تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

ما قالاه في وصف الجيش وكثافته

قال أبو تمام:

مثعنجر لجب ترى سلافةولهم بمنخرف الفضاء زحام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»
ملأ الملا عصباً فكاد بأن يرىلا خلف فيه ولا له قدام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

«مثعنجر»، يقال: اثعنجرت العين دمعاً، واثعنجر دمعها، وهو انصباب الدمع وتتابعه، واثعنجر السحاب بالمطر، واثعنجر المطر، وقول امريء القيس:

«وجفنة مثعنجرة»

أي: مملوءة تفيض إهالة.

و «السلاف»: المتقدمون، و «لجب»، أراد: كثير الأصوات.

وقوله: «ملأ الملا عصبا»: فالملا -مقصور- ما اتسع من الأرض، أراد أن الجيش قد ملأه لكثرته، وهذل معنى قد تداولته العرب وتقدمت فيه الشعراء، وجودوه، قال أوس بن حجر:

ترى الأرض منا بالفضاء مريضةمعضلة بجيش عرمرم

قوله: «معضلة» من قولهم: عضلت المرأة عند الولادة، إذا نشب ولدها في بطنها، وعسر خروجه، يؤكد بذلك كثرة الجيش، وأن الأرض الغضاء قد ضاقت به، ومن هذا قولهم: قد أعضل الأمر، وأمر معضل، أي: عسير ضيق.

و «العرمرم» الكثير.

وتبع النابغة أوساً في هذا فقال:

مجر يظل به الفضاء معضلاًيذر الإكام كأنهن صحاري

فأورد النابغة معنى بيت أوس في صدر بيته، وزاد عليه في العجز بقوله:

«يذر الإكام كأنهن صحاري»

أي: يهدمها ويطحنها بحوافر الخيل حتى تلحق بالأرض.

ومثل هذا قول زيد الخيل:

بجمع تضل البلق في حجراتهترى الأكم فيه سجداً للحوافر

أي: تدقها الحوافر بكثرتها، وتكبها إلى الأرض، وبيت النابغة أجود البيتين، لأنه تضمن المعنيين جميعاً، واقتصر أبو تمام على وصف الكثرة في بيته بمعنيين مختلفين، كأنه اتبع أوساً، إلا أن قوله:

ولهم بمنخرق الفضاء زحام

لفظ حسن.

وقد حذا البحتري على قوله:

يذر الإكام كأنهن صحاري

فقال:

إذا سار في ابني مالك قلق الحصىعلى جبل يغشى الجبال فتقلق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أفي كل دار منك عين ترقرق»
عفاريت هيجاء كأن خميسهمبه حين تلقاه الكتائب أولق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أفي كل دار منك عين ترقرق»

فقوله: «يغشى الجبال فتقلق» أي: يحطمها بكثرته، ويجوز أن يريد بقوله: «يغشى الجبال» أي: جيوشاً فيقضها، والأول أشبه.

وقال البحتري في كثافة الجيش وكثرته:

لما أتاك يقود جيشاً أرعناًيمشي عليه كثافة وجموعا
للشاعر البحتري، من قصيدة «فيم ابتداركم الملام ولوعا»

يريد انضمام الخيل والرجالة، بعضهم إلى بعض، بكثرتهم حتى يمشي الماشي عليهم، وإنما نحا نحو قول قيس بن الخطيم:

لو أنك تلقي حنظلاً فوق بيضناتدحرج عن ذي سامة المتقارب
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وقول قيس أحسن وأجود وأبرع.

وقوله: «عن ذي سامة» أي: على ذي سامة، والسام: خطوط في البيض يجري فيها ماء الذهب.

وقد أخذ ابن الرومي معناه، ولفظه أيضاً فقال:

فلو حصبتهم بالفلاة سحابةلظل عليهم حصباً يتدحرج

وليس في قصيدته أجود من هذا البيت.

وفي كثافة الجيش واجتماعه يقول أبو نواس:

أمام خميس أرجوان كأنهقميص محوك من قنا وجياد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

«الجياد» الخيل، ولو كان قال:

ليس فيه خصاصةكثوب محوك

كان ثوب أحسن من قميص.

وقالت امرأة من بني سليم في كثرة الجيش وانتشاره:

وكان إذا ما أورد الخيل بيشةإلى جنب أشراج أناخ فألجما
وأرسلها رهواً رعالاً كأنهاجراد زهته ريح نجد فأتهما

وأحسن من كل حسن في عظم الجيش وكثرته، قول مالك بن الريب المازني:

بجيش لغام يشغل الأرض جمعهعلى الطير حتى ما يجدن منازلاً

وقال أبو تمام في صفة الجيش:

بأرشق إذ سالت عليهم غمامةجرت بالعوالي والعتاق الشوازب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

قوله: «سالت» و «جرت» معناهما واحد، وقد كان تكفي أحدى اللفظتين من الأخرى، وليس بعيب.

وقال البحتري:

إذا انشعبت في جانبيه غمامةإلى بلد كانت دماً متدفقا

وأجود من غمامتي أبي تمام والبحتري قول عبد الله بن عمرو بن العاص:

غداة أتى أهل العراق كأنهممن البحر لج موجه متراكب
وجئنا إليهم في الحديد كأنناسحاب خريف زعزعته الجنائب

وقال البحتري:

بجمع ترى فيه النهار قبيلةإذا سار فيه والظلام قبائلا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أرى بين ملتف الأراك منازلا»

أراد: أنك ترى النهار قبيلة الجيش لعظمه، وترى الظلام

قبائلاً، كأنه جعل الظلام مختلف الأحوال في الظلمة يشتد اسوداده، ويخف، بحسب اختلاف أحوال تعرض لليل ريح أو غمام، أو تجلى قمر، غيوبه، وأنت ترى الليل على هذه الأحوال أبداً، والنهار حاله حال واحدة، لا يقبض البصر فيه شيء في حال صحو ولا غمام، فهذا معنى -إن شاء الله- يليق بالصواب، أو يقاربه.

ووجه آخر أن الليل لا يقبض الطرف دفعة واحدة بل شيئاً فشيئاً،

حتى يشتد سواده إلى أن يمضي ثلثه، وتلك فحمة الليل، ثم يتجلى إلى ظلمة هي أرق، ويقال بل العين تألف سواد الليل إذا امتد هذا الوقت، فتقوى على إدراك ما لم تكن تدركه عند هجوم الظلمة، وهي قريبة العهد بالضوء، وهذا قول غير مدفوع الصحة، ثم إنهم يقولون في مجيء الليل: جهمة بعد جهمة، حتى إن بعضهم يقول أنه يرى الظلام يتحرك عند انحساره ولهذا قال امرؤ القيس:

«وليل كموج البحر ...»

وقال:

فقلت له ام تمطى بصلبهوأردف أعجازاً وناء بكلكل

وقال البحتري:

في خميس كأنما طرقوا منــه بليل أو صبحوا بنهار

وهذا حسن، والبحتري متبع في هذا وغير مبتدع.

وقال ضوء بن اللجلاج الذهلي:

بأرعن جرار كأن زهاءهدجى الليل ألقى جانبيه فعسكرا

وبيت البحتري أبرع، لأنه جمع فيه الليل والنهار بأحسن لفظ.

وقال أحمر بن شجاع الكلبي:

بجأواء تعشى الناظرين كأنهادجى الليل بل هي من دجى الليل أكثر
للشاعر الأَحْمر بن شُجَاع، اقرأ القصيدة

وهذا إفراط حسن.

وقال أبو نخيلة في وصف كتيبة يشبهها بالليل:

طود جناباه القنان الحلك

منها الدجوجي ومنها الأرمك

ذا الليل إلا أنها تحرك

وهذا إحسان أبي نخيلة المشهور الذي يفوق كل إحسان، وفي كثرة الجيش وعظمه يقول النابغة الجعدي:

بأرعن مثل الطود يحسب أنهموقوف لأمر والركاب تهملج

وهذا أيضاً من الجيد المشهور، وهو ضد معنى أبي نخيلة، وكلاهما بديع في معناه.

وأنشد إسحاق الموصلي:

كأنهم ليل إذا استنفرواأو لجة ليس لها ساحل

وقد أحسن النجاشي أيضاً في قوله:

فمن ير صفينا غداة تلاقينايقل جبلا جيلان ينتطحان
قتلنا وأفنينا وما كل ما ترىبكف المذري تأكل الرحيان

وأجود من كل جيد قول مهلهل:

كأنا غدوة وبني أبينابجنب عنيزة رحيا مدير
للشاعر المهلهل بن ربيعة - الزير، من قصيدة «أليلتنا بذي حسم أنيري»

وقال البحتري:

جو أذا ركز القنا في أرضهأيقنت أن الغاب غاب أسود
للشاعر البحتري، من قصيدة «شغلان من عذل ومن تفنيد»
وفي لمعان أضاء فيه رأي العدابراً تألق فيه بحر حديد

وفي لمعان الحديد يوقل البحتري أيضاً:

جافي المضاجع لا بنفك في لجبيكاد يقمر من لألائه القمر

وهذا -لعمري- معنى حسن، وأحسن منه وأصح معنى قول الأخنس بن شهاب التغلبي:

وجأواء تعشي الناظرين كأنهاإذا ما بدت قرن من الشمس طالع

وقد قال المتأخرون في وصف السلاح ولمعان الحديد ما يفوق كل حسن وصحة، ومن ذلك قول سلم الخاسر:

وكتائب تعشي العيون إذا جرىماء الحديد عليهم الرجراج
وتفرقت زرق الأسنة فيهمتسقي المنايا ما لهن مزاج
نزلت نجوم الليل فوق رؤسهمولكل رأس كوكب وهاج

وحسبك بهذا حسناً وحلاوة.

وقال مسلم:

في عسكر تشرق الأرض الفضاء بهكالليل أنجمه القضبان والأسل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «استمطر العين أن أحبابه احتملوا»

وقال العتابي:

تبني سنابكها من فوق أرؤسهمسقفاً كواكبه البيض المباتير
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

أراد بالسقف: الغبار، وذهب إلى قول بشار.

جعلنا سماء فوقنا بنجومهاسيوفاً ونقعاً يقبض الطرف أقتما

أو إلى قوله الذي لا يدانيه معنى ولا يتعلق به هو:

كأن مثار النقع فوق رؤوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

ولو قال: ليل تضيء كواكبه، أو تلوح كواكبه، أو تنير، لكان أيضاً قولاً مستقيماً، فلما قال: تهاوى كواكبه، استوفى المعنى بأسره، وانتهى إلى غاية التشبيه، وكمال الوصف.

وقال محمد بن وهيب:

وأرعن فيه للسوابغ لجةوسقف سماء أنشأته الحوافر
له فلك فوق الأسنة دائرونقع المنايا مستطير وثائر

ولولا أن قصدي الإجمال والاختصار، لأوردت في هذا الباب من أوصاف الجيوش والكتائب أكثر مما أوردته، وفيما ذكرته مقنع لك في أن الطائيين قد قصرا عن جميع معانيه، ولم يبدعا في الباب إبداعاً يتقدمان به غيرهما، ولا يساويانه، ومن شأن المتأخر أن يزيد على من تقدم، أو لا يعرض للمعنى.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.