من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ذكر الصلب على الجذوع وحمل الرؤوس
قال أبو تمام:
لما قضى رمضان فيه قضاؤهشالت به الأيام في شوال
أهدى لمتن الجذع متنيه كذامن عاف متن الأسمر العسال
لا كعب أسفل موضعاً من كعبهمع أنه عن كل كعب عال
سام كأن العز يجذب صبعهوسموه من ذلة وسفال
متفرغ أبداً وليس بفارغمن لا سبيل له إلى الإشغال
هذا كله من مشهور إحسانه وبارع قوله.
وقوله: «متفرغ أبداً .......» من الفلسفة العجيبة، وهو البيت الذي كان الكندي يعجب به.
وقال فيه:
ولقد شفى الأحشاء من برحائهاأن صار بابك جار مازيار
ثانيه هو كبد السماء ولم يكنلاثنين ثان إذ هما في الغار
وكأنما انتبذا لكيما يطوياعن ناطس خبراً من الأخبار
سود اللباس كأنما نسجت لهمأيدي السموم مدارعاً من قار
بكروا وأسروا في متون ضوامرقيدت لهم من مربط النجار
لا يبرحون ومن رآهم خالهمأبداً على سفر من الأسفار
قوله: «.... لم يكن لاثنين ثان إذ هما في الغار» من لحونه القبيحة، وقد ذكرته في جملة ما ذكرته من أغاليطه في المعاني.
وأما ناطس فلست أدري ما أراد به وأظنه عظيماً من عظماء أهل الشرك ممن كان تجب طاعته، كأنما أتاهما خبر فهما يتقاوضانه ويطويانه، وقد كنت سمعت فيه شيئاً أظنه هذا.
وقوله:
لا يبرحون ومن رآهم خالهمأبداً على سفر من الأسفار
مأخوذ من قول آخر وأنشده ثعلب:
قام ولما يستعن بساقهآلف مثواه على فراقه
وقال البحتري في صلب بابك يخاطب أبا سعيد:
ما زلت تقرع باب بابك بالقناوتزوره في غارة شعواء
حتى أخذت بنصل سيفك عنوةمنه الذي أعيا على الخلفاء
أخليت منه البذ وهي قرارهونصبته علماً بسامراء
لم يبق منه خوف بأسك مطعماًللطير في عود ولا إبداء
فتراه مطروداً على أعوادهمثل اطراد كواكب الجوزاء
مستشرقاً للشمس ممتداً لهافي أخريات الجذع كالحرباء
قوله: «بسامراء» من لحونه القبيحة، وإنما ذهب إلى أن جعلها اسماً واحداً كما تلفظ به العامة، وإنما هي: «سر من رأى».
وقوله: «مطرداً على أعواده» أي: يلوح، لأن الشمس صيرته كما ترى الكواكب، كأنها تتحرك، تطرد: أي يطرد ضوءها بعضه بعضاً، كأن الضوء يتدافع، وخص كواكب الجوزاء لأنها كهيئة الإنسان المصلوب.
وقوله: «في أخريات الجذع كالحرباء» ما زلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقولون إنه ما شبه المصلوب بأصح من هذا التشبيه ولا أقرب ولا أحسن لفظاً ولا أشبه بكلام العرب.
وأما ما تقدم من قول أبي تمام فإنه حكمة متقنة وفلسفة تفوق كل فلسفة وتتقدم معاني الناس في الرقة واللطافة.
وقال البحتري في قوم أخذوا ومعهم صليب لهم فصلبوا:
وما صليب ابن آشوط بأمنع منصليب برجان إذ خلوه وانجفلوا
أمسى يرد حريق الشمس جانبهعن بابك وهو في الباقين يشتعل
كأنهم ركبوا في الحرب وهو لهمبند فما لف مذ أوفى ولا نزلوا
تفاوتوا بين مرفوع ومنخفضعلى مراتب ما قالوا وما فعلوا
رد الهجير لحاهم بعد شعلتهاسوداً فعادوا شباباً بعدما اكتهلوا
وهذا مرعى ولا كالسعدان.
وقال:
قوم ترى أرماحهم يوم الوغىمشغوفة بمواطن الكتمان
يتسربلون أسنة وصفائحاًوالموت بين صفيحة وسنان
قوم إذا شهدوا الكريهة صيرواكمم الرماح جماجم الأقران
فهذا مأخوذ من قول مسلم:
يغشي السيوف نفوس الناكثين بهويجعل الهام تيجان القنا الذبل
وأخذه أبو تمام فأساء الأخذ وقبح لفظاً ومعنى، وسلك وجهاً آخر فقال:
بدلت أرؤسهم يوم الكريهة منقنا الظهور قنا الخطي مدعما
وإنما ألم مسلم بن الوليد بقول جرير:
كأن رؤوس القوم فوق رماحناغداة الوغى تيجان كسرى وقيصرا
وقال آخر:
سخطت جماجمهم على أجسادهمفتبدلت منها صدور رماح
ما واجهتك عقاب حرب مرةإلا كسرت جناحها بجناح
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع