من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ذكر من انهزم ونجا بحشاشته ومن أسر
قال أبو تمام يعني بابك الخرمي:
ونجا ابن خائنة البعولة لو نجابمهفهف الكشحين والآطال
ترك الأحبة سالياً لا ناسياًعذر النسي خلاف عذر السال
هتكت عجاجته القنا عن وامقأهدى الطعان له خليقة قال
وقال فيه:
عشية صد البابكي عن القناصدود المقالي لا صدود المجامل
تحدر من لهبيه يرجو غنيمةبساحة لا الواني ولا المتخاذل
فكان كشاة الرمل قيضه الردىلقانصه من قبل نصب الحبائل
وهذا وما قبله جيد بالغ.
وقال:
عدا الليل فيها عن معاوية الردىوما شك ريب الدهر في أنه ردي
لعمري لقد حررت يوم لقيتهلو أن القضاء وحده لم يبرد
وفي أرشق الهيجاء والخيل ترتميبأبطالها في جاحم متوقد
عططت على رغم العدا عزم بابكبصبرك عط الأتحمي المعضد
فإن لا يكن ولى بشلو مقددهناك فقد ولى بعزم مقدد
قوله: «لو أن القضاء وحده لم يبرد» من معانيه التي كان الشيوخ يضحكون منها.
وقوله: «وفي أرشق الهيجاء» أراد: في هيجاء أرشق فجاء به على القلب، أي: في حرب أرشق، «عططت»: شققت، والأتحمي: ضرب من الثياب.
وقال:
وقد كانت الأرماح أبصرن قلبهفأرمدها ستر القضاء الممدد
والستر الممدود من كل شيء إنما يحجب العين عن أن تنظر إلى ما وراءه، فأما أن يرمدها فلا، لكنه ذهب إلى أن الأرمد لا يبصر.
وقال:
وكان هو الجلد القوي فسلبتهبحسن الجلاد المحض حسن التجلد
لعمري لقد غادرت حسي فؤادهقريب رشاء للقنا سهل مورد
فكان بعيد القعر من كل ماتحفغادرته يسقس ويشرب باليد
وهذا غاية في حسنه وصحته وحلاوته وغرابته.
وقال:
إلا تنل منويل أطراف القناأو تثن عنه البيض وهي حرائر
فلقد تمنى أن كل مدينةجبل أصم وكل حصن غار
فانظر بعين شجاعة فلتنظرنأن المقام بحيث كنت فرار
هيهات جاذبك الأعنة باسليعطي الشجاعة كل من تختار
فمضى لو أن النار دونك خاضهابالسيف إلا أن تكون النار
وقال يمدح الأفشين:
لاقاك بابك وهو يزأر فانثنىوزئيره قد عاد وهو أنين
لما رأى علميك ولى هارباًولكفره طرف عليه سخين
ولى ولم يظلم وهل ظلم امرؤحث النجاء وخلفه التنين
طعن التلهف قلبه ففؤادهمن غير طعنة فارس مطعون
ورجا بلاد الروم واستعصى بهأجل أصم عن النجاء حرون
هيهات لم يعلم بأنك لو ثوىبالصين لم تبعد عليك الصين
وهذا كله معنى ولفظاً لا مطعن في الصحة والاستقامة والحسن والجودة.
وقال:
إن ينج منك أبو نصر فعن قدرتنجو الرجال ولكن سله كيف نجا
وهذا بيته المشهور الذي يستحسن من أجل إجماله وتركه أن يشرح.
وقد أحسن البحتري في قوله:
إن ينج منهزماً ركضاً فقد وطئتمنه الرماح صليفي كاهل وقفا
وقال أبو تمام:
ولى معاوية عنهم وقد أخذتفيه القنا فأبى المقدار والأمد
نجاك في الروع ما نجى سميك فيصفين والخيل بالفرسان تنجرد
إن تنفلت وأنوف الموت راغمةفاذهب فأنت طليق الركض يا لبد
وقال فيها:
تركت منهم سبيل النار سابلةفي كل يوم إليها عصبة ترد
كأن بابك بالبذين بعدهمنؤي أقام خلاف الحي أو وتد
وقال:
لما رأى الحرب رأي العين توفلسوالحرب مشتقة المعنى من الحرب
غدا يصرف بالأموال جزيتهافعره البحر ذو التيار والحدب
لم ينفق الذهب المربي بكثرتهعلى الحصى وبه فقر إلى الذهب
إن الأسود أسود الغيل همتهايوم الكريهة في المسلوب لا السلب
ولى وقد ألجم الخطى منطقهبسكتة تحتها الأحشاء في صخب
أحذى قرابينه صرف الردى ومضىيحتث أنضى مطاياه من الهرب
وهذا إحسانه المعروف الذي لا شيء يفوقه.
وقال:
رآه العلج مقتحماً عليهكما اقتحم الفناء على الخلود
فمر ولو يجاري الريح خيلتلديه الريح ترسف في القيود
قوله:
كما اقتحم الفناء على الخلود
من قول مسلم بن الوليد:
كأنه أجل يسعى إلى أمل
وقوله:
خيلتلديه الريح ترسف في القيود
في غاية الجودة
وقال في مدح إسحاق بن إبراهيم:
سماهم البطر الأسد الغضاب فلمتهجع سيوفك حتى صيروا نعما
ولت شياطينهم عن حد ملحمةكانت نجوم القنا فيها لهم رجما
وما وراء هذا البيت غاية في حسنه وحلاوته وصحة معناه، ولست أدري أيهما أجود في معناه أهو أم قول البحتري:
قمر يكر على الكماة بكوكب
وقال في مدح خالد بن يزيد بن مزيد:
ولما رأى توفيل راياتك التيإذا ما اتلأبت لا يقاومها الصلب
تولى ولم يأل الردى في اتباعهكأن الردى في قصده هائم صب
غدا خائفاً يستنجد مذعناًعليك فلا رسل ثنتك ولا كتب
وما الأسد الضرغام يوماً بتاركصريمته إن أن أو بصبص الكلب
فمر ونار الكرب تلفح قلبهوما الروح إلا أن يخامره الكرب
مضى مدبراً شطر الدبور ونفسهعلى نفسه من سوء ظن بها إلب
جفا الشرق حتى ظن من كان جاهلاًبدين النصارى أن قبلته الغرب
وحسبك بهذا جودة.
وقال البحتري في هذا الباب:
أشلى على منويل أطراف القنافنجا عتيق عتيقه جرداء
ولو أنه أبطى لهن هنيهةلصدرن عنه وهن غير ظماء
فلئن تبقاه القضاء لوقتهفلقد عممت جنوده بفناء
أثكلته أشياعه وتركتهللموت مرتقباً صباح مساء
حتى لو ارتشف الحديد أذابهبالوقد من أنفاسه الصعداء
وقال:
وما كان بقراط بن آشوط عندهبأول عبد أوبقته جرائره
وقد شاغب الإسلام خمسين حجةفلا الخوف ناهيه ولا الحلم زاجره
ولم يرض من جرزان حرزاً يجيرهولا في جبال الروم ريداً يجاوره
فجاء مجيء العير قادته حيرةإلى أهرت الشدقين تدمى أظافره
ومن كان في استسلامه لائماً لهفإني على ما كان من ذاك عاذره
ولم يبق بطريق له مثل جرمهبأران إلا عازب اللب طائره
كسرتهم كسر الزجاجة بعدهومن يجبر الوهي الذي أنت كاسره
فإن يك هذا أول النقص فيهموكنت لهم جاراً فما هو آخره
وهذا في غاية الحسن والصحة والسلامة.
وقوله:
فجاء مجيء العير قادته حيرة
مثل قول أبي تمام:
فكان كشاة الرمل قيضه الردى
والبيتان جميعاً جيدان ومعناهما مشترك جار في العادات وليس مثله مسروقاً.
وقال:
ولقد عزلت أبا أمية لو وعتأذناه ذاك العذل والتأنيبا
قصد الهدى بالمعضلات يكيدهودعا إلى إضلاله فأجيبا
حتى تقنص في أظافر ضيغمملأت هماهمه القلوب وجيبا
ونهيت بقراط بن حمزة لو نهىأملاً كبارقة الجهام كذوبا
ظن الظنون صواعداً فرددتهخزيان يحمل منكباً منكوبا
متقسم الأحشاء ينفض روعهقلباً كأنبوب اليراع نخيبا
وهذا كله جيد بالغ لفظاً ومعنى وسبكاً.
وقال:
ولما رأى الأكراد برق سنانهتمج دماً منهم فوبل وريق
تولوا فهام بالفرار معيردهوراً وهام بالسيوف ملفق
وهذا كما ترى غاية في حسنه وغرابته.
وقال:
وزر فروج المرهفات على بنيزرارة واختاروا عليه السلاسلا
وأصلح منهم كل من كان فاسداًوقوم منهم كل من كان مائلا
وأصعد موسى في السماء فلم يجدبها مهرباً منه فأقبل نازلا
ولم تستطع بدليس تمنع ربهامن الأسد المزجي إليها القنابلا
لأذكرته بالرمح ما كان ناسياًوعلمته بالسيف ما كان جاهلا
أحطت به قهراً فلما ملكتهأحطت به منا عليه ونائلا
ولو لم تناهضه وأبصر ماتنيل من الجدوى لجاءك سائلا
وهذا هو الإحسان الذي لا يتعلق به إحسان، غير أن قوله: «وزر فروج المرهفات» استعارة رديئة وتجنيس قبيح يشبه تجنيسات أبي تمام الرديئة.
وقال:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهممحمرة فكأنهم لم يسلبوا
ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكنينجيهم من أخذ بأسك مهرب
«ركبوا الكواكب» لأنه لا تفي بحركة سيرها حركة.
وما أحسن ما قال عبد العزى بن وديعة المزني:
كأن سيوفنا فينا وفيهمسحاب يستهل ويستطير
كأنهم وقد ولوا جرادبذي لجب تهوره الدبور
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع