من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ومن نوادر باب الجود (٣)
ويصلح أن يكون في باب «تعجرف الجواد على ماله»، قول البحتري:
غريب السجايا ما تزال عقولنامدلهة في خلة من خلاله
إذا معشر صانوا السماح تعسفتبه همة مجنونة في ابتذاله
قوله: «إذا معشر صانوا السماح» معنى رديء، لأن البخيل ليس من أهل السماح، فيكون له سماح يصونه، وسواء عليه قال: صانوا السخاء، أو صانوا الجود أو صانوا الكرم، فإن هذا كله لا يملك البخلاء منه شيئاً، وهو منهم بعيد، فكيف يصونونه؟، فإن قيل: إنما أقام السماح مقام الشيء يسمح به، وفي مجازات العرب ما هو أبعد من هذا، قيل: البحتري لا يسوغ له مثل ذلك ولا يجوز له، لأنه متأخر، لا سيما وليست ها هنا ضرورة؛ لأنه قد كان يمكنه أن
يقول: «صانوا الثراء» مكان «السماح»، [وينبغي أن يلحق هذا بمساوئه].
ومن هذا الباب قول البحتري أيضاً:
يا ابن عبد المليك الحمــد وقوف بين الندى والجود
ما فقدنا الإعدام حتى مددناسبباً نحو سيبك الموجود
سؤدد يصطفى ونيل يرجىوثناء يحيا ومال يودي
ويصلح أن يكون في باب الرجاء والأمل.
قوله: «ملكك الحمد وقوف» إن كان أراد: وقوف قوم بين الندى والجود، أي: ليس لهم فيهما حظ، فقد أقام النعت مقام المنعوت، والمعنى رديء، جعل الممدوح لم يملك الحمد إلا لما بخل هؤلاء، فلم يكن لهم في الجود حظ، فكأنهم هم الذين ملكوه الحمد، أي: إنما حمد لما أضيفت أفعاله إلى
أفعال البخلاء، وهذا إلى الذم أقرب منه إلى المدح.
وكأنه أراد «ملكك الحمد وقوف»، أي: وقوفك بين الندى والجود، أي: إنك لا تقف إلا بينهما، كأنه مقيم بينهما لا يفارقهما، كما يقال: أنا مقيم بين أمرك ونهيك، وواقف عند طاعتك.
وقوله: «بين الندى والجود» ليس بالجيد، لأن الندى هو الجود والجود هو الندى، يقال: فلان يتندى على إخوانه ويتجود عليهم، ويقال: هو ذو ندى، كما يقال: هو ذو جود.
و «بين» ها هنا ليست قوية المعنى، لأنها ليست كالواو التي تنسق بالكلمة على الكلمة الأخرى التي هي في معناها، مثل النأي والبعد، والسر والنجوى، بل يوجب أن تكون إحدى الكلمتين غير الأخرى، وكأن البحتري ذهب إلى أن الندى سجيته في الكرم والبذل، وأن الجود العطاء، وهو محتمل وينبغي أن يلحق هذا أيضاً بمساوئه.
ومن نوادر باب الجود قول أبي تمام:
نعم الفتى عمر في كل نائبةنابت وقل له نعم الفتى عمر
يعطي ويحمد من يأتيه يحمدهفشكره عوض وماله هدر
وهذا نهاية في حسنه وصحته، ولست أعرف للبحتري مثل هذا المعنى، ولكنه قال:
فهو يعطي جزلاً ويثني عليهثم يعطي على الثناء جزاء
وهذا مذهب آخر، وذلك ألطف وأجود في معناه.
ومن نوادر باب الجود أيضاً قول أبي تمام في أبي الغريب يحيى بن عبد الله القمي:
عرفنا الجود فيك وما عرضنالسجل من نداك ولا ذنوب
ولكن دارة القمر استتمتفدلتنا على مطر قريب
وقال البحتري:
معول أمل ترجى نسيئةويصبح منسوها مليين بالنقد
وقد دفعوا بخل الزمان بجودهولا طب حتى يدفع الضد بالضد
ومن نوادر باب الجود قول أبي تمام:
من شرد الإعدام عن أوطانهبالبذل حتى استطرف الإعدام
أخذ «تشريد الإعدام» -والله أعلم- من قول الأعشى:
هم يطردون الفقر عن جارهمحتى يرى كالغصن الناضر
إلا أن أبا تمام شرد الإعدام عن أوطانه، والأعشى طرد الفقر عن جار القوم.
وما زال الناس يعيبون قوله: «حتى استطرف الإعدام».
وقال أبو تمام:
غريم للملم به وحاشانداه م مماطلة الغريم
هذا حذاه على قول بشار:
كأن لهم ديناً عليه وما لهمسوى جود كفيه عليه حقوق
وقال البحتري:
وما ولي المكارم مثل خرقأغر يرى المواعد كالديون
وقال أبو تمام:
وترى تسحبنا عليه كأنناجئناه نطلب عنده ميراثا
وهذا حسن جداً.
وقال أبو تمام:
ليس الغبي بسيد في قومهلكن سيد قومه المتغابي
وقال البحتري:
إلى غمر في ماله تستخفهصغار الحقوق وهو عود مجرب
وهذا من قول دعبل:
تخال أحياناً به غفلةمن كرم النفس وما أعلمه!
وقال أبو دلامة في المنصور:
وأخدع خليفتنا بمسألةإن الخليفة للسؤال منخدع
وقال آخر:
مجرب لا ترى الأعداء تخدعهولو يخادعه السؤال لانخدعا
وقال أبو تمام:
وما إن زال في جرم بن عمروكريم من بني عبد الكريم
يكاد نداه يتركه عديماًإذا هطلت يداه على عديم
تراه عن حرم المعاليفتحسبه يدافع عن حريم
أحق الناس بالكرم امرؤ لميزل يأوي إلى أصل كريم
أحلهم الندى سطة المعاليإذا نزل البخيل على التخوم
إذا نزل النزيع بهم قروهرياض الود من أنف جميم
فلو أبصرتهم والزائريهملما مزت البعيد من الحميم
أخذ هذا المعنى من قول محمد بن بشير الخارجي:
وإذا رأيت صديقه وشقيقهلم تدر أيهما ذوو الأرحام
وقد ذكرته في سرقاته المجموعة.
ومن نوادر باب الجود قول أبي تمام:
شافهت أسباب الغنى بمحمدحتى ظننت بأنها تتكلم
قد تيمت منه القوافي بامريءما زال بالمعروف وهو متيم
يحلو ويعذب إن زمان نالهبغنى وتلتاث الخطوب فيكرم
تلقاه إن طرق الزمان بمغرمشرهاً إليه كأنما هو مغنم
لا يحسب الإقلال عدماً بل يرىأن المقل من المروءة معدم
وهذا مدح شريف.
وأبو تمام في هذه الأبواب من النوادر أكثر تصرفاً وأشعر من البحتري.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع