من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه في وصف الدروع
قال أبو تمام:
تخذوا الحديد من الحديد معاقلاًسكانها الأرواح والأجسام
هذا كلام رائق وليس له مفتش، لأن المعاقل كلها لو كانت من صخر لصحت الفائدة وكان يقول: «تخذوا الحديد معاقلاً إذ كانت معال غيرهم الحجارة والشيد»، فيكون فضلهم على غيرهم إذ كانت معاقلهم من حديد ومعاقل غيرهم من الأبنية، ولو قال: «تخذوا الحديد من الحديد معاقلاً»، وتمم البيت بمعنى آخر لما كان ذلك منكراً، إذ ليست المعاقل والحصون من حديد.
ولما قال: «سكانها الأرواح والأجسام» لم يفدنا بهذا الكلام كبير فائدة، إذ المعاقل من أي جنس كانت لا يكون سكانها إلا الأرواح والأجسام.
والجيد النادر، والمعنى الصحيح في هذا قول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:
ولا لاقياً كعب بن عمرو يقودهاأبو دهثم نسج الحديد ثيابها
فجعل الحديد ثياباً وهي الدروع، ولا تسمى ثياباً، فأغرب بهذا اللفظ وأحسن، ولو قال: «نسج الحديد لباسها» لما كانت له غرابة، وإنما أراد: قد ألفوها فصارت لهم كالثياب، لا كلفة عليهم فيها، ونحوه قول جرير:
تردينا المحامل قد علمتمبذي لجب وكسوتنا الحديد
قوله: «تردينا المحامل» أي: جعلنا محامل السيوف على عواتقنا في موضع الأردية، وقد أحسن جداً.
ومثل هذا قول البحتري:
يهول العدى جده في ادخار قمص الحديد وأبدانه
فجعل الدروع قمصاً.
وقال في مثل هذا.
معاقلهم سمر القنا وعتادهمشريجان أسياف وقمص حديد
وأحسن من هذا كله وألطف قول البحتري:
ملوك يعدون الرماح مخاصراًإذا زعزعوها والدروع غلائلاً
يقول: لا كلفة عليهم من حمل الرماح، وأنها في أكفهم مثل المخاصر، وهي القضبان لخفتها عليهم، واعتيادهم لحملها، ولا ثقل عليهم من لبس الدروع، وأنها عليهم كالغلائل على الأبدان، وأنها ترفة لباسهم، كما أن الغلائل من ترف اللباس، فهذا هو البديع المفيد.
وكذلك قول البحتري:
ولم يدرع وشيء الحديد فيلتقيعلى شابك شاك حديد أظافره
فجعل الدروع كالوشي الذي يزين به.
وقال البحتري:
يمشون في زعف كأن متونهافي كل معركة متون نهاء
بيض تسيل على الكماة فضولهاسيل السراب بقفرة بيداء
وإذا الأسنة خالطتها خلتهافيها خيال كواكب في ماء
وهذا من إحسانه المشهور.
قوله: «سيل السراب» يريد إضاءة الدروع ولمعانها، شبهها بالسراب، لأنه يطرد كاطراد الماء، وشبه الأسنة فيه بالكواكب المرئية في الماء، وأظنه والله
أعلم قول سلم الخاسر:
قوم إذا لبسوا الحديد كأنهجاري السراب بقفرة ضحضاح
فقال: «سيل السراب بقفرة بيداء».
وقد قال قيس بن حوط التيمي:
إذا غدونا علينا كل سابغةكأنها من زلال الماء تطرد
فأحسن وأجاد، وأجود منه وأغرب لفظاص قول أنس بن الديان الحارثي:
وألبس في الروع فضفاضةكماء الغدير إذا نمنما
وقال ذواد بن الرقراق العقيلي:
وفرسان الحفاظ بكل ثغرإذا ما الريح زعزعت العقابا
كأن متونهن تظل تكسىشعاع الشمس أو ذهباً مذابا
وقال سالم بن قحطان العنبري -وتروى لمسكين الدارمي-:
تهش لعرفان الدروع جلودناإذا جاء يوم مظلم الشر كاسف
فريح الصدا المسود أطيب عندنامن المسك ذافته أكف ذوائف
تعلق في مثل السواري سيوفناوما بينها والكعب غوط نفانف
وهذا كله جيد نادر.
وأنشد المفضل لجذع بن عمرو الشيباني:
كالجن يمشون في الحديد فماتبصر إلا الأطراف والمقلا
وهذا يفوق كل حسن وصحة.
وقال:
علينا دلاص من تراث محرقكمثل السماء زينتها نجومها
وأين الطائيان من هذه المعاني وهذه المذاهب.
وقال محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي الحلبي:
نهنهت أولاها بضرب صائبهبر كما عط الرداء المعلم
وعلي سابغة كأن قتيرهاسلخ كسانيه الشجاع الأرقم
وشبه الدرع بجلد حية، وهذا أحسن تشبيه وأصحه وألطفه، في أبرع لفظ، وأجود سبك، وإنما أخذ المعنى من قول أخر وأنشده ثعلب:
ونثرة تهزأ بالنصالكأنها من خلع الهلال
وقال: الهلال: الحية.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع