تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

ذكر وصف رجال الحرب

قال أبو تمام:

مسترسلين إلى الحتوف كأنمابين الحتوف وبينهم أرحام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

هذا معنى ليس بالجيد، لأن الاسترسال قد يكون إلى ذوي الأرحام وقد لا يكون، وهل العداوة والشقاق والضغائن إلا بين ذوي الأرحام.

والجيد النادر في هذا قول البحتري:

تسرع حتى قال من شهد الوغىلقاء أعاد أم لقاء حبائب
للشاعر البحتري، من قصيدة «هبيه لمنهل الدموع السواكب»

ومثله في الجودة بل أوكد منه قوله أيضاً.

يمشون تحت ظبا السيوف إلى الوغىمشي العطاش إلى برود المشرب
للشاعر البحتري، من قصيدة «رحلوا فأية عبرة لم تسكب»

ثم قال بعد هذا ما هو أحسن من كل حسن، وأصح من كل صحة، وهو قوله:

يتراكمون على الأسنة في الوغىكالصبح فاض على نجوم الغيهب
للشاعر البحتري، من قصيدة «رحلوا فأية عبرة لم تسكب»

فإن كان سمع قول سلم الخاسر:

كأنه والقنا دوانيوم على ليلة مغير

فعليه -والله أعلم- حذا، ولا أدري أيهما أحلى وأبرع.

وقال بشار:

إذا الحرب قامت بهم شمرواوكأنوا أسنة خرصانها
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إذا الحرب قامت بهم شمروا»

وهذا أيضاً حلو في معناه.

وأجود منه وأحلى قول البردخت الضبي:

وأشجع من أبي شبلين وردوأنفذ في الكريهة من سنان

وقال البحتري:

وعصائب يتهافتون إذا ارتمىبهم الوغى في جاحم الهيجاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»
مثل اليراع بدت له نار وقدلفته ظلمة ليلة ليلاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»

وهذا أصح في المعنى وأشبه من كل ما مضى.

وقال أبو تمام:

حن إلى الموت حتى ظن جاهلهبأنه حن مشتاقاً إلى وطن
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «اليوم أدرج زيد الخيل في كفن»

وقد جاء البحتري بالوطن في موضع هو أليق به من هذا الموضع، فقال:

تسمو إلى حلل العلياء أنفسهمكأن أنفسهم يطلبن أوطانا
للشاعر البحتري، من قصيدة «بالله يا ربع لما ازددت تبيانا»

وذلك لذكره حلل العلياء.

وقد أتى به أيضاً في موضع ليس بجيد فيه، وذلك:

ألفوا الفراق كأنه وطن لهملا يقربون إليه حتى يبعدوا
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا يوم عرج بل وراءك يا غد»

وقال أبو تمام:

ركوب بأثباج المتالف عالمبأن المعالي بينهن المهالك
مطل على الروح المنيع كأنهلصرف المنايا في النفوس مشارك

وهذا من معانيه الجياد، جعله شريكاً للمنايا في القدرة على النفوس، وأبلغ من هذا وأوكد وأليق قوله:

لقيتهم والمنايا غير دافعةلما أمرت به والملتقى كبد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا»

وقال البحتري في نحوه، ومنه -والله أعلم- أخذ:

إذا التهبت في لحظ عينيه غضبةرأيت المنايا في النفوس تؤامره
للشاعر البحتري، من قصيدة «له الويل من ليل تطاول آخره»

فجعل المنايا مطيعة له، تفعل ما يأمرها به، فإن كانا جميعاً سمعا قول سلم الخاسر:

كأن المنايا عاملات برأيهإذا اختلفت أرماحه ومناصله

فمنه أخذا، أو أخذه أبو تمام فأخذه البحتري منه.

ومثله قول دعبل:

وترى المنايا تحت ظل لوائهطوع القواضب والوشج الذبل

وقد تجاوز سلم هذا المعنى إلى إفراط فقال:

تخشى المنايا حد صولتهوالجود عند عطائه بخل

فجعل المنايا تخشى حد صولته، وجعل الجود بخلا لعظم ما يعطى وينبل.

وما أحسن عنترة في قوله:

إن المنايا لو تمثل مثلتمثلي إذا نزلوا بضنك المنزل

وقال أبو تمام:

وسائل عن أبي حفص فقلت لهأمسك عنانك عنه إنه القدر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا هذه أقصري ما هذه بشر»

جعله ها هنا القدر، أراد أنه يدفع البؤس ويصرفه، وينفي العسر والفقر، لأنه قال بعد هذا:

فتى تراه فتنفي العسر غرتهنفياً وينبع من أسرارها اليسر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا هذه أقصري ما هذه بشر»

فوضع القدر ها هنا بحيث أراد أنه جالب للخير واليمن والغنى، وليس يليق القدر بهذا الموضع، ولو كان ذكره في حرب، وأنه منصب على النفوس انصباب القدر الذي لا مرد له، كان ذلك أليق وأشبه، كما قال البحتري:

ضرب الجبال بمثلها من رأيهغضبان يطعن بالحمام ويضرب
للشاعر البحتري، من قصيدة «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»
أوفى فظنوا أنه القدر الذيسمعوا به فمصدق ومكذب
للشاعر البحتري، من قصيدة «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»

ولكنه قد قال في موضع آخر وأجاد وأحسن:

بأسمح من غر الغمام سماحةوأشجع من صرف الزمان وأنجد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

ففضله في السماحة على غر الغمام، وفي البأس على صرف الزمان.

قال أبو تمام:

رآه العلج مقتحماً عليهكما اقتحم الفناء على الخلود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أظن دموعها سنن الفريد»

أخذه من قول مسلم بن الوليد:

موف على مهج في يوم ذي رهج كأنه أجل يسعى إلى أمل

وقد أحسن كل الإحسان الذي يقول:

سريع اختلاس الروح يغدو فلا يرىبه الباسل العادي إليه بباسل
كأن له عيناً إلى كل مهجةتطالع أو علماً بطرق المقاتل

وقال أبو تمام:

تناول الفوت أيدي الموت قادرةإذا تناول سيفاً منهم بطل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»

قوله: «تناول الفوت ...» عويص من عويصاته، وهو أيضاً محال، وإنما سمع قول سعد بن مالك:

هيهات حال الموت دون الفوت وانتضى السلاح
للشاعر سعد بن مالك البكري، اقرأ القصيدة

«فالفوت» هو النجاة، أي: حال الموت دون النجاة، وهذا صحيح مستقيم، فقال: «تناول الفوت أيدي الموت» وهذا محال، لأن النجاة لا تتناولها يد الموت ولا تصل إليها، وإلا لم تكن نجاة، وقد ذكرت هذا فيما قدمت ذكره من أغاليطه.

وقال أبو تمام:

بادي المحيا لأطراف الرماح فمايرى بغير الدم المعبوط ملتئما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصغى إلى البين مغترا فلا جرما»
يضحي على المجد مأموناً إذا اشتجرتسمر القنا وعلى الأرواح متهما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصغى إلى البين مغترا فلا جرما»

وهذا غاية في الحسن والصحة، ثم قال بعده:

قد قلصت شفتاه من حفيظتهفخيل من شدة التعبيس مبتسما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصغى إلى البين مغترا فلا جرما»

وإنما سمع قول عنترة:

لما رآني قد نزلت أريدهأبدى نواجذه لغير تبسم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

فوصفه بشدة الجزع لما أقبل نحوه، وذلك من أوصاف الجبناء لا الأبطال، وكذلك قوله:

قد قلصت شفتاه من حفيظته

من قول عنترة:

إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم

وهذا إنما يكون من الهول والشدة، فجعله أبو تمام من الحفيظة، وهي الغضب، وقد تعرض هذه الحال للغضبان، غير أنها تذكر عند الشدة والجهد والروع، فهذا موضعها المعروف الذي تستعمل فيه من الشعر.

وقد قال ابن هرمة:

كريم له وجهان وجه لذي الرضاأسيل ووجه للكريهة باسل

والوجه الأحسن قول أبي تمام:

كالليث ليث الغاب إلا أن ذافي الروع بسام وذاك شتيم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أسقى طلولهم أجش هزيم»

وقال البحتري:

ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهموللسيف حد حين يسطو ورونق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أفي كل دار منك عين ترقرق»
حياة وموت واحد منتهاهماكذلك غمر الماء يروي ويغرق

وهذا لا شيء أحسن منه ولا ألطف.

وقال الفرزدق:

إذا التقت الأبطال أبصرت لونهمضيئاً وأعناق الكماة خضوع

وكان ينبغي أن يقول: «وألوان الكماة كاسفة».

وأخذ المعنى منه مروان بن أبي حفصة وصحح قسمته فقال:

تمضي أسنته ويسفر وجههفي الروع عند تغير الألوان
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «هاجت هواك بواكر الأظعان»

وقال البحتري:

تبسم وقطوب في ندى ووغىكالبرق والرعد وسط العارض البرد
للشاعر البحتري، من قصيدة «إني تركت الصبا عمدا ولم أكد»

وهذا بيت رديء المعنى على ما أذكره، لأنه شبه تبسمه عند العطاء بالبرق، وهذا معنى صحيح مستقيم؛ لأن التبسم يلوح معه الثغر كما يلوح البرق، وإذا كان في وقت العطاء فإن العطاء يتبعه، كما أن الغيث يتبع البرق في أكثر أحواله.

وشبه القطوب بالرعد، وإنما كان ينبغي أن يشبهه بالمرئيات لا بالمسموعات، والرعد إنما يوضع في موضع التهدد والوعيد.

والقطوب أيضاً في الوغى لا يدل على شجاعة الشجاع، لأن الجبان أيضاً في الحرب مقطب مكلح، فليس القطوبة في هذه الحالة مدحاً، كالتبسم في حال

العطايا، لأن هذا دليل الكرم وذاك ليس بدليل على الشجاعة، بل دليل الشجاعة التبسم في الحرب كما قال:

ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهم

وكما قال أبو تمام:

إلا أن ذا في الروع بسام وذاك شتيم

وقد قال بشار:

إذا ما تردى عابساً فاض سيفهدماء ويعطي ماله إن تبسما
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ما ابن سليم سائرا بجياده»

قوله: «إذا ما ترى» أي: تقلد السيف، وقوله: «عابساً» أي: من الغضب، والمحارب لا ينكر منه الغضب، والغضبان يعبس وهو آمن، فليس ها هنا بمدح، وأما تقليص الشفة فأكثر ما يعرض من شدة الفزع، وخاصة في الحرب.

قال أبو تمام:

لفظ لأخلاق التجار وإنهملغد بما ادخروا له لتجار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»
ومجربون سقاهم من بأسهفإذا لقوا فكأنهم أغمار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»

أخذ معنى البيت الأول من قول الشاعر:

يبيع ويشتري لهم سواهمولكن بالطعان هم تجار

ولكنه ذهب إلى غرض آخر فأفسد المعنى، وأخذ معنى البيت الثاني قول قطري بن الفجاءة، وعكسه وكلا المعنيين جيد، وبيت قطري أبرع وأجود لأنه قابل بين المعنيين في نصف بيت، وذلك قوله:

ثم انثنيت وقد أصبت ولم أصبجذع البصيرة قارح الإقدام

وذهب البحتري أيضاً في هذا الشعر إلى ما ذهب إليه أبو تمام حين عكس بيت قطري ابن الفجاءة فقال:

مالك له في كل يوم كريهةإقدام غر واعتزام مجرب

وقد أتى أبو تمام بمعنى قطري بعينه فقال في أبي سعيد:

كهل الأناة فتى الشذاة إذا غداللحرب كان القشعم الغطريفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أطلالهم سلبت دماها الهيفا»

وقال أبو تمام وقد ذكر الخيل:

يحملن كل مدجج سمر القنابإهابه أولى من السربال
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «آلت أمور الشرك شر مآل»
خلط الشجاعة بالحياء فأصبحاكالحسن شيب لمغرم بدلال
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «آلت أمور الشرك شر مآل»

فقوله:

سمر القنا بإهابه أولى من السربال

إنما سمع قول عنترة:

فشككت بالرمح الأصم ثيابهليس الكريم على القنا بمحرم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

فظن أن عنترة أراد الثياب نفسها، وإنما أراد الرجل نفسه لا الثياب كما قال الأغلب:

أوجب حجاً في ثياب دسم

أي: في نفس كثيرة الخطايا والذنوب، فكنى عن النفس بالثياب، وعن وعن الثياب الدسم، وهو يريد الوسخ، ومثل هذا موجود في كلامهم، وقد قيل:

«وثيابك فطهر» أي: نفسك في بعض تفسير الآية، وقال أبو تمام:

سمر القنابإهابه أولى من السربال

مظهراً لمخالفة عنترة إلى ما هو أولى عنده، ولم يعلم ما ذهب إليه عنترة، وقد بين المعنى أبو محجن الثقفي فقال:

وما رمت حتى خرقوا برماحهمثيابي وجادت بالدماء الأباجل
للشاعر أبو محجن الثقفي، من قصيدة «أنى تسدت نحونا أم يوسف»

وما أحسن ما قال منصور النمري:

ترى الخيل يوم الروع يظمأن تحتهوتروى القنا في كفه والمناصل
حلال لأطراف الأسنة نحرهحرام عليها متنه والكواهل

وقد قيل: «فشككت بالرمح الأصم ثيابه»، أي: درعه.

وقوله: «خلط الشجاعة بالحياء»، من قول ليلى الأخيلية:

فتى هو أحيا من فتاة حييةوأشجع من ليث بخفان خادر

ولكنه مثله بمثال في غاية الحلاوة والحسن على ظاهره، وهو قوله: «كالحسن شيب لمغرم بدلال»، فجعل الحسن بإزاء الحياء، لأن الحياء يعصفر الوجه الجميل فيزيده حسناً، وجعل الدلالة بإزاء الشجاعة، ولو قال: «كالحسن شيب لمغرم بقسوة»، حتى تكون القسوة بإزاء الشجاعة، أو «بسطو عليه»، أو «بظلم» أو «تعد»، كان أكشف للمعنى، ولكن لفظة الدلال مع الحسن من أليق شيء بشيء، على أن المدل يقسو ويتعدى ويظلم، فلا أرى شيئاً أحسن من الدلال في هذا الموضع.

وقال أبو تمام:

إذا كانت الأنفاس جمراً لدى الوغىوضاقت ثياب القوم وهي فضافض
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «مهاة النقا لولا الشوى والمآبض»
بحيث القلوب الساكنات خوافقوماء الوجوه الأريحيات غائض
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «مهاة النقا لولا الشوى والمآبض»
فأنت الذي تستنطق الحرب باسمهإذا جاض عن حد الأسنة جائض
إذا قبض النقع العيون سمالهاهمام على جمر الحفيظة قابض

قوله: «وأنت الذي تستنطق الحرب باسمه»، ليست قسمته مع عجز البيت قسمة مؤتلفة على ظاهر اللفظ، وإنما يأتلف المعنى على التأول، وكان اللفظ يحسن في القسمة لو قال: «وأنت الذي تستنطق الحرب باسمه، إذا كان اسم غيرك يخرسها ولا ينطقها» وإنما يريد: يوريها ويشعلها، أو أن يقول:

وأنت الذي يغشى الأسنة مقدماًإذا جاض عن حد المنية جائض

والقسمة الصحيحة في هذا قول البحتري:

إذا خرس الأبطال في حمس الوغىعلت فوق أصوات الحديد زماجره
للشاعر البحتري، من قصيدة «له الويل من ليل تطاول آخره»

وسائر أبيات أبي تمام في غاية الجودة والصحة.

وقال البحتري:

غمام حياً ما تستريح بروقهوعارض موت ما تفيل رواعده
للشاعر البحتري، من قصيدة «دنا السرب إلا أن هجرا يباعده»
تظل العطايا والمنايا قرائناًلعاف يرجيه وغاو يعانده
للشاعر البحتري، من قصيدة «دنا السرب إلا أن هجرا يباعده»
إذا فترقت أسيافه وسط جحفلتفرق عنه هامه وسواعده

وهذا غاية في الحسن والصحة، ولو كان أبو تمام القائل لهذا لقال: «إذا اجتمعت أسيافه وسط جحفل» ليكون الاجتماع والتفرق طباقاً، والبحتري لا يقصد هذا في كل الأحوال، إنما قصده أن يجيد اللفظ والسبك.

وقال:

مزقت أنفسهم بقلب واحدجمعت قواصيه وقلب أوحد
في فتية طلبوا غبارك إنهرهج ترفع عن طريق السؤدد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أصبا الأصائل إن برقة منشد»
كالرمح فيه بضع عشرة فقرةمنقادة تحت السنان الأصيد

وهذا في غاية الحسن والجودة، وتشبيه في غاية القرب والحلاوة.

وقال:

نعم المفرق من أعناق مأسدةقد التقت بصفيح الهند تجتلد
للشاعر البحتري، من قصيدة «يكاد يبدي لسعدى غيب ما أجد»

وهذا بيت حلو المعنى جداً.

وقال أبو تمام في أبي سعيد:

وفي أبرشتويم وهضبتهاطلعت على الخلافة بالسعود
بضرب ترقص الأحشاء منهوتبطل مهجة البطل النجيد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أظن دموعها سنن الفريد»
وبيت البيات بعقد جأشأشد قوى من الحجر الصلود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أظن دموعها سنن الفريد»
رأو ليث الغريفة وهو ملقذراعيه جميعاً في الوصيد
عليماً أن سيرفل في المعاليإذا ما بات يرفل في الحديد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أظن دموعها سنن الفريد»

قوله: «يرفل في المعالي» استعارة قبيحة، لأنه يحط المعالي حتى يجرها على الأرض، فتصير حينئذ غير معال، ولو استوى له أن يقول: يرفل في السؤدد، أو في المجد، كان أقل قبحاً، ومثل هذا قوله:

سعى فاستنزل الشرف اقتساراًولولا السعي لم تكن المساعي

وليس ينبغي للشاعر -إذا لم يساعده الوزن- أن يعذر نفسه، ويركب المحال.

وقال أبو تمام في مدح ابن أبي دؤاد:

يفرج منهم الغمرات بيضجلاد تحت قسطلة الجلاد
لهم جهل السباع إذا المناياتمشت في القنا وحلوم عاد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»

قوله: «بيض جلاد» يعني: رجالاً لا سيوفاً، لأن السيوف لا توصف بالجلاد، وهذا في غاية الجودة والرصانة، يقال: جلد وجلاد مثل كلب وكلاب.

وقال في عبد الله بن طاهر:

ويا أيها الساري اسر غير محاذرجنان ظلام أو ردى أنت هائبه
فقد بث عبد الله خوف انتقامهعلى الليل حتى ما تدب عقاربه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»

وهذا غاية في النجدة والبأس وعظم الهيبة.

وما وصف أحد الشجاع في الحرب بأبلغ من قول زهير:

ليس بعثر يصطاد الرجال إذاما الليث كذب عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنواضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

والقتال لا يكون بأكثر من هذه الأحوال، فجمعها في بيت واحد، وهذه براعة لا يقدر عليها الطائيان ولا أمثالهما، ولم أرهما وصفا أحوال الطعن والضرب، فإن الناس قد تقدموا في هذا الباب بما بالغوا فيه واستقصوا، ومن ذلك قول قيس بن الخطيم:

يرى قائم من دونها ما وراءها

وقول قيس بن الخطيم أيضاً:

أتتك المنايا من بلاد بعيدةبمنخرق السربال عبل المناكب
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
أخي العرف والنكراء يعدل دفهبأبيض سقاط وراء الضرائب

وقال النمر:

تكاد تحفر عنه إن ضربت بهبعد الذراعين والساقين والهادي

وقال آخر:

وفارس جللته ضربةفبان عن منكبه الكاهل
فصار ما بينهما رهوةيمشي بها الرامح والنابل

وقال الفرزدق:

ولولا الحياء زدت رأسك هزمةإذا سبرت ظلت جوانبها تغلي
بعيدة ما بين الصدوع كأنهاركية لقمان الشبيهة بالدحل

ومثل هذا كثير.

وقال البحتري في أبي مسلم الكجي:

إذا ارتد يوم الحرب ليلاً رددتهنهاراً بلألاء السيوف الصوارم
للشاعر البحتري، من قصيدة «دموع عليها السكب ضربة لازم»
وإن غلت الأرواح أرخصت سوقهاهنالك في سوق من الموت قائم
بضرب يشيد المجد في كل موقفويسرع في هدم الطلى والجماجم
للشاعر البحتري، من قصيدة «دموع عليها السكب ضربة لازم»
فتصرف وجه المجد أبيض مشرقاًبوجه من الهيجاء أغبر قاتم

وهذا جيد حسن لفظه ومعناه.

وأقول في الموازنة بينهما: أنهما جميعاً قد أحسنا في هذا الباب وأساءا، ولكني أفضل أبا تمام على البحتري لقول أبي تمام:

لهم جهل السباع إذا المناياتمشت في القنا وحلوم عاد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.