من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ومن نوادر باب الجود (٢)
قول أبي تمام في محمد بن الهيثم
لدى ملك من أيكة الجود لم يزلعلى كبد المعروف من فعله برد
وداني الجدا تأتي عطاياه علومنصبه وعر مطالعه جرد
فقد نزل المرتاد منه بماجدمواهبه غور وسؤدده نجد
به أسلم المعروف بالشام بعدماثوى منذ أودى خالد وهو مرتد
فقال: «داني الجدا» ثم قال «تأتي عطاياه من عل» و «الجدا»: هو العطاء الذي يعطيه، وهذا من عويصاته التي يتجنب مثلها الحذاق، وهو مشغوف بها وكأنه يريد: أن عطاياه دانية من يد المتناول، وأنها تأتي من عل لعلو قدره،
أو أراد أنها تأتي كما يأتي السيل من ارتفاع إلى هبوط، فيكون أغزر لها وأسرع، وكأن المعنى الأول أقوى، لأنه قد كرره وأكده بقوله:
«مواهبه غور وسؤدده نجد»
وبقوله:
ومنصبه وعر مطالعه جرد
أي: جداه دان قريب ممن يريده، ومنصبه بعيد المرام ممن يريد التعلق به أو المساواة له، فمطالعه جرد: جمع أجرد، أي ملس لا يتعلق بها شيء، كما يقال: «تقدم إليه المتناول» والمعنيان لا يتشاكلان كل التشاكل؛ لأن العطايا ليست من المنصب في شيء، وإنما كان ينبغي أن يقول: وداني الجدا تأتي عطاياه من يد هي مع الثريا، أو من راحة هي فوق النجم، حتى تكون عطاياه دانية مع علو يده، لأن العطايا منها تأتي، وعنها تصدر، فيشبه شيء شيئاً، وتصح المقابلة، أو أن يجعل الممدوح دانياً ممن يريده، دمثاً متواضعاً سهلاً، ويجعل منصبه رفيعاً وعراً صعباً، حتى يكون المعنى أنه رفيع القدر على تواضعه، كما قال البحتري:
دنوت تواضعاً وعلوت قدراًفشأناك انخفاض وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تساميويدنو الضوء منها والشعاع
فأما أن تجعل عطاياه دانية مع علو قدره ورفيع منصبه، فكذا يجب أن تكون، وليس هذا ببديع، ولا بمعنى مفيد، لأنه ليس بطباق، ثم أنا ما علمنا أن للمعروف كبداً، وأنه كان مرتداً فأسلم، إلا من هذه الأبيات، فأما قوله:
«..... ............. وإن قستكبد الزمان علي كنت رؤوفا»
فإن استعارة الكبد ها هنا ليست بقبيحة كقبح استعارة الكبد للمعروف، لأن المعروف لا يوصف بالقسوة ولا بالشدة كما وصف الزمان، فلما وصف الزمان بالشدة والصعوبة، لم ينكر أن يجعل له على الاستعارة كبداً قاسية، فعلى هذه السبيل وما أشبهها تحسن الاستعارة وتقبح، وقوله: «منذ أودى خالد وهو مرتد» يريد خالد بن يزيد بن مزيد.
وقال في خالد بن يزيد أيضاً:
ظل عفاة يحب زائرهحب الكبير الصغير من ولده
إذا أناخو ببابه أخذواحكميهم من لسانه ويده
آثرني إذ جعلته لجأكل امريء لا جيء إلى سنده
إيثار شزر القوى يرى جسد الــمعروف أولى بالطب من جسده
فقد أفدنا من الأبيات الأول أن المعروف كبداً، وأنه كان مرتداً فأسلم، وأفدنا من هذه الأبيات أن جسده مما يجب أن يتطبب له، وأن الممدوح يرى أنه أولى بالطب من جسد نفسه.
وقال:
وقددت من شيم كأن سيورهايقددن من شيم السحاب المرزم
شهرت فما تنفك توقع باسمهامن قبل معناها بعدم المعدم
وهذا من فلسفته التي يخرج العبارة عنها خروجاً صحيحاً، يريد أن المعدم إذا ملك وفكر في كريم أخلاقك، ذهب عنه البؤس والفقر قبل عطائك لثقته بالغنى من جهتك.
وقال:
لا شمسه حرة تشوى الوجوه بهايوماً ولا ظله عنها بمنتقل
تحول أمواله عن عهدها أبداًولم يزل قط عن عهد ولم يحل
وهذا معنى ليس بالجيد، وظاهره أن أمواله أبداً تنتقل عن يده وأن كونها في يده عهد بينها وبينه، وليس بممدوح من جعل هو وماله متعاهدين، وكأنه أراد أن أمواله تحول عن عهد العاهد لها من اجتماعها عنده، ووفورهما لديه، لأنه يفرقها، ولم يحل هو قط عن عهد عليه من كرم ولا غيره.
والجيد الحسن الذي لا يتطرق عليه التأول في هذا المعنى قول البحتري:
إما تنقلت العهود فإنهثبت على عهد الندى وذمامه
معاهدة الندى إنما هي بذل المال.
ومثله في الجودة قول دعبل:
والجود يعلم أني منذ أن عاهدنيما خنته وقت ميسوري ومعسوري
وقال البحتري في معاقدة الجواد والجود:
إن القناني وإن الندىتربا اصطحاب وأخيا لده
تعاهدا حلفاً على وفر ذيوفر إذا جمعه بدده
فالفعل فوت القول إن فاض فيعارفة والجود فوت الجده
وهذا معنى حسن حلو، وقد تقدم الناس فيه، فقال موسى شهوات في سعيد بن خالد بن أسيد:
عقيد الندى ما عاش يرضى به الندىفإن مات لم يرض الندى بعقيد
فأخذت هذا المعنى بعينه أخت الوليد بن طريف فقالت:
حليف الندى ما عاش يرضى به الندىفإن مات لم يرض الندى بحليف
وأظن الأعشى أول سابق إلى هذا المعنى بقوله:
تشب لمقرورين يصطليانهاوبات على النار الندى والمحلق
رضيعي لبان ثدي أم تقاسمابأسحم داج عوض لا نتفرق
قيل في «أسحم داج» أنه أراد: تقاسما في ظلمة الرحم، أي: تحالفا هناك وتعاقدا، لأنهما أخوان، وقيل «أسحم داج» الرماد، لأن العرب كانت تحلف به وبالنار.
وقال حبيب بن شوذب المدني في السري بن عبد الله الهاشمي:
فك السري عن الندى أغلالهفجرى وكان مكبلاً مغلولا
وتعاقدا العقد الوثيق وأشهدامن كل قوم مسلمين عدولا
فوفى الندى لك بالذي عاقدتهووفى السري فما يريد بديلا
فهذا لم يرض بالحلف والعقد حتى أوقع بينهما شهادة قوم مسلمين عدول، فويحه، ألا قال: «وأشهدا ملك السماء وأشهدا جبريلا»؟!، لأن الإنسان قد يقول فيما يعقده على نفسه: أشهد الله وملائكته على كذا، وهذا النحو إنما يخرجه الشعراء مخرج النادرة، وهو غير حسن ولا جميل.
وقد قال حبيب بن شوذب هذا وهو حسن، وإن كان قد غلا في الاستعارة:
أنت أنف الجود إن فارقتهعطس الجود بأنف مصطلم
ومثل قوله:
فك السري عن الندى أغلالهفجرى وكان مكبلاً مغلولا
قول بكر بن النطاح الحنفي:
أبا دلف إن السماحة لم تزلمغللة تشكو إلى الله غلها
فبشرها ربي بميلاد قاسموأرسل جبريلاً إليها فحلها
وهذا ليس بغلو ولا استعارة قبيحة.
ومما أخرج مخرج النادرة قول ابن المولى:
رشت الندى ولقد تكسر ريشهفعلا الندى فوق البلاد فطارا
ونحو هذا ما أنشده الأخفش لبعضهم، وهو من باب الهجاء:
لأضربن رجائي ألف مقرعةغداً وأصلب آمالي على خشبه
إذ منياني قوماً لا حراك بهموإن سمعت لهم في دورهم جلبه
وهذه نوادر من الشعراء مضحكات.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع