تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

في اعتذار الجواد بعد العطاء

قال أبو تمام:

له كرم لو كان في الماء لم يغضوفي البرق ما شام امرؤ برق خلب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «تقي جمحاتي لست طوع مؤنبي»
أخو أزمات بذله بذل محسنإلينا ولكن عذره عذر مذنب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «تقي جمحاتي لست طوع مؤنبي»

أزمات: شدائد وجدب.

وقال:

يعطي عطاء المحسن الخضل النديعفواً ويعتذر اعتذار المذنب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحسن بأيام العقيق وأطيب»

هذا من قول دعبل:

فتى يعتفيك بإنعامهكما تعتفيك يد الطالب
ويعطيك معتذراً فوق ماتؤمله رغبة الراغب
فتحوى مواهبه جمةوأنت بمنزلة الواهب

وهذا من قول زهير:

كأنك تعطيه الذي أنت سائله

وأما البحتري فإنه قال في الطائي:

أيد الأعباء لو حملهسائلو القوم ثبيراً لحمل
للشاعر البحتري، اقرأ القصيدة
ساحة إن يعتمدها يعترفناشد السؤدد فيها ما أضل
للشاعر البحتري، اقرأ القصيدة
حيث لا تبلى المعاذير ولايطأ اليأس على عقب الأمل
للشاعر البحتري، اقرأ القصيدة

ولكن لم يرد البحتري بالمعاذير، الاعتذار الذي يقع مع العطاء على نحو ما ذهب إليه أبو تمام، ولكن قوله:

أيد الأعداء لو حملهسائلو القوم ثبيراً لحمل

ينفي عنه الاعتذار على كل حال.

وكلاهما أحسن، وأبو تمام فيما ذهب إليه أشعر.

صفحة فارغة [في المطبوع]

وها هنا باب آخر في الاعتذار للجواد من تأخر عطائه

قال أبو تمام:

على أي أحوال مضيت فشاكرلما كان من بر الأمير وعاذر
فإن صدق البرق الذي شمت عارضاًفلا عجب من أن تجود المواطر
وإن عاقت الأسباب فالبحر ربماتمنع منه جانب وهو زاخر

وهذا مثل قول أبي ذفافة المصري، أحد شعراء البرامكة:

أنت الربيع الذي تحيا الأنام بهكل يعيش بفضل منك مقسوم
للشاعر البحتري، من قصيدة «أَنْتَ الرَّبيعُ الَّذي تَحْيَا الأَنَامُ به»
وما السحاب إذا ما انجاب عن بلدوحان ميقاته فيه بمذموم
إن جدت فالجود أمر قد عرفت بهوإن تجافيت لم تنسب إلى لوم
للشاعر البحتري، من قصيدة «أَنْتَ الرَّبيعُ الَّذي تَحْيَا الأَنَامُ به»

وهذا حسن جداً، وأظن أبا تمام عليه حذا.

وقد تقدم ابن هرمة في هذا المعنى، فقال في المنصور:

يجود إذا ما صادف الجود حقهويبخل أحياناً فيعذر بالبخل

وقال المتوكل لعبد الأعلى بن حماد النرسي: إني أريد أن أبرك فيمنعني من ذلك النسيان، فقال: أحسن الله يا أمير المؤمنين عن هذه النية جزاءك، ألا أنشدك في هذا المعنى؟، قال: هات، فأنشده:

لأشكرنك معروفاً هممت بهإن اهتمامك بالمعروف معروف
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
ولا ألومك إذ لم يجره قدرفالشيء بالقدر المحتوم مصروف

وقال عمارة بن عقيل في خالد بن يزيد:

أأترك إن قلت دراهم خالدزيارته إني إذاً للئيم
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة
وقد يسلع المرء اللئيم اصطناعهويعتل نقد المرء وهو كريم

«يسلع» أي: تكثر سلعته.

وقال أبو تمام:

وكنت أعلم علماً لا كفاء لهأن ليس كل قطار ينبت العشبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل للأمير الذي قد نال ما طلبا»
وربما عدلت كف الكريم عن الــقوم الحضور ونالت معشراً غيبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل للأمير الذي قد نال ما طلبا»

وقال البحتري:

وما منع الفتح بن خاقان نيلهولكنها الأقدار تعطي وتحرم
للشاعر البحتري، من قصيدة «على أي أمر مشكل أتلوم»
سحاب خطاني جوده وهو مسبلوبحر عداني فيضه وهو مفعم
للشاعر البحتري، من قصيدة «عَلى أيّ أمْرٍ مُشْكِلٍ أتَلَوّمُ»
وبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباًوموضع رجلي منه أسود مظلم
للشاعر البحتري، من قصيدة «على أي أمر مشكل أتلوم»
أأشكو نداه بعدما وسع الورىومن ذا يذم الغيث إلا المذمم
للشاعر البحتري، من قصيدة «على أي أمر مشكل أتلوم»

هما في هذا الباب أيضاً متكافئان، لأن المعنى الذي ركباه مشترك.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.