من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما قالاه في التوجع من العلل والنكبات والتهاني على السلامة منها
قال أبو تمام:
أبا القاسم المحمود إن ذكر الحمدوقيت رزايا ما يروح وما يبدو
وطابت بلاد أنت فيها فأصبحتومربعها غور ومصطفاها نجد
فإن تك قد نالتها أطراف وعكةفلا عجب أن يوعك الأسد الورد
سلمت وإن كانت لك الدعوة اسمهاوكان الذي يحظى بإنجاحها المجد
فقد أصبحت من صفرة ووجوههاوراياتها سيان غماً بك الأزد
بنا لا بك الشكوى فليس بضائرإذا صح نصل السيف ما لقي الغمد
وهذه أبيات مضطربة الألفاظ والمعاني.
وأحسن من هذا وأبرع قول أبي الشمر الغساني وهو العلاء بن عاصم:
فإن تك حمى الربع شفك وردهافعقباك منها أن يطول لك العمر
وقيناك لو نعطى الهوى فيك والمنىفكانت لنا الشكوى وكان لك الأجر
وأجود منها وألطف معنى قول محمد المعروف بالبيدق، شاعر رشيدي كان الرشيد يستحسن إنشاده، يقول في عمرو بن مسعدة:
قالوا أبو الفضل معتا فقلت لهمنفسي فداء له من كل محذور
يا ليت علته بي ثم إن لهأجر العليل وأني غير مأجور
وأول من قال هذا أظن الأخطل في يزيد بن معاوية:
ونعود سيدنا وسيد غيرناليت التشكي كان بالعواد
لو كان يقبل فدية لفديتهبأناملي وبطارفي وتلادي
وقال أبو تمام:
لا عيش أو يتحامى جسمك الوصبفتنجلي بك عن أخوانك النوب
لعاً أبا جعبر واسلم فقد سلمتبك المروءة واستعلى بك الحسب
إنا جهلنا فخلناك اعتللت ولاوالله ما عتل إلا الظرف والأدب
وقال في خروج أبي دلف من علة:
قد شرد الصبح هذا الليل عن أفقهوسوغ الدهر ما قد كان من شرقه
سيقت إلى الخلق في النيروز عافيةبها شفاههم جديد الدهر من خلقه
يا رب مصطبح بالبث معتبقصحا ومشتجر ليلاً ومرتفقه
لما اكتسى القاسم البرد الأنيق غداعلى السرور فأعداه على حرقه
الله جلاه من كرب ومن وصبكاد السماح يذوق الموت من فرقه
لم يبق ذو كرم إلا وجامعةثقيلة قد حناها الدهر في عنقه
أجناك من ثمرات البرء أينعهارب كساك الأثيث النضر من ورقه
حتى يقال لقد أضحى أبو دلفوخلقه قد طغا حسناً على خلقه
وهذا كله رديء لفظاً ومعنى إلا قوله: «أجناك من ثمرات البرء أينعها ...».
وقال البحتري في إبراهيم بن المدبر:
بأنفسنا لا بالطوارف والتلدنقيك الذي تخفي من الشكو أو تبدي
بنا معشر الأخوان ما بك من أذىفإن أشفقوا مما أقول فبي وحدي
ظللنا نعود المجد من وعكك الذيوجدت وقلنا اعتل عضو من المجد
ولم ننصف الليث اقتسمنا نوالهولم نقتسم حماه إذ أقبلت تردي
ولست ترى شوك القتادة خائفاًرياح السموم الأخذات من الرند
ولا الذئب محموماً وإن طال عمرهألا إنما الحمى على الأسد الورد
وحرت على الأيدي مجسة كفهكذلك موج البحر ملتهب الوقد
بدت صفرة في لونه إن حمدهممن الدر ما اصفرت نواحيه في العقد
قوله: «قلنا: اعتل عضو من المجد» إنما أخذ المعنى من قول أبي تمام في الأبيات المتقدمة: «وكان الذي يحظى بإنجاحها المجد».
وقوله: «ألا إنما الحمى على الأسد الورد» من قول أبي تمام: «فلا عجب أن يوعك الأسد الورد» ولعمري أن هذا معنى مشترك يتداوله الناس، ولكن لما أخذ ذلك المعنى الأول ذكر به هذا وأورده معه.
وأبيات البحتري على كل حال أبرع وأجود.
وقد عابه أبو العباس بن نعمان من حيث ظن أن الأبيات لأبي تمام بقوله:
إن حمدهممن الدرما اصفرت نواحيه في العقد
وقال: ما حمد الناس ذلك قط، وما المحمود من الدر إلا الأبيض النقي البياض.
ولم يرد البحتري الصفرة المعيبة، وإنما أراد الصفار الذي يخرج الدرة عن أن تكون ناشفة اللون، ولهذا قال الناس: لون دري، يراد صفاؤه وحسنه، وأنه ليس ببياض ناشف فإن ذلك مكروه في الألوان.
وقال البحتري:
إن ترج نيل عبيد الله لم تخبأو ترم في غرض من سيبه تصب
ذاك أخ أفتديه أن يحس أذىبالنفس عما توقاه وبالنشب
إن كان من فارس في بيت سؤددهاوكنت من طيء في البيت والحسب
فلم يضرنا تنائي المنصبين وقدرحنا نسيبين في خلق وفي أدب
إذا تساجلت الأخلاق واقتربتدنت مسافة بين العجم والعرب
اسلم ولا زلت في ستر من النوبوعش حميداً على الأيام والحقب
وليهنك البرء مما كنت تألمهوالأجر في عقب ذاك الشكو والوصب
أوحشت مذ غبت قوماً كنت أنسهمإذا شهدتهم فاشهد ولا تغب
وإن فصدت ابتغاء البرء من سقمفقد أرقت دماً يشفي من الكلب
وهذه أبيات جياد حسان المعنى.
وقال في أبي نوح عيسى بن إبراهيم:
نغتد أنحسنا بعزك أسعداونسر فيك بما يساء به العدا
فاسلم أبا نوح فإنك إنماتهوى السلامة كي تجود وتحمدا
وهنتك عافية الأمير فإنهقد راح مجتمع العزيمة واغتدى
في نعمة هي للمكارم والعلىوسلامة هي للسماحة والندى
لما تشابهت الرجال حكيتهمجداً أطل على النجوم وسؤددا
ومرضتما وفقاً فكان دعاؤناأن تبقيا وتكون أنفسنا الفدا
لك عادة ألا تزال شريكهفيما عناه مساعفاً ومساعدا
لو يستطيع وقاك عادية الضنىأو تستطيع وقيته صرف الردى
والنفس واحدة وإن أصبحتماشخصين غارا في السماح وأنجدا
روح تدبر منكما حركاتهابدنين ذا عبداً وهذا سيدا
هذا المعنى هو ما قاله ابن وهيب:
فكأنه روح تدبرناحركاته وكأننا جسد
وقال في أبي نوح -وكان الأسد غشيهم ليلاً، وأظنه جزع فمرض-:
الله جارك مكلوءاً وممتنعامن الحوادث حتى ينفذ الأبد
إذا اعتللت ذممنا العيش هو ندطلق الجوانب صاف ظله رغد
لو أن أنفسنا اسطاعت وقيت بهاحتى تكون بها الشكوى التي تجد
ما أنصف الأسد العادي مخاتلهوالراح تسري وجنح الليل محتشد
ولو يلاقيك صبحاً مصحراً لرأىصريمة ينثني عن مثلها الأسد
لصده عنك عزم صارم ويدطويلة وحسام صارم يقد
وهذا مما لا يفي بحسنه وصحته وحلاوته شيء.
وقال في الفتح بن خاقان يهنئه بسلامته من الغرق:
بعدوك الحدث الجليل الواقعولمن يكايدك الحمام الفاجع
قلنا لعاً لما عثرت ولا تزلنوب الليالي وهي عنك رواجع
ولربما عثر الجواد وشأوهمتقدم ونبا الحسام القاطع
لن يظفر الأعداء منك بزلةوالله دونك حاجز ومدافع
أحدى الحوداث شارفتك فردهادفع الإله وصنعه المتتابع
دلت على رأي الإمام وأنهقلق الضمير لما أصابك جازع
هل غاية الوجد المبرح غير أنيعلو نشيج أو تفيض مدامع
وفضيلة لك أن منيت بمثلهافنجوت متئداً وقلبك جامع
ما حال لون عند ذاك ولا هفاعزم ولا راع الجوانح رائع
حتى برزت لنا وجأشك ساكنمن نجدة وضياء وجهك ساطع
خبر يسوء الحاسدين إذا بداوأعاد فيه محدث أو سامع
وحسبك بهذا جودة وحسناً.
وقال يهنيء المتوكل بسلامة الفتح من الغرق:
هنتك أمير المؤمنين عطيةمن الله يزكو نيلها ويطيب
يد الله في فتح لديك جميلةوإنعامه فيه عليك عجيب
وليك دون الأولياء محبةومولاك والمولى الصريح نسيب
وعبدك أحظته لديك نصيحةوأرضاك منه مشهد ومغيب
رمته صروف النائبات فأخطأتكذا الدهر يخطي مرة ويصيب
ولم أنسه يطفو ويرسب تارةويظهر للرائين قم يغيب
دعا باسمك المنصور والموج غامرلدعوته والموت منه قريب
ولم أنسه يطفو ويرسب تارةويظهر للرائين ثم بغيب
دعا باسمك المنصور والموج غامرلدعوته والموج منه قريب
وأقسم لو يدعوك والخيل حولهلفرجها عنه أغر نجيب
فلولا دفاع الله دامت على البكاعيون ولجت في الغرام قلوب
فجاء على يأس وقد كادت القوىوبشرى أتت بعد النعي تؤوب
ثنت من تباريح الغليل ونهنهتمدامع ما ترقا لهن غروب
بقيت أمير المؤمنين فإنمابقاؤك حسن للزمان وطيب
ولا كان للمكروه نحوك مذهبولا لصروف الدهر فيك نصيب
وقال في مثله من قصيدة:
لقد كان يوم النهر يوم عظيمةألمت ونعماء جرى بهما النهر
أجزت عليه عابراً فتشاغبتأواذيه لما طغا فوقها البحر
وزالت أواخي الجسر وانهدمت بهقواعده العظمى وما ظلم الجسر
تحمل حلماً مثل قدس وهمةكرضوى وقدراً ليس يعدله قدر
فلولا دفاع الله عنك ومنهعليك وفضل من مواهبه غمر
لأظلمت الدنيا ولانقض حسنهاولانحت من أفنانها الورق الخضر
ولما رأيت الخطب ضنكاً سبيلهوقد عظم المكروه واستفظع الأمر
صرمت فلم تقعد بعزمك حيرة الــمروع ولم يسدد مذاهبك الذعر
وما كان ذاك الهول إلا غيابةبدا طالعاً من تحت ظلمتها البدر
فإن ننس نعمى الله فيك فحظناأضعنا وإن نشكر فقد وجب الشكر
وقال أبو تمام في علة نالت أحمد بن أبي دؤاد:
لا نالك العثر من دهر ولا الزللولا يكن للعلا في فقدك الثكل
لا تعلل إنما بالمكرمات إذاأنت اعتللت ترى الأوجاع والعلل
تضاءل الجود مذ مدت إليك يدمن بعض أيدي الردى واستأسد البخل
لم يبق في صدر راجي حاجة أملإلا وقد ذاب سقماً ذلك الأمل
بينا كذلك والدنيا على خطروالعرف فيك إلى الرحمن يبتهل
وأعين الناس تعطي فوق ما سئلتعليك والصبر يعطي دون ما يسل
حبا بك الله من لولاك لانبعثتفيه الليالي ومنها الوخد والرمل
سقم أتيح له برء فذعذعهوالرمح يناد حيناً ثم يعتدل
وحال لون فرد الله نضرتهوالنجم يخمد شيئاً ثم يشتعل
وكسب أجر ولم تعمل له وبلىوعك المقيم على توحيده عمل
الأربعة الأبيات الأول جياد، والباقية رديئة مضطربة الألفاظ والمعاني، والنجم لا يوصف بالخمود، وما رأينا نجماً قط خمد، وإنما تستره هبوة أو غمامة، فيقال: غاب واستتر ولا يقال خمد.
وقال في مرض إلياس بن أسد -يكتب في أول الباب-:
إلياس كن في أمان الله والذممذا مهجة عن ملمات الأذى حرم
سلامة لك لا تهتاج نضرتهاودعدعاً ولعاً في النعل والقدم
الله أنقذ منها علة عرضاًلم تنح أظفارها إلا على الكرم
تكشفت هبوات الثغر مذ كشفتآلاء ربك ما استشعرت من سقم
فإن يكن وصب عانيت سورتهفالورد حلف لليث الغابة الأضم
إن الرياح إذا ما أعصفت قصفتعيدان نجد ولم يعبأن بالرتم
بنات نعش ونعش لا كسوف لهاوالشمس والبدر منه الدهر في الرقم
والحادثات عدو الأكرمين فماتعتام إلا امرأً يشفى من القرم
فليهنك الأجر والنعمى التي سبغتحتى جلت صدأ الصمصامة الخذم
قد ينعم الله بالبلوى وقد عظمتويبتلي الله بعض القوم بالنعم
وهذه أبيات جياد، وهذا البيت الأخير في غاية الحسن والحلاوة، وإنما حذا على قول أبي العتاهية في قوله:
كم نعمة لا يستقل بشكرهالله في طي المكاره كامنه
إلا أنه أحسن كل الإحسان في أن جاء بالزيادة التي هي عكس المعنى الأول، فصار البيت مقسوماً قسمين نادرين.
قوله: «دعدعا، ولعا» لفظ يقال العاثر إذا عثر: قم قم وانتعش، ولو قال هذا رؤبة بن العجاج لاستثقل منه فكيف أبو تمام.
وقال:
أعقبك الله صحة البدنما هتف الهاتفات في غصن
كيف وجدت الدواء أوجدك اللــه شفاء به مدى الزمن
لا نزع الله منك صالحةأبليتها م بلائك الحسن
وهذا لعمري جيد.
وقال البحتري في محمد بن علي القمي لما خرج من الحبس:
لشهر ربيع نعمة ما يفي بهاثناء ولو قمنا بأضعافها نثني
غداة غدا من سجنه البحر مطلقاًوما خلت أن البحر يحظر في سجن
وليست له إلا السماح جنايةإذا أخذ الجاني ببعض الذي يجني
تقلقل منه في الحديد عزيمةيكل الحديد عن جوانبها الخشن
فما فل ريب الدهر من ذلك الشباولا زعزع المكروه من ذلك الركن
ولما بدا صبح اليقين وكشفتبه الظلمة الطخياء من شبه الظن
تجلى لنا من سجنه وهو خارجخروج شعاع الشمس من جانب الدجن
يفيض كما فاض الغمام تتابعتشآبيبه بالهطل منا وبالهتن
محمد عش للمكرمات التي اصطفتيداك وللمجد الرفيع الذي تبني
فكم من يد بيضاء منك بلا يدومن منة زهراء منك بلا من
«بلا يد» أي: بلا يد كانت إليك.
وقال في أبي أيوب:
لتهنك النعمة المخضر جانبهامن بعد ما اصفر في أرجائها العشب
قد كان أعطي منها حاسد حنقسؤلاً ونيب فيها كاشح كلب
فمن دموع عيون قلما دمعتومن وجيب قلوب قلما تجب
عافوك خصك مكروه فعمهمثم انجلى فتجلت أوجه شحب
بحسن رأي أمير المؤمنين ومالصاعد وهو موصول به سبب
ما كان إلا مكافاة وتكرمةذاك الرضى وامتحاناً ذلك الغضب
وربما كان مكروه الأمور إلىمحبوبها سبباً ما مثله سبب
هذي مخايل برق خلفه مطرجود ووري زناد خلفه لهب
وأزرق الفجر يأتي قبل أبيضهوأول الغيث قطر ثم ينسكب
وقال في حبس أبي سعيد محمد بن يوسف:
جعلنا فداك الدهر ليس بمنفكمن الحادث المشكو والنازل المشكي
وما هذه الأسباب إلا منازلفمن منزل رحب ومن منزل ضنك
وقد هذبتك النائبات وإنماصفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك
وما أنت بالمهزوز جأشاً على الأذىولا المتفري الجلدتين على الدعك
على أنه قد ضيم في حبسك الهدىوأضحى بها الإسلام في قبضة الشرك
أما في نبي الله يوسف أسوةلمثلك محبوساً على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهةفآل به الصبر الجميل إلى الملك
وهذا من إحسانه المشهور.
وكان سبب حبسه أنه كوتب بأن يدعو على منابر الثغور التي يليها لسعيد
ابن الحاجب، حاجب المتوكل، وكان المتوكل أراد أن ينوه باسمه، ويرفع من قدره، فامتنع أبو سعيد، وروجع فامتنع، فأنفذ إليه نقيب، وتقدم إليه بأن يخاطبه بإقامة الدعوة لسعيد، فإن فعل وإلا حمله مقيداً، فلم يفعل، وقدم رجله فقيده النقيب وحمله، فلما قرب من سر من رأى سلمه سعيد بن الحاجب إلى كاتب له نصراني، فحفر له جباً وحبسه فيه فبقي على تلك الحال برهة.
ثم إن المتوكل أخبر أن جارية له رومية جاءها رسول من أهلها ببلد الروم، فأحضرها وسألها وداعبها، وقال: كيف بلادك؟ قالت: أعمر بلاد مذ قتل محمد بن يوسف الثغري، فبكى المتوكل بكاءً عظيماً، وجزع جزعاً شديداً، وأمر بإحضار سعيد، فلما بصر به، قال: يا ابن الفاعلة، نفيت من قرابة رسول الله ﷺ لئن كان سقط من رأس محمد بن يوسف شعرة لأضربن عنقك وعنق كل من يقال له سعيد، أين محمد بن يوسف؟ ويلك!، قال: عندي يا أمير المؤمنين حي يرزق ما شيك بشوكة، قال: جئني به الساعة على حال رضي لا على حال سخط، وأذن للقواد وأهل الدولة، وقال لهم: لا جزاكم الله عني وعن الإسلام خيراً، أما كان فيكم من يذكرني بأمر محمد بن يوسف؟، أما تعلمون له علماً؟، فقال له بغا: كيف لا نعلم؟!، وهو في يدي أبي الخير النصراني، كاتب سعيد بن
الحاجب، يلعب به كما يلعب السنور بالفأرة، وأنت أمرت أن لا تذكر به لاشتداد غضبك عليه، فلم يقدم أحد على إذكارك، فقال: لا يبقى منكم أحد إلا يلقاه.
فتوجه الناس كلهم نحوه، وأخرج من الجب فلم يبصر شيئاً لما عاين الضوء، وجعل الأمراء يسلمون عليه فلا يعرفهم حتى يعرفوه أنفسهم، فأدخل الحمام وصب على رأسه الماء الفاتر وعولج ساعة حتى ألف الضوء.
وتوجه الناس وهو معهم إلى دار الخلافة، فوقف على دابته بباب العامة، فقيل له: ادخل، فقال: قد كانت لي مرتبة أنزل عندها، ثم سخط علي، فلست أدري أي مرتبة أرتب، فوصل الناس إلى المتوكل، وهو يتشوفه، فقيل: إنه لا يدري أي مرتبة يرتب، ولا أين ينزل عن دابته، فقال: على بساطي هذا، فدخل مرتباً في أجل المراتب وله مع المتوكل في هذا المعنى خطاب، ثم ولاه الثغور، وزاده إلى ما كان في يده أمصاراً كثيرة.
وقال البحتري فيه وهو في حبس أبي الخير النصراني كاتب سعيد:
يا ضيعة الدنيا وضيعة أهلهاوالمسلمين وضيعة الإسلام
طلبت دخول الشرك في دار الهدىبين المداد وألسن الأقلام
هذا ابن يوسف في يدي أعدائهيجزى على الأيام بالأيام
نامت بنو العباس عنه ولم تكنعنه أمية لو رعت بنيام
ويقال: إن هذه الأبيات بلغت المتوكل فرضي عنه، والسبب هو الأول.
ومما لا يفي بحسنه وصحته وجودته وحلاوته شيء قوله في علة اعتلها الفتح
في القصيدة التي أولها:
أكنت معنفي يوم الرحيل
ولما اعتل أصبحت المعاليمحبسة على خطر مهول
فكائن فض من دمع غزيروأضرم من جوى كمد دخيل
ألم تر للنوائب كيف تسموإلى أهل النوافل والفضول
وكيف تروم ذا الشرف المعلىوتخطو صاحب القدر الضئيل
وما تنفك أحداث اللياليتميل على النباهة للخمول
فلو أن الحوادث ساعدتنيوأعطتني صروف الدهر سولي
كفاك الله ما تخشى وغطىعليك بظل نعمته الظليل
فلم أر مثل علتك استفاضتبإعلان الصبابة والعويل
وكم بدأت وثنت من مبيتعلى رمض وجافت من مقيل
وقد كان الصحيح أشد شكوىغداتئذ من الدنف العليل
محاذرة على الفضل المرجىوإشفاقاً على المجد الأثيل
وعلماً أنهم يردون بحراًبجودك غير موجود البديل
ولو أن الذي رهبوا وخافواإذا ذهب النوال من المنيل
إذاً لغدى السماح بلا حليفله وجرى الغمام بلا رسيل
تعافى في الكثير وأنت باقلنا أبداً وتوعظ بالقليل
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع