأغر في الزمن البهيم محجلقد رحت منه على أغر محجل
كالهيكل المبني إلا أنهفي الحسن جاء كصورة في هيكل
وافى الضلوع يشد عقد حزامهيوم اللقاء على معم مخول
أخواله للرستمين بفارسوجدوده للتبعين بموكل
يهوي كما تهوي العقاب وقد رأتصيداً وينتصب انتصاب الأجدل
تتوهم الجوزاء في أرساغهوالبدر فوق جبينه المتهلل
متوجس برقيقتين كأنمايريان من ورق عليه موصل
ذئب كما سحب الرداء يذب عنعرف وعرف كالقناع المسبل
ما إن يعاف قذى ولو أوردتهيوماً خلائق حمدويه الأحول
جذلان ينفض عذرة في غرةيقق تسيل حجولها في جندل
كالرائح النشوان أكثر مشيهعرضاً على السنن البعيد الأطول
ذهب الأعالي حين تذهب مقلةفيه بناظرها حديد الأسفل
صافي الأديم كأنما عنبيت لهلصفاء نقبته مداوس صيقل
وكأنما نفضت عليه صبغهاصهباء للبردان أو قطربل
لبي القنوء مزعفراً ومعصفراًيدمى فراح كأنه في خيعل
وتخاله كسي الخدود نواعماًمهما تواصلها بلحظ تحجل
وتراه يسطع في الغبار لهيبهلوناً وشداً كالحريق المشعل
وتظن ريعان الشباب يروعهمن جنة أو نشوة أو أفكل
هزج الصهيل كأن في حيزومهنبرات معبد في الثقيل الأول
ملك العيون فإن بدا أعطينهنظر المحب إلى الحبيب المقبل
قوله: «وينتصب انتصاب الأجدل» يريد الصقر وليس بأحسن تصرفاً من الغراب، ولكن لما شبهه في هويه بالعقاب، شبهه في انتصابه بالأجدل.
وقوله: «متوجس» أي: مستمع، والفرس كثير التوجس بأذنيه وبعيد الاستماع، يقال: أسمع من فرس، وقوله: «برقيقتين»، لأنه يستحب في الأذن الانتصاب والرقة، وقوله: «كأنما تريان» أي كأنما تظنان من ورق موصل عليه لرقتها وكثرة حركتهما.
وقوله: «ذنب كما سحب الرداء» قد ذكرته في أغاليطه، و «عرف كالقناع المسبل» معنى حسن صحيح.
وقوله: «ما إن يعاف قذى ولو أوردته ....» معنى في غاية البراعة والصحة والجودة، لأنه يستحب من الفرس أن يأكل من كل ما وجد ويشرب من كل شيء، ولا يعاف الأقذار والأوساخ في مأكله ولا مشربه.
وقوله: «يتفض عذرة في غرة» فالعذرة: شعر قفاه، وهي ها هنا خصلة شعر ناصيته، وكل خصلة من الشعر عذرة.
وقوله: «ذهب الأعالي»، لأنه يصف فرساً خلوقياً، و «حديد الأسفل»، وهذه قسمة في غاية الحسن والصحة.
وقد كرر ذكر شية الفرس في ثلاثة أبيات أخر متوالية، وليس هذا من أفعاله، فقال:
وكأنما نفضت عليه صبغها ....
وقال:
لبس القنوء مزعفراً ومعصفرا ...
وقال:
وتخاله كسي الخدود نواعماً ...
والشعراء أهل الشره، يفعلون هذا، ومثله في بلاغته وبراعته كان يكفيه من هذه الأبيات بيت واحد.
و «الخيعل» القميص الذي لا كمي له، وهو ليس من لباس النساء، والمرأة أبداً تصبغه بالزعفران والعصفر مع شيء من الطيب فتطرحها على جسدها تتطيب به، فإذا رتفع بياض التحجيل عن أوظفة الفرس حتى يكون مجبباً أو فوق التجبيب كانت شيته كالقميص الذي لا كم له.
وقوله: «وتراه يسطع في الغبار لهيبه لوناً وشدا ....» معنى حسن جداً.
وقوله: «وتظن ريعان الشباب ...» أي: قوة الشباب تفزعه، أي تحسب قوة ذاك من جنة أو نشوة أو أفكل، يريد بذلك كله قلقه وكثرة حركته، أي ليس له معها استقرار من نشاطه وعزة نفسه.
ويعاب عليه: «نبرات معبد الثقيل الأول» فلم يصرف معبداً، والمتأخرون لا يعرون من اللحن، وقد قال أبو تمام:
صلتان يبسط إن ردى أو إن غدافي الأرض باعاً منه ليس بضيق
ولهما لحون في مواضع أخر.
وهذه القطعة أيضاً من مشهور إحسانه، وعجيب أوصافه.
ومما يتجاوز كل صحة وحسن وحلاوة قوله يمدح المتوكل على الله ويصف خيل الحلبة، وقد ألبس السودان الذين يجرونها ألوان الحرير:
يا حسن مبدى الخيل في بكورهاتلوح كالأنجم في ديجورها
جاءت وقد أبدع من تشهيرهامصور من أحسن تصويرها
تحمل غرباناً على ظهورهافي السرق المنقوش من حريرها
إن حاذروا النبوة من نفورهاأهووا بأيديهم إلى نحورها
كأنها والحبل في صدورهاأجادل تنقض في سيورها
مرت تباري الريح في مرورهاترى الرجال شرفاً لسورها
والشمس قد غاب ضياء نورهافي الرهج الساطع من تنويرها
حتى إذا أصغت إلى بدورهاوهطلت تنصب في حدورها
تصوب الطير إلى وكورهاأعطي فضل السبق من جمهورها
من فضل الأمة في أمورهافي فضلها وبذلها وخيرها
جعفر الذائد عن ثغورهاتبهى به وهو على سريرها
خليفة وفق في تدبيرها
ومثل هذا الجنس من الألفاظ والمعاني لا يأتي بها إلا عربي اللفظ عربي المعرفة بما ينثر وينظم.
وقال يخاطب عبد الرحمن بن خاقان:
أضحت بمرو الشاهجان منادحي
إني أقول ولا أقول معرضاًفي ذكر مكرمة بعبثة مازح
أي: إني أقول وما أعرض بذكر المكارم مازحاً لأنبهك، أي على نائل تنيله، بل أقول على سبيل الحقيقة:
ماذا ترى في مدمج عبل الشوىمن نسل أعوج كالشهاب اللائح
لا تربه الجذع الذي يعتاقهوهن الكلال وليس كل القارح
عنق كقائمة القليب تعطفتأوداً ورأس مثل قعب المائح
يختال في شية يموج ضياؤهاموج القتير على الكمي الرامح
لو يكرع الظمآن فيها لم يملطرفاً إلى الماء الزلال السائح
أهديته لتروح أبيض واضحاًمنه على جذلان أبيض واضح
فتكون أول سنة مأثورةأن يقبل الممدوح رفد المادح
إذا فني الماء من البئر وبقي ما لا تخرجه الدلو، نزل المائح وله قعب فيجمع فيه الماء ثم يصبه إلى الدلو حتى يملأها.
وقوله: «موج القتير» والقتير مسامير الدروع، ويقال رؤوس المسامير، وإنما يريد الدرع نفسها، ولم يخص الرامح ها هنا بقوله لأن فيه علة في هذا الموضع ليس للسيف، ولو كانت القافية على الفاء حتى يقول: «الكمي السائف» لكان أيضاً صحيحاً مستقيماً، وإن كان لفظ «الرامح» أحسن وأكثر في الاستعمال.
وهذا أليق الأوصاف وأحسن المذاهب في نعوت الخيل.
وقال البحتري في قصيدة أولها:
شد ما أغريت «ظلوم» بهجري
أي شيء ترى يكون وقد كثــرت فيه قصر الكميت وقصري
متعة العين من حلاوة مرعىورضى النفس من وثاقة أسر
حذفت من فضوله صحة العتــق فأدته كالجديل الممر
يتعالى به التدفق سيلاًكانكفات السري أسرع يجري
أو تقدي الشجاع بادر ينضومزقاً من قميصه المتفري
فهو يعطيك من تضرم شدنهيه العين من تضرم جمر
شية تخدع العيون ترى أنعليه منها سحالة تبر
صبغة الأفق عند آخر ليلمنقض شأنه وأول فجر
علك ابن الحصان تزداد في غيــظ أعادي بالحصان الطمر
فالجواد الأغر مثلك لا يمــنع مثلي من الجواد الأغر
قوله: «قصر الكميت وقصري» من قولهم: قصارك أن تفعل كذا، وقصرك أن تفعل كذا، أي: غاية أمرك الذي يزول معها طولك فتصير بها قصيراً.
كذا، فهو من القصر مأخوذ، كأنه أراد: أي شيء ترى يكون وقد كثرت في مسألتك الكميث انتهاء أمري وأمره حتى يقصر القول، ويقل ويسقط التكثير وترديد المسألة.
وقوله: «من حلاوة مرعى» يريد ما ترعاه العين، إذا كررت النظر إليه ورددته فيه، جعل ذلك مرعى للعين.
و «السري»: النهر ليس بالكبير العريض.
«أو تقدي الشجاع» يريد الحية، وتقديه: انصلاته في الجري وسرعته، «ينضو»: ينزع، «مزقاً»: قطعاً متمزقة من جلده، وذلك أن الحية إذا أراد أن يسلخ، وهو أن يرمي بجلدته كما ينسل الطائر إذا رمى بريشه سعى سعياً شديداً حتى يسلخها.
وقوله: «وهو يعطيك من تضرم شد» أي: يعطيك من تضرم عدوه، كما أعطى عينك لهباً من «تضرم جمر» يريد حمرة لونه التي كانت نهاية العين في الاحمرار، وهذا تمثيل حسن جداً.
وقوله: «صبغة الأفق بين آخر ليل» قد تقدم القول فيه.
وهذا منقول من يعلم أمر الخيل ويدري كيف يصفها وهذا باب البحتري فيه أشعر من أبي تمام وغيره من شعراء أهل زمانه، وإن كان العكوك قد أتى في قصيدته التي على الباء بكل معنى جيد، ولكن ليس فيها حلاوة ألفاظ البحتري ومعانيه.
وقد أحسن غير العكوك في وصفها ولكن في البيتين والثلاثة من القصيدة نحو قول مسلم بن الوليد:
وغيث من الوسمي جاد على الحمىفأبرز عن نور الأقاحي المكلل
غدوت عليه في مسارب وحشهبذي ميعة والشمس لم تترجل
نتجناه عن ريح وبرق فأسبلاشآبيبه كالعارض المتهلل
وقال ابن النطاح:
كميت كأن الريح حشو عظامهعلى أنه من جرية الماء أطلق
يشبه بالسيف الصقيل صريمةوجوهره من جوهر السيف أعتق
قوله: «كأن الريح حشو عظامه» حسن جداً، وفرس البحتري أسرع، لأنه قال:
جاري الجياد فطار عن أوهامهاسبقاً وكاد يطير من أوهامه
وقال:
مرت تباري الريح في مرورهاتصوب الطير إلى وكورها
فطيران الطير السريع أسرع من مر الريح.
ولم يأت أبو تمام في السرعة بشيء يعتد به، ولا في غيرها من الوصف.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع