من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ذكر وصف الخيل في الحرب
قال أبو تمام:
واكتست ضمر الجياد المذاكيمن لباس الهيجا دماً وحميما
في مكر تلوكها الحرب فيهوهي مقورة تلوك الشكيما
وهذا معنى قبيح جداً، أن جعل الحرب تلوك الخيل من أجل قوله: «تلوك»، و «تلوك الشكيما» ها هنا أيضاً خطأ، لأن الخيل لا تلوك الشكيم في المكر وحرمة الحرب، وإنما تفعل ذلك إذا كانت واقفة، وقد ذكرت هذا في أغاليطه في المعاني وأوضحته.
و «المقورة»: الضامرة.
وأما قول أبي حزابة التميمي.
خاض الردى في العدى قدماً بمنصلهوالخيل تعلك ثن الموت باللجم
فإنما قال: «ثن الموت»، مثلاً، والثن: هو حطام النبات اليابس، ولم يرد أنها تعلك اللجم على الحقيقة.
وقال أنس بن الديان:
أقود الجياد إلى عامرعلائك لجم تمج الدما
ولم يقل أنها تفعل هذا في حال كرها.
وقال أبو تمام:
تقاسمنا بها الجرد المذاكيسجال الكره والداب البعيد
فنمسي في السوابغ محكماتوتمسي في السروج وفي اللبود
حذوناها الوجي والأين حتىتجاوزت الركوع إلى السجود
إذا خرجت من الغمرات قلناخرجت حبائساً إن لم تعودي
فكم من سؤدد أمكنت منهبرمته على أن لم تسودي
أهانك للطراد ولم تهونيعليه وللقياد أبو سعيد
بلاك وكنت أرشيه المعاليوبرد مسافة الأمد البعيد
وهذا وصف حسن، ومعان جيدة حلوة.
قوله: «أهانك للطراد» معنى صحيح، و «للقياد» أظنه يريد إذا قيدت بين يدي من يهبها له، ويحمله عليها، أي: يهون عليه أن يطارد عليها فيتبعها وينصبها، ويهون عليه أن يهبها، وإلا فليس بها هوان أن تقاد بين يدي أبي سعيد، بل قود الخيل إذا تعبت والجنائب بين يدي الملوك من إكرامها لا من هوانها.
وقال البحتري:
فلم أر مثل الخيل أبقى على السرىولا مثلنا أحنى عليها وأشفقا
وما الحسن إلا أن تراها مغيرةتجاذبنا حبلاً من الصبح أبرقا
فكم من عظيم أدركته صدورهافبات غنياً ثم أصبح مملقا
وأوحشها من يوسف حمل يوسفعليها المعالي جامعاً ومفرقا
إذا أفلتت من سملق بنفوسهاأعاد عليها رائدا المجد سملقا
قوله: «تجاذبنا حبلاً من الصبح أبرقا» غاية في حسنه وحلاوته.
وقوله: «حمل يوسف عليها المعالي جامعاً ومفرقا» أي: وأوحشها منه كده إياها في طلب المعالي، بأن يغير فيجمع الأموال ويفرقها.
وقال:
عابسات حملن يوماً عبوساًلأناس عن خطبه غافلينا
زرن بالدارعين أهل البقلار وأجلوا عن صاغري صاغرينا
قد طواهن طيهن الفيافيواكتسبن الوجيف حتى عرينا
كوعول الهضاب رحن وما يمــلكن إلا صم الرماح قرونا
جلنا في يابس التراب فما رمــن طعاناً حتى وطئن الطينا
«البقلار» و «صاغري» من بلاد الروم، و «الوجيف»: ضرب من السير، وجعله كسوة للخيل على مذهب أبي تمام الرديء في الاستعارة، وإنما قال: «اكتسين» من أجل قوله: «عرين» يريد: عرين من اللحم من طول السير.
وقوله:
كوعول الهضاب رحن وما يمــلكن إلا صم الرماح قرونا
من أحسن تشبيه وألطفه، شبه الخيل بوعول الهضاب، لأنه قطع بها جبال الروم، وجعل قرونها الرماح، وإنما سمع الحجاج بن علاط السلمي:
ترى غابة الخطي فوق متونهمكما أشرقت فوق الصوار قرونها
واحتذى عليه كثير فقال:
وهم يضربون الصف حتى يثبتواوهم يرجعون الخيل جما قرونها
أراد أنهم يطعنون بالرماح حتى تكسر، وقرون الخيل: الرماح، كذا فسره يعقوب.
وقوله: «حتى يثبتوا» أي: أمرهم وملكهم، وقوله: «يثبتوا» من قولهم: رجل مثبت، أي مثخن بالجراح ومثبت من المرض.
وقال البحتري:
وأزرت الخيول قبر امريء القيــس سراعاً فعدن عنه بطاء
وجلبت الحسان حواً وحوراًآنسات حتى أغرت النساء
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع