من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ذكر اعتداد المداح بنعم الممدوحي
ن
قد مر في هذه الأبواب من هذا الجنس غير شيء مما وجدته لائقاً بموضعه فأثبته فيه، وهذا باب مفرد في ذلك.
قال أبو تمام:
وكم لك عندي من يد مستهلةعلي ولا كفران مني ولا جحد
يد تستزل الدهر من نفحاتهاويخضر من معروفها الأفق الورد
وهذا حسن جداً.
وقال البحتري:
يد لك عندي قد أبر ضياؤهاعلى الشمس حتى كاد يخبو سراجها
فإن تتبع النعمى بنعمى فإنهيزين اللآلي في النظام ازدواجها
وكنت إذا مارست عندك حاجةعلى نكد الأيام هان علاجها
وهذا أيضاً حسن جداً.
وقال البحتري أيضاً:
أما أياديك عندي فهي واضحةما إن تزال يد منها تسوق يدا
ألازمي الكفر إن لم أجزها كملاًأم لاحقي العجز إن لم أحصها عددا
لم لا أمد يدي حتى أنال بهامدى النجوم إذا ما كنت لي عضدا
وقال أيضاً:
كم من يد لك لم أكن أشري بهاربعي صوب الديمة السحاح
إن سدت فيها المنعمين فإننيبالشكر عنها سيد المداح
وقال أبو تمام في كف الدهر ونوائبه:
لقيت صروف الدهر عني تابعاًلأمر العلى واخترت شكري على عذري
وأوليتني في النائبات صنائعاًكأن أياديها فجرن من البحر
فعلمتني أن ألبس الحمد أهلهوذكرتني ما قد نسيت من الشكر
قوله: «وذكرتني ما قد نسيت من الشكر» حسن جداً، يريد عهدي
بإحسان المحسنين إلي ممن كنت أشكره بعيد، فنسيت الشكر حتى أحسنت إلي فذكرته بشكري إياك.
وقال أبو تمام في نحوه:
حبيب بغيض عند راميك عن قلىوسيف على شانيك ليس له غمد
وكم أمطرته نكبة ثم فرجتولله في تفريجها ولك الحمد
وقد كان دهراً للحوادث مضغةفأضحت جميعاً وهي عن لحمه درد
تصارعه لولاك كل ملمةويعدو عليه الدهر من حيث لا يعدو
وقال في نحوه:
جعلت حطاماً منكب الدهر إذ نوىزحامي لما أن جعلتك منكبي
وما ضيق أقطار البلاد أضافنيإليك ولكن مذهبي فيك مذهبي
فقومت لي ما اعوج من قصد همتيوبيضت لي ما اسود من وجه مطلبي
وقال أبو تمام في كف الدهر نوائبه وقمعها:
نبذت إليه همتي فكأنمانبذت به نجماً على الدهر ثاقبا
وكنت امرأ ألقى الزمان مسالماًفآليت لا ألقاه إلا محاربا
وهذا جيد حسن.
وقال في نحوه وهو أحسن من كل حسن وأجود من كل جيد:
بمهدي من أصرم عاد عوديإلى إيراقه وامتد باعي
أطال يدي على الأيام حتىجزيت صروفها صاعاً بصاع
وهذا عين هذا الباب كله.
وقال:
قرب الدهر من يدي وأكنتيده من سمائم العدم حالي
لهذا أضحى ثنائي طريقاًعامراً بينه وبين الليالي
وهذا عين هذا الباب كله في الرداءة والسخف؛ لأن قوله: «وأكنت يده من سمائم العدم حالي» استعارة ما رواء قبحها غاية.
وقال البحتري:
وإن ابن دينار ثنى وجه همتيإلى الخلق الفضفاض والنائل النهب
فلم أمل إلا من مودته يديولا قلت إلا من مواهبه حسبي
لقيت به حد الزمان ففلهوقد يثلم العضب المهند في العضب
وقال:
ألنت لي الأيام من بعد قسوةوعاتبت لي الدهر المسيء فأعتبا
وألبستني النعمى التي غيرت أخيعلى فأمسى نازح الود أجنبا
وقال في ضد البيت الأخير:
وعرفت ودك في تعصب شيعتيووجوه إخواني وعطف أقاربي
وقال:
وآليت لا أنسى بلوغي بك العلىعلى كره شتى من شهود وغيب
ودفعي بك الأعداء عني وإنمادفعت بركن من شروري ومنكب
وقال:
تداركني الإحسان منك ومسنيعلى حاجة ذاك الجدا والتطول
ودافعت عني حين لا الفتح يبتغيلدفع الذي أخشى ولا المتوكل
وقال:
أأنساك بعد الهول ثم انصرافهوبعد وقوع الكره ثم اندفاعه
إذاً نسي الله اطيافي ببيتهووفد الحجيج حاشد في اجتماعه
وقال أبو تمام:
أبديت لي عن جلدة الماء الذيقد كنت أعرفه كثير الطحلب
ووردت بي بحبوحة الوادي ولوطاوعتني لوقفت عند المذنب
وبرقت لي برق اليقين وطالماأمسيت مرتقباً لبرق الخلب
فجعلت لي مندوحة من بعدماأكدى على تصرفي وتقلبي
والحر يسلبه جميل عزائهضيق المحل فكيف ضيق المذهب
هيهات تأبى أن تضل بي السرىفي بلدة فيها كوكبي
وهذا كله جيد بالغ.
وقال أبو تمام في الاستغناء بالممدوح عمن سواه:
فتى أحيت يداه بعد يأسلنا الميتين من كرم وجود
لبست سواه أقواماً فكانواكما أغنى التيمم بالصعيد
وقال في مثل ذلك:
غنيت عمن سواه وحولتعجاف ركابي من سعيد إلى سعد
تجلى به رشدي وأثرت به يديوفاض به ثمدي وأورى به زندي
وما زال منشوراً علي نوالهوعندي حتى قد بقيت بلا عند
قوله: «قد بقيت بلا عند» من كلام السقاط ورذال العوام.
وقال البحتري في نحو هذا:
وأغنيتني عن معشر كنت برهةأكافحهم عن نيلهم وأقارع
فلست أبالي جاد بالبذل باذلعلى راغب أو ضن بالخير مانع
وقال في نحوه:
نفسي فداؤك طالما أغنيتنيفكفيتني عن هذه الأشباح
خلق ممثلة بغير خلائقترضى وأبدان بلا أرواح
وقال في نحوه:
لله دركما من سيدي زمنأجريتما من معاليه إلى أمد
وجدت عندكما الجدوى ميسرةأوان لا أحد يجدي على أحد
وقد تطلبت جهدي ثالثاً لكماعند الليالي فلم تفعل ولم تكد
وقال:
ورجال جاروا خلائقك العزوليست يلامق من دروع
وليالي الخريف خضر ولكنزهدتنا عنها ليالي الربيع
قوله: «وليست يلامق من دروع» تشبيه قبيح جداً، وغير لائق بالمعنى، وكان ينبغي -لما ذكر المجاراة- أن يقول: وليس البطيء مثل السريع، ونحو هذا، أو لو كان جعل صدر البيت «ورجال ظننتهم جنناً دوني»، لصلح أن يقول «وليست يلامق دروع» فتصح القسمة، لأن «اليلامق» جمع «يلمق»، وهو القباء المحشو، ولا يرد ما يرد الدرع التي هي أحصن الجنن، إذ لو ساعدت القافية لما ذكر الغر حتى يقول: وليس الأغر مثل البهيم، لكان هذا من أصح تقسيم.
والبحتري أحذق الناس بالتقسيمات والمقابلات، ولست أدري كيف تسامح في مثل هذا، وإذا لم تساعد القافية، فاطراح البيت من الشعر واستئناف آخر أولى بالصواب، وأشبه بمذاهب الحذاق من الشعراء.
وقال أبو تمام في نحو آخر:
وما سافرت في الآفاق إلاومن جدواك راحلتي وزادي
مقيم الظن عندك والأمانيوإن قلقت ركابي في البلاد
هذا من قول أبي نواس:
وإن جرت الألفاظ منا بمدحةلغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
وإنما أخذ أبو نواس هذا من قول كثير:
متى ما أقل في آخر الدهر مدحةفما هي إلا لابن ليلى المكرم
وما أحسن ما اعتذر ابن هرمة، وليس هو هذا المعنى بعينه، وذلك قوله:
فإن أك قد هفوت إلى أميرفعن غير التطوع والسماح
ولكن سقطة عيبت عليناوبعض القول يذهب في الرياح
وقال أبو تمام:
أعطيتني دية القتيل وليس ليعقل ولا حق عليك قديم
إلا ندى كالدين حل قضاؤهإن الكريم لمتفيه غريم
وقال:
صدفت عنه فلم تصدف مودتهعني وعاوده ظني فلم يخب
كالغيث إن جئته وافاك ريقهوإن تحملت عنه كان في الطلب
وهذا في غاية الحسن والصحة والحلاوة.
وقال:
كل شعب كنتم به آل وهبفهو شعبي وشعب كل أديب
لم أزل بارد الجوانح مذ خضــخضت دلوي في ماء ذاك القليب
بنتم بالمكروه دوني وأصبحــت الشريك المختار في المحبوب
ثم لم أدع من بعيد لدى الإذن ولم أثن عنكم من قريب
كل يوم تزخرفون فنائيبحباء فرد وبر غريب
إن قلبي لكم لكالكبد الحرى وقلبي لغيركم كالقلوب
وهذا الاعتداد عندي الذي لا يفي بحسنه وغرابته شيء.
وقال:
أبا سعيد ما وصفي بمتهمعلى الثناء وما شكري بمخترم
لئن جحدتك ما أوليت من حسنإني لفي اللؤم أحظى منك في الكرم
أنسى ابتسامتك والألوان كاسفةتبسم البرق في داج من الظلم
كذا أخوك الندى لو أنه بشرلم يلف طرفة عين غير مبتسم
رددت رونق وجهي في صحيفتهرد الصقال بهاء الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقهحقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي
وقال البحتري:
أأكفرك النعماء عندي وقد نمتعلى نمو الفجر والفجر ساطع
وأنت الذي أعزرتني بعد ذلتيفلا القول مخفوض ولا الطرف خاشع
وقال:
أراك بعين المكتسي ورق الغنىبآلائك اللاتي يعددها الشعر
ويعجبني فقري إليك ولم أكنليعجبني لولا محبتك الفقر
ووالله ما ضاعت أياد أتيتهاإلي ولا أزرى بمعروفك الكفر
ومالي عذر في جحودك نعمةولو كان لي عذر لما حسن العذر
وقال:
أعطيتني حتى حسبت جزيل ماأعطيتنيه وديعة لم توهب
فشبعت من بر لديك ونائلورويت من أهل لديك ومرحب
أخذه من قول الرزدق:
أعطاني المال حتى قلت يودعنيأو قلت أودع مالاً قد رآه لنا
وبيت البحتري أجود.
وقال:
إني هجرتك إذ هجرتك وحشةلا العود يذهبها ولا الإبداء
أخجلتني بندى يديك وسودتما بيننا تلك اليد البيذاء
وقطعتني بالجود حتى إننيمتخوف ألا يكون لقاء
صلة غدت في الناس وهي قطيعةعجب وبر راح وهو جفاء
ليواصلنك ركب شعر سائريرويه فيك لحسنه الأعداء
حتى يتم لك الثناء مخلداًأبداً كما تمت لي النعماء
فتظل تحسدك الملوك الصيد بيوأظل يحسدني بك الشعراء
وهذا أيضاً حسن حلو في معناه.
وقريب منه قول مروان الاصغر -وهو ابن أبي الجنوب- في المتوكل:
وأمسك ندى كفيك عني ولا تزدفقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا
وقال البحتري -وموضعها مع الأبيات في أول الباب-:
لابس منك نعمة لا أرى الإخــلاف إلا في حالة لها بخليق
إن تقل زينة فحلية عقيان وإن خفة ففص عقيق
هي أغلت قدري وأمضت لسانيوأشاعت باسمي وبلت ريقي
ولست أعرف للبحتري معنى رثاً ولفظاً غثاً إلا قوله: «فص عقيق».
وأبو تمام في هذا الباب أشعر من البحتري.
صفحة فارغة [في المطبوع]
وهذا
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع