تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

ما قالاه في الرأي والتدبير في الحرب والمكر والخديعة والحزم وإمضاء العزم

قال أبو تمام في أبي دلف:

ويوم أرشق والهيجاء قد رشقتمن المنية رشقاً وابلاً قصفا
فكان شخصك في إغفالها علماًوكان رأيك في ظلمائها سدفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»

«وابل» شبهه بالمطر، والوابل: الشديد.

وقوله: «في إغفالها» أي: المواضع الخالية من الفرسان وأهل الحماية، أو: في المواضع التي يخفى فيها الفرسان أنفسهم لشدة الأمر.

وقوله: «وكان رأيك في ظلمائها سدفا» والسدف: اختلاط الضوء بالظلمة، ولهذا يذكر في الأضداد، فيجعل مرة الضوء، ومرة الظلمة، ولو جعل رأيه كالنهار، كان أجود على مذهبه، ولكن قد يستعمل في هذا أن يقال: قد وضح هذا الأمر كالفجر، وقد بان كالفجر، والسدف: هو وقت الفجر وبعده أيضاً، ولكن الفجر في هذا أجود من السدف وأحسن.

وقال في أبي سعيد:

وصليب القناة والرأي والإســلام سائل بذاك عنه الصليبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «من سجايا الطلول ألا تجيبا»
حية الليل يشمس الحزم فيهحين فاءت شمس النهار الغروبا

قوله: «صليب القناة» يريد رمحه، وليس يريد صليه وظهره، ولو كان أراد ذلك لما كان مدحاً.

و «صليب الرأي» جائز سائغ، و «صليب الإسلام» فيه قبح لأنه غير مستعمل، ولكن المنسوق قد يحمل على نسق عليه، إذا كان مقارباً له.

وقوله: «يشمس الحزم فيه» أي: يضيء ويستنير، كأنه يريد أنه يظهر صوابه.

وقوله: «حين فاءت شمس النهار غروبا» أي: يشرق حزمه حتى يضيء لنوره الليل.

وقال في هذه القصيدة:

سكن الكيد فيهم إن من أعــظم إرب ألا يسمى أريبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «من سجايا الطلول ألا تجيبا»
مكرهم عنده فصيح وإن همخاطبوا مكره رأوه جليبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «من سجايا الطلول ألا تجيبا»

قوله: «سكن الكيد فيهم» أي: أخفاه، و «سكن» لا ينوب مناب «أخفى» ولا يستعمل أيضاً في هذا الموضع.

ثم قال: «إن من أعظم إرب ألا يسمى أريبا» و «الإرب»: الدهاء، يريد أنه لما أخفى كيده، فقالوا: لا كيد له، فقال: إن من أعظم إرب، أي: من أعظم دهاء ألا يسمى داهياً، أي: إن من أعظم دهائه أن يخفى كيده فلا يظنوا به الدهاء.

ثم قال: «مكرهم عنده فصيح» أي: ظاهر بين.

«وإن هم خاطبوا مكره رأوه جليبا» يريد: أعجمياً مجلوباً، فجعل المكر يخاطب، وجعله أعجمياً، ودل على عجمته بالجلب، وما أظن أبالعبر لو تعمل للسخف كان ينتهي إلى هذا الحد.

وقال في أبي سعيد:

كادت تحل طلاهم من جماجمهملو لم يحلوا ببذل الحكم ما عقدوا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا»
لكن بذلت لهم رأى ابن محصنةيخاله السيف سيفاً حين يجتهد

قوله: «يخاله السيف سيفاً» من إغراقه المعروف الذي لا حلاوة له ولا تحصيل فيه.

وقال البحتري في علي بن مر:

إذا ارتقى في أعالي الرأي لاح لهما في الغيوب التي تخفى فتستتر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»
توسط الدهر أحوالاً فلا صغرعن الخطوب التي تعرو ولا كبر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»
كالرمح أذرعه عشر وواحدةفليس يزري به طول ولا قصر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»
مجرب طالما أشجت عزائمهذوي الحجا وهو غر بينهم غمر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»
آراؤه اليوم أسياف مهندةوكان كالسيف إذ آراؤه زبر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»

قوله: «آراؤه اليوم أسياف مهندة» أي: ماضية، لأنه قد كمل في عقله وتجاربه، فكان في نفسه كالسيف، «إذ آراؤه زبر»، أي: لم تطبع، يريد: لم يستكمل، يقول: أنه اليوم يمضي الأمور بآرائه بحنكته وتجربته، وكان قبل الحنكة والتجربة يمضيها بمباشرته إياها بنفسه بشجاعته وإقدامه.

وقال أبو تمام في عمر بن عبد العزيز الطائي:

نعم الفتى عمر في كل نائبةنابت وقل له نعم الفتى عمر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا هذه أقصري ما هذه بشر»
مجرد سيف رأى من عزيمتهللدهر صيقله الإطراق والفكر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا هذه أقصري ما هذه بشر»
عضباً إذا سله في وجه نائبةجاءت إليه صروف الدهر تعتذر

يريد: مجرد للدهر سيف رأي، وهذه مبالغة في غاية الحسن والجودة والحلاوة.

وقال البحتري في أبي سعيد:

يببت وراء الناطلوق ورأيهيجز بأقصى السيسجان المفاصلا
إذا اسود فيه الشك كان كواكباًوإن سار فيه الخطب كان حبائلا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أرى بين ملتف الأراك منازلا»

«الناطلوق»: ببلد الروم، و «السيسجان»: من بلاد المشرق، أظنه من «سجستان»، أراد أنه إذا كان غازياً، فإنه لا يغفل ما بعد عنه من الأمور التي وكلت إليه، وعول فيها على رأيه، وهذا معنى حسن جداً.

وقال في أبي سعيد، يذكر كيده وتدبيره في الظفر ببقراط بن أشوط:

بتدبيرك الميمون أغلق كيدهعليه وكلت سمره وبواتره
للشاعر البحتري، من قصيدة «له الويل من ليل تطاول آخره»
وطيك سراً لو تكلف طيهدجى الليل عنا لم تسعه ضمائره
للشاعر البحتري، من قصيدة «له الويل من ليل تطاول آخره»

وهذا هو التدبير والكيد الصحيح، لا قول أبي تمام:

«سكن الكيد فيهم»

وقوله:

«مكرهم عنده فصيح»

وقال في أبي سعيد:

في عارض يدق الردى ألهبتهبصواعق العزمات والآراء
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»

العارض: السحاب، وإنما يريد الجيش.

«يدق الردى»: يذري الردى ويمطره، من الودق: وهو القطر إذا أرسله السحاب، والوديقة: شدة الحر، لدنو الشمس من سمت الرؤوس.

وقال:

عزمات يضئن داجية الخطــب وإن كن من وراء حجاب
يتوقدن والكواكب مطفاة ويقطعن والسيوف نواب
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما على الركب من وقوف الركاب»

وقال البحتري:

حتى إذا كادت مصابيح الدجىتخبو وكاد ممرة يتقضب
ضرب الجبال بمثلها من رأيهغصبان يطعن بالحمام ويضرب
للشاعر البحتري، من قصيدة «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»

وقال في أبي سعيد:

ثم فرقت من كتائب آرائك جنداً لا ياخذون عطاء
بين ضرب يفرج الهام أنصافاً وطعن يفرج الغماء
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا أخا الأزد ما حفظت الإخاء»
ويود العدو لو تضعف الجيــش عليهم وتصرف الآراء

وقال في الخضر بن أحمد التغلبي:

مستشار في المعضلات إذا ما ارتفع الخطب عن نداء وليده
للشاعر البحتري، من قصيدة «بات عهد الصبا وباقي جديده»
ومصيب مفاصل الرأي إن حارب كانت آراؤه من جنوده
للشاعر البحتري، من قصيدة «بات عهد الصبا وباقي جديده»
قومت عزمه الأصالة والرمــح يقيم الثقاف من تأويده
للشاعر البحتري، من قصيدة «بات عهد الصبا وباقي جديده»

وأجود من هذا كله وأشبهه بوصف الرأي قول أبي تمام في مدح أبي دلف:

وقد علم الأفشين وهو الذي بهيصان رداء الملك عن كل جانب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
بأنك لما استحنك الأمر واكتسىأهابي تسفي في وجوه التجارب
تجللته بالرأي حتى أريتهبه ملء عينيه مكان العواقب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
بأرشق إذ سالت عليهم غمامةجرت بالعوالي والعتاق الشوازب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»
نصلت له سيفين رأياً ومنصلاًوكل كنجم في الدجنة ثاقب
وكنت متى تهزر لخطب تغشهضرائب أمضى من رقاق المضارب

وهذا أحسان يجب أن يعفى لأبي تمام من أجله عن كل إساءة.

وقد سلك البحتري هذه السبيل فقال:

إلى صامتي الكيد لو لم يكن لهقريحة كيد لاكتفى بالتجارب
للشاعر البحتري، من قصيدة «هبيه لمنهل الدموع السواكب»
عليم بما خلف العواقب إن سرترويته فضلاً بما في العواقب
للشاعر البحتري، من قصيدة «هبيه لمنهل الدموع السواكب»
وصيقل آراء يبيت يكرهاويشحذها شحذ المدى للنوائب
تحرق تحريق الصواعق ألهبتبرعد وتنقض انقضاض الكواكب

وهذا -لعمري- جيد بالغ، ولكنه يقصر عن قول أبي تمام.

والذي هو في غاية الجودة، قوله في أبي نهشل بن حميد:

إذا ما رمى بالرأي خلف أبيهمن الأمر يوماً أدركته مكائده
للشاعر البحتري، من قصيدة «دنا السرب إلا أن هجرا يباعده»
له فكر بين الغيوب إذا انتهىإلى مقفل منها فهن مقالده
للشاعر البحتري، من قصيدة «دنا السرب إلا أن هجرا يباعده»
صواعق آراء لو انقض بعضهاعلى يذبل لانقض أو ذاب جامده
للشاعر البحتري، من قصيدة «دنا السرب إلا أن هجرا يباعده»

وحسبك بهذا جودة.

وقال البحتري أيضاً في «الفتح» وهو من فاخر كلامه:

بعيد مقيل السر لا يدرك التييحاولها منه الأريب المخادع
ومكتتم التدبير ليس بظاهرعلى طرفه الرأي الذي هو تابع
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألمت وهل إلمامها لك نافيع»
ولا يعلم الأعداء من فرط عزمهمتى هو مصبوب عليهم فواقع
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألمت وهل إلمامها لك نافيع»
خلائق ما تنفك توقف حاسداًله نفس في إثرها متراجع
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألمت وهل إلمامها لك نافيع»
ولن ينقل الحساد مجدك بعدماتمكن رضوى واطمأن متالع
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألَمّتْ، وَهَلْ إلمامُها لكَ نَافِعُ»

وقال أبو تمام في أبي سعيد:

يقظان أحصدت التجارب عقدهشزراً وثقف حزمه تثقيفا
واستل من آرائه الشعل التيلو أنهن طبعن كن سيوفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أطلالهم سلبت دماها الهيفا»
كهل الأناة فتى الشذاة إذا غداللروع كان القشعم الغطريفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أطلالهم سلبت دماها الهيفا»

وقد أحسن البحتري في هذا الباب إحساناً كثيراً إلا أن أبا تمام فيه عندي عندي أشعر منه.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.