تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

الموازنة بعد الابتداءات من الأبيات

اعلم أن تأبين الميت كمدح الحي، لا فرق بينهما إلا ما يفترق بذلك من ذكر التوجع وأنواعه، فلا يمكن الموازنة بين قصيدة وقصيدة، كما لم يمكن ذلك في قصائد المدح، لأن القصيدة الواحدة تتضمن من المعاني ما ليس في القصيدة الأخرى، ولو اعتمدنا أن نعرف أيهما أشعر في جملة مراثيه حتى نثبت قصائدهما بأسرها في هذا الباب لم يخلص لأبي تمام إلا قصيدتان، وهما:

«كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»

وقوله:

«ما زالت الأيام تخبر سائلا»

ومقطوعتان تقومان مقام قصيدة وهما:

«أصم بك الناعي وإن كان أسمعا»

وقوله:

«أي القلوب عليكم ليس ينصدع»

فإنه برز في القصائد وأحسن وأجاد لفظاً ومعنى وسبكاً، حتى كأنها من بحر غير بحره، ومن معدن سوى معدنه، وكان يظهر تقصيره في باقي

قصائده وهي أربع عشرة قصيدة، لأن الجيد فيها إنما هو لمع قليلة بين الرديء الساقط، ورداءته إما في معناه أو لفظه أو نسجه أو تأليفه، وقد تقدم ذكر جميعها في باب الابتداءات، فكان كثرة رديئه يشين قليل جيده ويزري به، وكان يظهر فضل البحتري في قصائده، وهي ثلاث عشرة قصيدة، لأن كلها جيدة، لا يكاد يختل من القصيدة شيء البتة إن شاء الله، إلا أن تكون القصيدة التي أولها:

«لأية حال أعلن الزجد كاتمه»

فإن فيها بيتاً أو بيتين، فكنا لو فعلنا ذلك نحكم بفضل جملة قصائد البحتري على جملة قصائد أبي تمام.

ولو اطرحنا رديء أبي تمام كله من جميع قصائده وتلطنت جيده منها وأضفنا إلى القصائد الأربع اللواتي قدمت ذكرها، ووزاناً بالجميع قصائد البحتري حتى نكون قد وازناً جيداً بجيد، كما يختار أصحاب أبي تمام، لأنهم أبداً يقولون: فدعوا رديئه وخذوا جيده، كان في ذلك ظلم للبحتري قبيح، وتعد ظاهر معلوم، لأن المتخير المتنقى الذي قد نفي رديئه، وبقيت عيونه وفاخره لا يقاس جملة على جهته إن كان نقياً من الدرن، لأن النقاوة لها أبداً فضلها، ولكن الموازنة تكون بين جملة وجملة، واختيار واختيار، والمنصفون من أصحاب أبي تمام يمثلون القصيدة من شعر البحتري بعقد فيه خرز وأنواع جوهر سوى الدر، ويقولون: أي العقدين أثمن؟، فقيل لهم: بل قولوا: أي العقدين أحسن، وأيهما أولى بأن يكون على صدر الجارية الكعاب، هذا إن سلم لكم انفراد أبي تمام من شريف المعاني بما ليس للبحتري مثله، ولكن ليس بمنكر أن يكون

لأبي تمام لطيفة ليس للبحتري مثلها من ذلك الجنس، كما أن للبحتري أيضاً معاني لطيفة ليس لأبي تمام مثلها من جنسها، وقد مر مثل هذا كثيراً فيما تقدم من أبواب هذه الموازنة، ومثل ذلك أيضاً موجود في أشعار القدماء، أن ترى الشاعر قد سخر له معنى أو معان لا يوجد مثلها من جنسها في شعر من هو أعلى طبقة منه، فلا يقدم عليه من أجلها، لأن التقدمة لا تكون بالمعاني وحدها، وإنما ينظر إلى بحر الشاعر وجنس شعره وبلاغته وقدرته وتمكن خاطره واستواء طريقته، فإن أحببت أن تمتحن ذلك فأثبت مراثي الطائيين كلها في الباب وتأمل الجميع، فإن الأمر يظهر لك ظهوراً بيناً واضحاً، ولا تكن مراعاتك مقصورة على تأمل المعاني دون سواها، فإن رداءة الكلام منظومه ومنثوره ليست من أجل رداءة المعنى فقط، بل يكون أيضاً من أجل رديء اللفظ، وقبيح النظم وسوء التأليف، وإن يقترن البيت بما لا يليق بموضعه، ألم تسمع بعض الشعراء وقد قال لابنه وكان أيضاً شاكراً: أنا أشعر منك؟، قال: بم ذاك؟، فقال أنا أقول البيت وأخاه وأنت تقول البيت وابن عمه.

واعلم أن رديء اللفظ يكون على وجهين: إما أن تكون اللفظة من ألفاظ العوام سخيفة في نفسها، أو جيدة قد وضعت في غير موضعها فصارت رديئة في ذلك الموضع خاصة، فإن كانت لك بلاغة وبجوهر الكلام خبرة تعرف هذا إذا مر بك من النظم والنثر لا محالة، وإن كنت بمعزل عن ذلك فلست تقدر أبداً على

تمييز ما بين الجيد والرديء، فاترك هذا الباب لأهله، ولا تداخلهم فيه.

ولما كانت طريقة الشاعر وجنس شعره على ما وصفته لا تبين إلا لطائفة من الناس، وهم ذوو البلاغة، وأهل الأطباع النقية، والقرائح السليمة، وكان من سواهم يعلم ولا لهم جملته حتى تقع الموازنة فيه بين بيت وبيت، ومعنى ومعنى، وجب أن أعدل في المراثي أيضاً إلى انتزاع الأبيات المتفقة من المعاني من قصائدهما، وأنواعهما أنواعاً، وأوازن بين أبيات كل نوع على حسب ما فعلت في الأبواب السابقة المتقدمة م هذا الكتاب، حتى يظهر الفضل في المعاني خاصة، وبالله أستعين.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.