تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

ذكر المسير إلى أرض العدو والنزول عليها والظفر والفتوح

قال أبو تمام:

لقد انصعت والشتاء له وجــه تراه الكماة جهماً قطوبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «من سجايا الطلول ألا تجيبا»
طاعناً منحر الشمال متيحاًلبلاد العدو موتاً جنوبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «من سجايا الطلول ألا تجيبا»

أخذ البحتري المعنى فقال:

ورمى بثغرته الثغور فسدهاطلق اليدين مؤملاً مرهوبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «حاشاك من ذكر ثنته كئيبا»
بالسيف أرسله الخليقة مصلتاًوالموت هب من العراق هبوبا

بيت البحتري أحسن وأجود لذكره الهبوب، وبيت أبي تمام أجمع لذكره الشمال مع الجنوب.

ثم وصف أبو تمام شدة الزمان من البرد فقال:

في ليال تكاد تبقي بحد الشــمس من ريحها البليل شحوبا
سبرات إذا الحروب أنيختهاج صنبرها فكانت حروبا
فضربت الشتاء في أخدعيهضربة غادرته عوداً ركوبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «من سجايا الطلول ألا تجيبا»

وهذا من استعاراته القبيحة المعروفة.

وقال في ضد قوله: «فضربت الشتاء في أخدعيه» في مدح أبي سعيد:

كرمت غزوتاك بالأمس والخيــل دقاق والخطب غير دقيق
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما عهدنا كذا نحيب المشوق»
كم أفادت من أرض قرة من قرة عين وربرب موموق
ثم آبت وأبت خوف الغمام الـفظ ذا فكرة وقلب خفوق
لا تبالي بوارق البيض والسمــر ولكن باليت لمع البروق
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما عهدنا كذا نحيب المشوق»
تشنأ الغيث وهو جد حبيبرب حزم في بغضة الموموق
لم تخوف ضر العدو ولا بغــياً ولكن تخاف ضر الصديق
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما عهدنا كذا نحيب المشوق»

وقال البحتري:

إذ مضى مجلباً يقعقع في الدرب زئيراً ينس الكلاب العواء
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا أخا الأزد ما حفظت الإخاء»
يوم حاضت من خوفه ربة الروم صباحاً وراسلته مساء
حين أبدت إليك خرشنة العلــيا من الثلج هامة شمطاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا أخا الأزد ما حفظت الإخاء»
ما نهاك الشتاء عنها وفي صدرك نار للحقد تنهي الشتاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا أخا الأزد ما حفظت الإخاء»

قوله: «خرشنة العليا» هي خرشنة واحدة، وإنما قال: «العليا» أراد: التي هي عالية.

وقوله: «وفي صدرك نار الحقد تنهي الشتاء» أحسن من «فضربت الشتاء في أخدعيه»، وخلاف قوله:

لا تبالي بوارق المسر والبيــض ولكن باليت لمع البروق

وقال أبو تمام:

أوقدت من دون الخليج لأهلهاناراً لها خلف الخليج شرار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»
إلا تكن حصرت فقد أضحىمن خوف قارعة الحصار حصار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»
فهناك نار وغى تشب وها هناجيش له لجب وثم مغار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»
خشعوا لصولتك التي هي عندهمكالموت يأتي ليس فيه عار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»

وهذا في غاية الجودة والصحة والسلامة.

وقال بعد هذا:

غادرت أرضهم بخيلك في الوغىفكأن أمنعها لها مضمار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لا أنت أنت ولا الديار ديار»

«لها»: للخيل مضمار، وهو الميدان الذي تجري فيه وتضمر.

فأقمت فيها وادعاً متمهلاًحتى ظنناً أنها لك دار

وهذا معنى حسن لطيف، وأحسن منه وأجود وأحلى قول البحتري:

ووصلت أرض الروم وصل كثيرأطلال عزة في لوى تيماء
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»
في كل يوم قد نتجت منيةلحماتها من حربك العشراء
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»

وقال أبو تمام في فتح عمورية:

يا يوم وقعة عمورية انصرفتمنك المنى حفلاً معسولة الحلب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
أبقيت جد بني الإسلام في صعدوالمشركين ودار الشرك في صيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
أم لهم لو رجوا أن تفتدي جعلوافداءها كل أم منهم وأب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
وبرزة الوجه قد أعيت رياضتهاكسرى وصدت صدوداً عن أبي كرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
بكر فما افترعتها كف حادثةولا ترقت إليها همة النوب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
من عهد إسكندر أو قبل ذلك قدشابت نواصي الليالي وهي لم تشب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
حتى إذا مخض الله السنين لهامخض البخيلة كانت زبدة الحقب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
أتتهم الكربة السوداء كاربةمنها وكان اسمها فراجة الكرب
جرى لها الحال برحا يوم أنقرةإذ غودرت وحشة الساحات والرحب
لما رأت أختها بالأمس قد خربتكان الخراب لها أعدى من الجرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

قوله: «مخض البخيلة»، لأنها تستقصي مخض البخيلة حتى لا يبقى شيء من الزبد إلا استخرجته.

وقوله: «الكربة السوداء» من أجل الرايات السود، «كاربة منها» يريد من عمورية، «كاربة» أي: غاشية لها ودانية منها، يقال: قد كرب أن يفعل كذا، أي: دنا وقرب.

«وكان اسمها فراجة الكرب» أي: الكربة السوداء، يريد الرايات السود،

و «فراجة الكرب»: لأنها فرجت الكربة من الدولة الأموية لما خرجت من خراسان.

ثم وصف الحريق فقال:

تركت فيها بهيم الليل وهو ضحىيشله وسطها صبح من اللهب
حتى كأن جلابيب الدجى رغبتعن لونها وكأن الشمس لم تغب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
ضوء من النار والظلماء عاكفةوظلمة من دخان في ضحى شحب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
فالشمس طالعة من ذا وقد أفلتوالشمس واجبة من ذا ولم تجب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وإنما حذا في هذا كله حذو قول النابغة يصف يوم حرب:

تبدو كواكبه والشمس طالعةلا النور نور ولا الإظلام إظلام
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «قالت بنو عامر خالوا بني أسد»

ثم قال:

تكشف الدهر تصريح الغمام لهاعن يوم هيجاء منها طاهر جنب
ما ربع مية معموراً يطيف بهغيلان أبهى ربى من ربعها الخرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
ولا الخدود وقد أدمين من خجلأشهى إلى ناظر من خدها الترب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
سماجة غنيت منا العيون بهاعن كل حسن بدا أو منظر عجب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
وحسن منقلب تبقى عواقبهجاءت بشاشته من سوء منقلب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وقوله: «ما ربع مية معموراً يطيف به غيلان» إنما استحسنه غيلان وحده ويكون بهياً عنده لا عند الناس، وكأنه أراد: أبهى ربى عندنا من ربع مية عند غيلان، والمعنى غير جيد، وإنما كان ينبغي أن يشبهه بشيء له بهاء على كل حال عند كل أحد على العموم، لكن البحتري ذكر كثيراً وأطلال عزة فوضع القول في موضعه الذي يليق به فقال:

ووصلت أرض الروم وصل كثيرأطلال عزة في لوى تيماء
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»

وهذا في غاية الحسن والصحة، يصلح أن يكون مثالاً لكل شيء أدام الملازمة لشيء.

وقال البحتري:

رمى الروم بالغزو الذي ما تتابعتنوافذه إلا أصبن المقاتلا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أرى بين ملتف الأراك منازلا»
غزاهم فأفناهم ولم يقتصر بهمعلى العام حتى جدد الغزو قابلا
رويدك أنظرهم لتنتجع الربىمنورة أو تحلب الخلف حافلا
فقد عرت بالغارات في وهداتهمولياً ووسمياً رذاذاً ووابلا
وسقت الذي فوق المعاقل منهمفلم يبق إلا أن تسوق المعاقلا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أرى بين ملتف الأراك منازلا»

فهذه هي الطريقة العربية والبلاغة المتقنة.

وقال:

حوى كل ما دون الخليج ولم يدعفؤاداً بما دون الخليج معلقا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لأوشك شعب الحي أن يتفرقا»
قليل السرور بالكثير ينالهفتحسبه وهو المظفر مخفقا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لأوشك شعب الحي أن يتفرقا»
ومحترس من أين رمت اغترارهوجدت له سهماً إليك مفوقا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لأوشك شعب الحي أن يتفرقا»

وهذا حزم وتيقظ لا غاية وراءهما، ولفظ وعبارة عن معنى لا شيء أوضح منه.

ومثل قوله: «.... وهو المظفر مخفقا» قوله في أبي سعيد:

يرجى التقى من هديه واعتلالهسكينة مغلوب وأوبة غالب

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.