من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه في وصف الحرب
قال أبو تمام:
في معرك أما الحمام فمطرفي هبوتيه والكماة صيام
والضرب يقعد كل قرم كتيبةشرس الضريبة والحتوف قيام
ففصمت عروة جمعهم فيه وقدجعلت تفصم من عراها الهام
«الهبوة»: الغبرة، وجعلها هبوبتين، يريد غبرة هؤلاء وهؤلاء في الكر والرجوع، وقد يجوز أن يكون أراد هبوة واحدة فثناها مرتين، و «الضريبة» الخلق والطبيعة.
وقال في مدح أبي سعيد:
ويوم يظل العز يحفظ وسطهبسمر العوالي والنفوس تضيع
مصيف من الهيجا ومن جاحم الوغىولكنه من وابل الدمع مربع
«المصيف»: هو الموضع الذي يصيفون فيه، و «المربع»: منزلهم الربيع ووقت المطر والخصب.
وقال أبو تمام:
ومشهد بين حكم الذل منقطعصاليه أو بحمام الموت متصل
ضنك إذا خرست أبطاله نطقتفيه الصوارم والخطية الذبل
لا يطمع المرء أن يجتاب ظلمتهبالقول ما لم يكن جسراً له العمل
قوله: «بين حكم الذل» رديء، لأن حكم الذل ليس يراد به أشياء متفرقة، فيصلح فيها بين، لأن حكم الذل، والذل بمنزلة، وكذلك حكم العز والعز وحكم الظلم والظلم، وحكم العدل والعدل، وقد بينت هذا في باب أغاليطه، وهو الجزء الثاني من جملة «كتاب الموازنة» ز
وليس هذا من اللحون التي يتجاوز في مثلها، مثل تسكين ما يجب أن يكون منصوباً، أو تحريك ما يجب أن يكون ساكناً ونحو ذلك، لأن هذا فساد في اللفظ، وذلك فساد في اللفظ والمعنى، وكان ينبغي أن يقول: ومشهد بين حكم الذل وحكم العز، لأنه قد قال: «منقطع صاليه» يريد فراره عن الحرب، «أو بحبال الموت متصل»، الذي لا يبرح مكانه حتى يقتل أو يظفر.
ثم قال:
جليت والموت مبد حر صفحتهوقد تفرعن في أفعاله الأجل
وقد عابه الناس بهذا، وقالوا: اشتق للأجل -الذي هو مطل على النفوس- فعلاً من اسم فرعون، وقد أتى الأجل على نفس فرعون، وعلى كل فرعون، وقد أتى الأجل على نفس فرعون، وعلى كل فرعون، كان على وجه الأرض.
وقال:
وإذا كان عارض الموت سحاخضلاً بالردى أجش هزيما
في ضرام من الوغى واشتعاليحسب الجو منهما محموما
«عارض الموت»: سحاب الموت، «أجش»: ذو رعد، وقوله: «يحسب الجو منهما محموما» مما أنكره الناس عليه، وإنما ذهب إلى نحو قول امريء القيس:
إذا ركبوا الخيل واستلامواتحرقت الأرض واليوم قر
وهذا هو الوضف الذي لا شيء يفوقه، فجعل أبو تمام الجو محموماً.
وقال في أبي سعيد:
في موقف وقف الموت الذعاف بهوالمجد يوجد والأرواح تفتقد
وقال البحتري:
وقد كان التراب جنادلا
أراد أن الجيش طحن الصخر بحوافر الخيل لكثرته، حتى صارت تراباً، وإنما ألم بقول زيد الخيل:
ومجر تضل البلق في حجراتهترى الأكم فيه سجداً للحوافر
وقوله: «وقد كان التراب جنادلا»، يريد: وقد كان تراب الفلا أيضاً جنادل، فصيرته حوافر خيلنا تراباً قبل هذا الوقت، أو أن يكون أراد: فاغتدى جندل الفلاة تراباً، بعد أن كان جنادل، أي بعد أن كان بالأمس جنادل، وهذا أشبه من المعنى الأول، لأن ذاك يوجب أن لم يكن للفلا أصلاً تراب البتة.
وقال أيضاً في موضع آخر في وصف وقعة أوقعها أبو سعيد أيضاً بالروم:
وهدة يوم لابن يوسف أسمعتمن الروم من بين الصفا والأخاشب
أنكر الناس على مهلهل قوله:
فلولا الريح أسمع من بحجرصليل البيض تقرع بالذكور
وقيل كان بين الوقعة وبين حجر -وهي قصبة اليمامة- مسيرة عشرة أيام، وعلى أنه قال «فلولا الريح»، فجاءنا البحتري بما طم على قول مهلهل، فزعم أن هذه الوقعة بالروم أسمعت أهل مكة، و «الأخاشب»: جبال مكة، وقد اعتذر له بأن قيل: إنه أراد خبرها إلى أهل مكة، وكذا أراد لا محالة.
ومن إفراط البحتري قوله في أحمد بن محمد بن بسطام:
وكم لك في الأموال من يوم وقعةطويل من الأهوال فيه عويلها
ومن صولة في يوم بؤس على العدايهال فؤاد الدهر حين تصولها
قوله: «يهال فؤاد الدهر» مثل قول أبي تمام:
لسمعنالقلوب الأيام منك وجيبا
جعل هذا للدهر فؤاد يهال، كما جعل ذلك للأيام قلوباً تجب.
وقال البحتري في مدح إسحاق بن إبراهيم:
ووقفت مشكور المكان كريمهوالبيض تطفو غب الغبار وترسب
ما إن ترى إلا توقد كوكبمن قونس قد غاب فيه كوكب
فمجدل ومرمل وموسدومضرج ومضمخ ومخضب
سلبوا وأشرقت الدماء عليهممحمرة فكأنهم لم يسلبوا
وفي نحو قوله:
والبيض تطفو في الغبار وترسب
قوله:
في مقام تخر في ضنكه البيــض على البيض ركعاً وسجودا
وقال أبو تمام في إسحق بن إبراهيم -أظنه في حرب الخرمية-:
وقائع أشرقت منهن جمعإلى خيفي مني والموقفين
ثوى في المشرقين لها ضجاجأطار قلوب أهل المغربين
قوله: «أشرقت منهن جمع» أي: أضاءت، من الإشراق والحسن، لما جاءت الأخبار والبشائر بذلك، وقوله: «أطار قلوب أهل المغربين» لما سمعوا بذلك خوفاً، وهذا كله يستقيم على الوجه الذي أراده البحتري.
وقال البحتري:
ربما كنت للأوانس زيراًمستهاماً بكل بيضاء رود
كم جمعت الرحيق والريق منهاوكلانا قتيل صنج وعود
وكلانا قد أحدث الراح فيهزهو عيسى بن خالد بن الوليد
فارس يضرب القوانس بالسيــف إذا ما التقت جبال الحديد
وقال البحتري أيضاً:
معاقلهم سمر القنا وعتادهمشريجان أسياف وقمص حديد
إذا غمرات الموت أدجت تكشفتبهم عن أسود زوحفت بأسود
هم أخدوا نار العدو وأوقدوامن الحرب ناراً غير ذات خمود
بشهباء من ماء الحديد كأنهاجبال شرورى أضرمت بوقود
تريك إذا ما الحرب غامت سماؤهانجوم صعاد في سماء صعيد
وهذا حجة في أن الصعيد هو التراب في الآية.
وقال أبو تمام:
والحرب تركب رأسها في مشهدعدل السفيه به بألف حليم
في ساعة لو أن لقاناً بهاوهو الحكيم لكان غير حكيم
جثمت طيور الموت في أوكارهافتركن طير العقل غير جثوم
البيتان الأولان في غاية الجودة وصحة المعنى.
قوله: «جثمت طيور الموت في أوكارها» بيت رديء القسمة رديء المعنى، لأنه جعل طير الموت في أوكارها جثوماً ساكنة لا ينفرها شيء، وطير العقل غير جثوم، يعني أنها قد نفرت فطارت، يريد طيران عقولهم من شدة الروع، وما كان ينبغي أن يجعل طير الموت جثوماً في أوكارها، وإنما كان الوجه أن يجعلها جاثمة على رؤوسهم، أو وقعاً عليهم، فأما أن تكون في أوكارها، فإنها في السلم وفي الأمن في أوكارها أيضاً، وطير العقل ليس بضد لطير الموت، وإنما هي ضد لطير الجهل، وطير الحياة هي الضد لطير الموت، وهذا المعنى الذي ركبه عندي خطأ، وقد بينته فيما قدمت ذكره من أغاليطه.
وقد أساء أبو تمام في هذا الباب إساءات كثيرة، والبحتري فيه عندي أشعر منه.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع