من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
تمام باب السؤدد والشرف
وهذا ما قلت إني أذكره من تمام باب السؤدد والشرف، بعدما ذكرته من
ذلك في مدائح الخلفاء.
قال أبو تمام في مالك بن طوق:
لتغلب سؤدد طالت منابتهفي منتهى قلل منها وفي قمم
مجد رعى تلعات الدهر وهو فتىحتى غدا الدهر يمشي مشية الهرم
التلاع: مجاري الماء من ارتفاع إلى انخفاض، والخفض منها كثير العشب، وقلل: جمع قلة، وقمم: جمع قمة، وهما رأس الجبل.
ولو قال: «حتى هرم الدهر»، كانت استعارة محتملة، كما قال البحتري:
هرم الزمان وعزهم لم يهرم
وكما قال الأخطل:
عمرت شباب الدهر لا يستطيعهمأفالآن لما أصبح الدهر فانيا؟
فما وجه قوله: «يمشي»؟، كأنه لا يجوز أن يعلم أنه هرم، حتى يرى ماشيًا مرتعشاً.
وقال معن بن أوس المرني:
تعللت إذ دهري فتى بوصالهافقد عصلت أنياب دهر وعردا
فإنما أراد نفسه لا الدهر، كما قال:
نهارك يقظان وليلك نائم
والاستعارة الحسنة في هذا قول النابغة:
علوت معدًا نائلاً ونكايةفأنت لغيث الحمد أول زائد
وقال في أبي سعيد:
طلب المجد يورث المرء خبلاًوهموماً تقضقض الحيزوما
فتراه وهو الخلي شجياًوتراه وهو الصحيح سقيما
تجد المجد في البرية منشوراً وتلقاه عنده منظوما
ولهته العلى فليس تعد الـبؤس بؤساً ولا النعيم نعيما
وتشديد «الشجي» خطأ.
وهذه الأبيات من صحيح المعاني، ومتقنها، وإنما احتذى فيه حذو لقيط الإيادي في قصيدته المشهورة، وقد ذكرتها في سرقاته.
وقال في محمد بن الهيثم:
خدم العلى فخدمنه وهي التيلا تخدم الأقوام مالم تخدم
وإذا انتمى في قلة من سؤددقالت له الأخرى بلغت تقدم
ماضر أروع يرتقي في همةروعاء يرتقي في سلم
قوله: «قالت له الأخرى: بلغت»، أي: بلغت تلك، فتقدم إلي، ولولا
هذا لكانت مناقضة، لأنه إذا بلغ، فإلى أين يتقدم؟، ويجوز أن يكون: قد بلغت، فما تنتظر؟.
وقوله: «ألا يرتقي في سلم»، ليس بمبالغة إذ لا قدر لعلو السلم، ولو كان قال: ألا يرتقي في طود أو جبل كان أبلغ، ولكنه إنما ذكر السلم، لأنه آلة الصعود المستعملة، وقد قال تعالى: «أم لهم سلم يستمعون فيه».
وقال زهير: ولو نال أسباب السماء بسلم
وقد ذكر البحتري «السلم» فوضعه في موضعه، فقال فى خضر بن أحمد التغلبي:
والعلا سلم مراقيه خطاب أبي عامر إلى مسعوده
يعني حدوده، فهذا هو الوجه الحسن في معنى «السلم».
وقال كثير في عبد العزيز بن مروان:
إلى حسب عال بني المرء قبلهأبوه له فيه معاريج سلم
وهذا أيضًا معنى صحيح حسن.
والجيد في هذا المعنى قول أبي تمام في أبي دلف: محاسن من مجد متى تقرنوا بها ... محاسن أقوام تكن كالمعايب
معال تمادت في العلو كأنهاتطالب ثأرًا عند بعض الكواكب
وقال في خالد بن يزيد بن مزيد:
وما زال يقرع تلك العلىمع النجم مرتدياً بالعماء
ويصعد حتى لظن الجهول أن له منزلاً في السماء
«العماء» السحاب الرقيق، وأين هو من النجم؟، إن بينهما لبوناً بعيدًا، ولفظ «العماء» قبيح أيضًا.
وقد أتى البحتري بما هو أبلغ من هذا فقال:
لمحمد بن علي الشرف الذيلا يلحظ الجوزاء إلا من عل
ثم أفسد المعنى، بأن حط الممدوح عن هذه الرتبة إلى ماهو دونها فقال:
عال على نظر الحسود كأنماجذبته أفراد النجوم بأحبل
فبين أن ينظر إلى الجوزاء من عل، وبين أن تكلف النجوم أن تمده بالحبال،
فرق كبير.
والعذر له في هذا أن يقال: إن البيت الأول أراد به شرفه، والبيت الثاني أراد
به نفسه.
ثم جاء بعده ببيت في غاية الجودة، ولكنه أساء من حيث أجاد، لأنه عرض
نفسه لغضب كل سيد شريف ماجد، من خليفة إلى ما هو دونه، وهو قوله:
أو مارأيت المجد ألقى رحلهفي آل طلحة ثم لم يتحول
فلما سمع هذا البيت بعض من له فهم من الخلفاء والملوك وكبار الأمراء -وهو
في القصيدة المعشوقة، التي يصف فيها الفرس والسيف، وهي من أشهر شعره، والناس أكثر لها رواية، وقد ذكر دعبل منها في «كتاب الشعراء» الذي ألفه عدة أبيأت- كان بوده أن يقول له: اذهب فالتمس الجدوى من الموضع الذي ألقى المجد فيه رحله، ولم يتحول عنه.
وقال البحتري:
لبني مخلد على كل حيأثر من عطائهم ليس يعفو
مجدهم فوق مجد من يتعاطىسعيهم والسماء للأرض سقف وهذا-لعمري- حسن جدًا، ومثله قول عمارة بن عقيل:
هم الأفق فوق الناس والناس تحتهم ... وآل عبيد الله فيه كواكبه وأجود من هذا قول التياح بن مالك البجلي:
لكل أناس بلدة يسكنونهاوأنتم سماء فوقها ونجومها
وقال في ابن ثوابة:
يفوت احتفال القوم أول عفوهوقد بلغوا أو جاوزوا آخر الجهد
مخفضة أقدارهم تحت قدرهكما انخفضت سفلى تهامة عن نجد
ومثل قول أبي تمام:
قالت له الأخرى بلغت تقدم
قوله أيضًا في أبي دلف:
إذا ارتقى طود مجد ظل في نصبأو يرتقي من سواه ذروة شعفا
جم التواضع والدنيا بسؤددهتكاد تهتز من أطرافها صلفا
وهذا أحسن جدًا، رقد ذكرته فيما قبل هذا الباب، وذكرت معنى «الصلف».
ثم قال بعد هذا وأساء وقبح:
لو لم تفت مسن المجد من زمنبالبأس والجود كان المجد قد خرفا
وهذا مما عابه به الناس كلهم.
وأقبح من هذا ما قاله في محمد بن المستهل:
أبوك شقيق لم يزل وهو للندىشقيق وللملهوف حرز ومعقل
أفاد من العليا كنوزًا لو أنهاصوامت مال مادرى أين تجعل
كان يجعلها حيث تجعل كنوز الأموال تحت الأرض، وسقاط الشعراء
لا يرضون لأنفسهم بمثل هذا، وأظنه سمع قول كثير:
ولو أن حبي أم ذي الودع كلهلأهلك مال لم تسعه المسارح
أراد: لو أن حبى يأ أم ذي الودع كله مال، أي: إبل، «لم تسعه المسارح»، أي: المواضع التي تسرح فيها، وهذا معنى لا حلاوة فيه، فنقله أبو تمام إلى المعالي والمجد، وجاء به على أقبح لفظ وأهجنه وأسخفه، ثم أتى بعد ذلك ببيت جيد، إلا أن فيه لفظة هي حشو، وليست حشوًا على مذهبه وذلك قوله:
فحسب امريء أنت أمرء آخر لهوحسبك فخرًا أنه لك أول
فقال: «أنت امرؤ»، و «امرؤ» مستغنى عنها.
وقال البحتري في وصف محمد بن يوسف:
أغر إذا عدت مناقب فعلهتوهمت أن الحق منهن باطل
وإن جاءنا يحكي أباه فلم تزلله من أبيه شيمة وشمائل
هما شرع في المكرمات فهذهأواخر أخلاق وتلك أوائل
وقال البحتري في الفتح بن خاقان، يذكر ابنه:
ومليت عيشًا من أبي الفتح إنهسليل العلا والسؤدد المترافد
متى ما تشد مجدًا تجده بهمةتقيل فيها ماجداً بعد ماجد
وإن يطلب مسعاة مجد بعيدةينلها بجد أريحي ووالد
كما مدت الكف المضاف بنانهاإلى عضد في المكرمات وساعد
يسرك في هدي إلى الرشد ذاهبويرضيك في هم إلى النجم صاعد
وقال البحتري:
يبين بالفضل أقوام فيفضلهمموحد بغريب الذكر منفرد
توحد القمر الساري بشهرتهوأنجم الليل نثر حوله بدد
أحيت خلال أبي ليلى أبا دلفومثله أوجد الأقوام ما افتقدوا
وقوله: «أوجد الأقوام ما افتقدوا» في غاية الحسن والحلاوة.
وقول أبي تمام في أبي سعيد:
وبالهضب من أبرشتويم ودروذعلت بك أطراف القنا فاعل وازدد
أفادتك فيها المرهفات مآثرًاتعمر عمر الدهر إن لم تخلد
وهذا هو المدح الشريف، الذي لا يدفع حسنه وجودته.
وقال فيه:
فأفخر فما من سماء للعلى رفعتإلا وأفعالك الحسنى لها عمد
وقال في محمد بن حسان الضبي:
إذا نوى الدهر أن يودي بتالدهلم يستعن غير كفيه بأعوان
لو أن إجماعنا في فضل سؤددهفي الدين لم يختلف في الأمة اثنان
وقال في خالد بن يزيد بن مزيد:
طلبت ربيع ربيعة الممهي لهاووردن ظل ربيعة الممدودا
ذهليها مريها مطريهايمنى يديها خالد بن يزيدا
بكريها علويها صعبيها الــحصنى شيبانيها الصنديدا
نسب كأن عليه من شمس الضحىنورًا ومن فلق الصباح عمودا
عريان لا يخبو دليل من عمىفيه ولا يبغي عليه شهودا
شرف على أولي الزمان وإنماخلق المناسب ما يكون جديدا
لو لم تكن من نبعة نجديةعلوية لظننت عودك عودا
قوله: «الممهى لها» أي: الذي هو غياثها، يقال: قد أماه وأمهى، إذا أكثر من سقي الماء، وقوله: «عريان» يعني النسب مكشوفًا لا ستر عليه،
وقوله: «لا يخبو» أي: لا يخبو نوره «دليلاً»، أي: لا يخبو في حال دلالته على نفسه.
«من عمى فيه» أي: من ظلمة أو شك «ولا تبغي عليه شهودا».
وهذا بيت رديء، وما كانت به إليه حاجة مع قوله: «نسب كأن عليه من شمس الضحى نورا»، وهذا أجود بيت فيها، وأجود ما وصف به النسب الشريف، وسائر الأبيات رديء، ولا طائل فيه.
وقوله: «لظننت عودك عودا» من عثاراته.
وقال في عبد الله بن طاهر:
سما للعلى من جانبيها كليهماسمو عباب الماء جاشت غواربه
قوله: «من جانبيها كليهما» لم يفدنا «بكليهما» فائدة، لأن أحدًا لم يكن يظن أنه سما لها من جانب واحد.
والتوكيد -لعمري- غير منكر ولكنه يكون في موضع أحسن منه في غيره ولو قال:
سما للعلى حتى علا ذروة العلى
لكان هذا أشبه بمذهبه، وأظن أنه أخذ هذا من قول امريء القيس:
سمو حباب الماء حالاً على حال
ولكن الجيد النادر قوله في خالد بن يزيد أبياتًا جيدة:
هصور المعالي لا يزيد أذالهولا مزيد ولا شريك ولا الصلب
ولا مرتا ذهل ولا الحصن غالهولا كف شأويه على ولا صعب
مضوا وهم أوتاد نجد وأرضهايرون عظاما كلما عظم الخطب
وما كان بين الهضب فرق وبينهمسوى أنهم زالوا ولم يزل الهضب
لهم نسب كالفجر ما فيه مسلكخفي ولا واد عنود ولا شعب
هو الإضحيان الطلق رفت فروعهوطال الثرى من أصله وزكا الترب
فيا وشل الدنيا بشيبان لا تغضيا كوكب الدنيا بشيبان لا تخبو
فما دب إلا في بيوتهم الندىولم ترب إلا في حجورهم الحرب
أولاك بنو الأحساب لولا فعالهمدرجن فلم يوجد لمكرمة عقب
جعلت نظام المكرمات فلم تدررحى سؤدد إلا وأنت لها قطب
إذا افتخرت يومًا ربيعة أقبلتمجنبتي مجد وأنت لها قلب
يجف الثرى منها وتربك لينوينبو بها ماء الغمام وما تنبو
لو لم يقل أبو تمام غير هذه القصيدة لكان بها شاعرًا محسنًا مقدمًا.
/ قوله: «واد عنود»، فالعنود ها هنا: المعوج، العادل عن الوضوح، وقد
عند فلان عن الحق: عدل، والمعاندة: أن تعدل عنه، ويعدل عنك، والعنود من الإبل: الذي لا يخالطها، إنما هو أبدًا في ناحية منها.
و «الشعب»: كل فرجة بين جبلين، يريد أنه نسب عال على كل شيء، وظاهر غير باطن.
و «الإضحيان»: المضيء الشديد البياض.
و «الطلق»: يقال: ليلة طلقة إذا كانت مقمرة، عن يعقوب، وقال غيره
إذا لم يكن فيها ريح ولا شيء مؤذ.
و «رفت فروعه» لمعت من غضاضتها وحسنها.
قوله: «فيا وشل الدنيا» فالوشل الماء القليل، وما قطر من شيء فهو وشل، وقد عيب بهذا، وقيل: ما كان ينبغي أن يجعله وشلاً، بل كان يجب أن يجعله بحرًا.
وما ذهب عندي في هذا إلا إلى مذهب صحيح، لأن العرب تجعل النطفة الماء الكثير، والماء القليل، ويقولون: وصلنا إلى هذه النطفة، يعنون البحر، وإنما ذلك تقليل على وجه التكثير والتعظيم، ومثل هذا كثير شائع في كلامهم، فأخرج أبو تمام الوشل ها هنا مخرج التعظيم، والله أعلم، لأنه يعلم أن الوشل الماء القليل، وذلك قوله في بابك:
بحر من المكروه عب عبابهولقد يرى وشلاً من الأوشال
وقد أساء عندي في قوله:
فما دب إلا في بيوتهم الندى
كإساءة البحتري في قوله:
أو ما رأيت المجد ألقى رحلهفي آل طلحة ثم لم يتحول
وأعظم إساءة منه أبو تمام، لأنه إنما ذكر الندى وهو طائي، فأي شيء ترك لحاتم، ودع ما سواه، وفي المدح متسع لمن يريد المبالغة والإغراق، ولا يخص واحدًا بفضيلة دون الناس جميعاً.
وقال في عمر بن طوق:
لكن بنو طوق وطوق قبلهمشادوا المعالي بالبناء الأغلب
فستخرب الدنيا وأبنية العلىوقبابهم جدد بها لم تخرب
رفعت بأيام الطعان وغشيترقراق لون للسماحة مذهب
يا طالباً مسعاتهم لينالهاهيهات منك غبار ذاك الموكب
أنت المعنى بالغواني تبتغيأقصى مودتها برأس أشيب
وطيء الخطوب وكف من غلوائهاعمر بن طوق نجم أهل المغرب
ملتف أعراق الوشيج إذا انتمىيوم الفخار ثري ترب المنصب
في معدن الشرف الذي من حليهسبكت مكارم تغلب ابنة تغلب
قال: «تغلب» لأنها اسم القبيلة، وهي ابنة تغلب، الذي نسبت إليه.
/ وقال البحتري في أبي الخطاب الطائي:
وصلت بنو عمران يوم فخارهبمناقب طائية الأنساب
قوم يضيمون الجبال وقد رست ... أعلامها برجاحة الألباب سحبوا حواشي الأتحمى وإنما ... وشي البرود على أسود الغاب نزلوا من الجبلين حيث تعلقت ... غر السحائب من ربى وهضاب
مستمسكين باولية سؤدد ... وبمنصب في أسودان لباب يستحدثون مكارمًا قد أحسروا ... فيها نفوسهم من الإتعاب فكأنما سبقوا إلى قدم العلا ... في الغوث أوغلبوا على الأحساب
«أسودان» هو: نبهان بن عمرو بن غوث بن طيء.
وقال البحتري في أبي الحسن بن عبد الملك بن صالح:
أخذوا النبوة والخلافة فانثنوابالمكرمات كثيرها وقليلها
لو سارت الأيام في مسعاتهملتنالها لتعطفت في طولها
وقال في ابن بسطام:
أخ لي متى استعطفته أو جفوتهفنفسي إلى نفسي أظل أمورها
إذا ما بدا أخلى المعالي دخيلهاوأنسى صغير المكرمات كبيرها
إذا ذكرت أسلافه وتشوهرتأماكنها قلت النجوم قبورها
وما المجد في أنباء جردان إذ رسابعارية ينوى ارتجاعًا معيرها
إذا ماتت الأرض ابتدوها كأنماإليهم حياها أو عليهم نشورها
ودون علاهم للمسامين برزخإذا كلفته العير طال مسيرها
«البرزخ» ها هنا: ما بين السماء والأرض، كل ما حجز بين الشيئين فهو برزخ، وناهيك بهذا مدحا، وحسبك بهذا الشرف شرفًا.
والبحتري أحذق الناس بمدح أشراف العجم، وذكر مناقبهم، ومن ذلك
ما قال حين مدح أحمد بن علي:
صاف أمثال أحمد بن عليتعترف فضله على من تصافي
أريحي إما يوافق ما تهــوى وإما يكفيك شر الخلاف
همة ترذل الدنايا ونفسشرفت أن تهم بالإشراف
وعلا في الصبهبذين وددناأنها في الزيود والأعواف
قدمته قوادم الريش منهمحين خاست بآخرين الخوافي
رهط سابور ذي الجنود وطلاب مساعي سابور ذي الأكتاف
عمروا يخلفون باطل ما ظن (مالعدى بالثقاف قبل الوقاف
/ إن بلوناك كنت واحد آحاد لهم كثرة على الآلاف
وهذا حسن جداً.
وقال في بني الفياض:
يرذل البحر في بحور بني الفيـ (م) ـاض إذ جشن بالنوال ففضنا
واسطو سؤدد فليس ينادو (م) ن إلى المجد من هناك وهناً
نزلوا ربوة العراق ارتياداًأي أرض أشف ذاكراً وأسنى
بين دير العاقول مرتبع يشــرف محتله إلى دير قنى
حيث بات الزيتون من فوقه النخــل عليه ورق الحمام تغنى
ما المساعي إلا المكارم ترتاد وإلا مصانع المجد تبنى
وقال في بني الجراح:
لأخبرنك عن بني الجراحوعتادهم من سؤدد وسماح
ومكانهم من فارس حيث التقتغرر الجياد تعان بالأوضاح
من بيت مكرمة وعز أرومةبسل على المتغلبين لقاح
ورثوا الكتابة والفروسة قبلهاعن كل أبيض منهم وضاح
بصدور أقلام ترد إليهمشرف الرياسة أو صدور رماح
وقال في أحمد بن محمد:
أعدد ود أبي نصر ونصرتهلشكة الدهر من ناب وأظفور
تنازعته ملوك العجم وارثةعن شمر يرعش فخراً جد مذكور
مردد من قديم في نباهتهمكالمشتري لم يكن مستحدث النور
وقال:
ليهنيء بني يزداد أن أكفهمخلائف أنواء السحاب الرواجس
ذوي الحسب الزاكي المنيف علوهعلى الناس والبيت القديم القدامس
إذا ركبوا زادوا المواكب بهجةوإن جلسوا كانوا صدور المجالس
ينو الأبحر المسجورة الفيض والظبا الــقواضب عتقاً والأسود العنابس
لهم منتمى في هاشم بولائهميوازي علاهم في أرومة فارس
وأقلام كتاب إذا ما نضضتهاإلى نشب كانت رماح فوارس
يرون لعبد الله فضل مهابةتطاطيء لحظ الأبلج المتشاوس
يخلي الرجال مجده لا تلومهوهم نابهو الأخطار شم المعاطس
ولم أر مثل الفضل ضنت بغيرهوعادت به النفس الحسود المنافس
لا كالعطايا يشرف النجم ما بنتوهن منال للأكف اللوامس
أبا صالح إن المحامد تلتقيبساحة رحب من فنائك آنس
بحيث الثرى رطب يرف نباتهرفيفاً وعهد الدهر ليس بخائس
فداؤك أبناء الخمول إذا همألامو وأرباب الخلال الخسائس
وإن كنت قد أخرت ذكر معونتيوألغيت رسمي في الرسوم الدوارس
وقال:
ينولنا حمولة من بعيدويحرمنا رجال من قريب
سحاب الجود منهل العزالىوريح منه صادقة الهبوب
له في مارج النار انتساببأمات نقيات الجيوب
سراة الإنس والجنان أدتإلى جوذرز نجدتها وبيب
تطول لها الأعاجم حين يثنىوتعرفها القبائل للشعوب
وقال البحتري في مدح العجم:
ما للمكارم ما تريد سوى أبييعقوب إسحاق بن إسماعيل
وإلى أبي سهل بن نوبخت انتهىما كان من غرر لها وحجول
نسب كما اطردت كعوب مثقفلدن يزيدك بسطة في الطول
يفضي إلى بيب بن جوذرز اليشهر المكارم بعد طول خمول
الوارثين من السرير سراتهعن رب كل تحية مأمول
والضاربين بسهمة معروفةفي التاج ذي الشرفات والإكليل
وهذا حسن جدًا.
وقال في بني نوبخت:
وإذا أبو الفضل استعار سجيةللمكرهات فمن أبي يعقوب
لا يحتذي خلق القصي ولا يرىمتشبهًا في سؤدد بغريب
يمضي عزيمته ويوقد رأيهعزمات جوذرز وسورة بيب
شرف تتابع كابرًا عن كابركالرمح أنبوبًا على أنبوب
وقد قال بشار نحو هذا:
خلقوا قادة فكانوا سواءككعوب القناة تحت السنان
فهم خمسة كخمس من الديــن كفلنا بهن للديان
وهذا هو المعنى الحلو، لا قول أبي تمام:
«كثلاثة القدر»
«ثلاثة كثلاثة»
وأظن البحتري على هذا حذا قوله:
في فتية طلبوا غبارك إنهرهج ترفع عن طريق السؤدد
كالرمح فيه بضع عشرة فقرةمنقادة تحت السنان الأصيد
وقد أتى بشار بهذأ المعنى في أوصاف النسأء فقال:
ويك إن النساء بيضاً وأدمًاصبغة مثل صبغة الأتراب
/ ككعوب القناة مشتبهاتوكأن الرباب أخت الرباب
وقأل البحتري في نحو هذا:
وإذا رأيت شمائل ابني صاعدأدت إليك شمائل ابني مخلد
كالفرقدين إذا تأمل ناظزلم يعل موضع فرقد عن فرقد
وقال في صاعد بن مخلد:
عقيد المعالي ماونت في طلابهلتعلقه ولا ونى في طلابها
إذا طمع الساعون أن يلحقوا بهتمهل قاب العين أو فوت قابها
إذا ما تراءته العشيرة طالعًاعليها جلت ظلماءها بشهابها
وإن أنهضته كافئاً في ملمةمن الدهر سلت نصلها من قرابها
إذا اضطحبت آلاؤه غطت الربىوحسن اللآلي زائد في اصطحابها
جاء بهذا على القلب، وإنما هو: واصطحاب اللآلي زائد في حسنها.
وقال في إسماعيل بن بلبل:
صغرت مقادير الرجال وقاربوافي السعي حتى ما ترى لك حاسدا
لو نافسوك لخالسوك من الندىما يصلحون به الزمان الفاسدا
تأبى الألوف على الألوف ترى لهاتبعاً وتتبع الألوف الواحدا
قعدوا وأين قيام من قد طلنهشرفات ما تبني ذرى وقواعدا
ولقد برعت على الملوك محلةعلوًا وأفنية يرقن الرائدا
ومددت تطلب الذي لم يطلبواكفًا تناولك السماء وساعدا
وهذا -لعمري- مدح يعلو كل مدح، قوله «شرفات ما تبني» أي:
طالته الشرفة، وطالته القواعد أيضاً.
قال في إسماعيل أيضاً:
ومكرمة جلى أبو الصقر طامحاًإليها كما جلى طريدته الصقر
تجاوزها المغمور لا ينثني لهابعطف وينحو نحوها النابه الغمر
وقال في ابن المدبر:
وما زالت العيس المراسيل تنتحيفيقضنى إلى آل المدبر حاجها
أناس قديم المكرمات وجدتهالهم وسرير العجم فيهم وتاجها
إذا خيموا في الدار ضاقت رباعهاوإن ركبوا في الأرض ثار عجاجها
مليون أن تسقى الديار غياثهابأوجههم حتى تسيل فجاجها
ثم اعتد لإبراهيم بما لا شيء أحسن منه فقال -ليس من الباب-:
يد لك عندي قد أبر ضياؤهاعلى الشمس حتى كاد يخبو سراجها
فإن تتبع النعمى بنعمى فإنهلزين اللآلي في النظام ازدواجها
وللبحتري افتنان في ذكر السؤدد والمجد والشرف، وملح كثيرة معجبة،
فمن ذلك قوله في أبي جعفر الطائي:
معطى من المجد مزداد برغبتهيجري على سنن منه وأسلوب
كالعين منهومة في الحسن تتبعهوالأنف يطلب أقصى غاية الطيب
وقال في إسحاق بن كنداج:
شرف تزيد بالعراق إلى الذيعهدوه بالبيضاء أو ببلنجرا
مثل الهلال بدا فلم يبرح بهصوغ الليالي فيه حتى أقمرا
قوله: «صوغ الليالي» من أحسن لفظة، وأوقعها في أحسن موضع يليق
بها.
وقال في محمد بن حميد:
أبني حميد طال مجدمحمدلما تطاولتم لبعد مناله
ولكم وإن لا تلحقون بشأوهشرف تظل الشمس تحت ظلاله
لا تحسدوه فضل رتبته التيأعيت عليكم وافعلوا كفعاله
متنقل من سؤدد في سؤددمثل الهلال جرى إلى استكماله
وقال في أبي عامر الخضر بن أحمد التغلبي:
واغر يرفعه أبوه وكملكريم قوم من أب يضعه
إن سرك استيفاء سؤددهبالرأي تبحثه وتنتزعه
فانظر بعينك أية لحقتضوء الغزالة أين منقطعه
وحسبك بهذا حسناً وحلاوة.
ومن أعجب ما أتى به في هذا الباب قوله في علي بن مر:
ومصعد في هضاب المجد طالعهاكأنه لسكون الجأش منحدر
مازال يسبق حتى قال حاسدهله طريق إلى العلياء مختصر
وقال أبو تمام في عمر بن عبد العزيز الطائي:
لله در بني عبد العزيز فكمأردوا عزيز عدى في خده صعر
تتلى وصايا المعالي بين أظهرهمحتى لقد ظن قوم أمنها سور
بل ليت شعري من هاتا مآثرهماذا الذي ببلوغ القوم ينتظر
وهذا أيضًا جيد حسن.
وقال البحتري:
لا تنظرن إلى الفياض من صغرفي السن وانظر إلى المجد الذي شادا
إن النجوم نجوم الليل أصغرهافي العين أذهبها في الجو إصعادا
وقال في الطائي أبي جعفر:
بلغ السيادة في بدو شبابهإن السواد مظنة للسؤدد
في كل يوم رتبة يزدادهاومشارف النقصان من لم يزدد
/ وقال:
فتى لم ينكبه الشباب عن الحجىولم ينس عهد اللهو والشيب شاغله
إذا سؤدد دانى له مد همهإلى سؤدد نائي المحل يزاوله
توقع أن يحتلها درج العلاكما انتظرت أوب الهلال منازله
وكم عدة للمجد بادر فوتهاوعاثر حمد أعلقته حبائله
وقال في إبراهيم بن الحسن بن سهل:
يفديك قوم ليس يوجد منهمفي الحمد مرئي ولا مسموع
خدعوا عن الشرف المقيم تظنياًمنهم بأن الواهب المخدوع
باتت خلائقهم على أموالهموكأنهن جواشن ودروع
قنعوا بميسور الفعال وأوهمواأن المكارم عفة وقنوع
كلا وكل مقصر متجهورعند الحطيم طوافه أسبوع
لا يبلغ العلياء غير متيمببلوغها يعصي لها ويطيع
وقال:
أو ماترون الشامتين أمامكمووراءكم من مضمر أو مظهر
من غير ذنب جئتموه سوى علازهر لجدكم الأغر الأزهر
فكأنما شرف الشريف إذا انتمىجرم جناه إلى الوضيع الأصغر
وقال البحتري في إسماعيل بن بلبل، وهو من بني شيبان:
سيجبر كسرى المصقليون إنهمبهم تدفع الجلى ويجتبر الكسر
فما تتعاطى ما ينالونه يدولا يتقضى ماينيلونه شكر
إذا اتجروا في سؤدد وتزايدوافأنفق ما أبضعت عندهم الشعر
يجازي القوافي بالأيادي مبرةتضاعيفها عن كل واحدة عشر
وما سود الأقوام مثل عمارةإذا نسي الأقوام شاع لهم ذكر
تجنب سواهم للعلا واتباعهابسعي وعرس حيث أدركك الفجر
وقال في الهيثم بن عثمان الغنوي:
لا يقتل الحساد أنفسهم فقدهتك الصباح دجى الهزيع المظلم
غنيت غنى بالذرى من مجدهاوقبائل بين الحصى والمنسم
فقفوا على أحسابكم وهبوطهاودعوا العلو فإنه في الأنجم
وقال فيها:
ولقد جريت إلى المعالي سابقاًوأخذت حظ الأول المتقدم
وكبا عدوك حين رامك للتيتخشى فقلنا لليدين والفم
كذا والله يكون المدح، فليقل الشاعر، أو فليمسك.
وقال أبو تمام في بني حميد:
عهدي بهم تستنير الأرض إن نزلوا ... فيها وتجتمع الدنيا إذا اجتمعوا ويضحك الدهر منهم عن غطارفة ... كأن أيامهم من حسنها جمع
وقال أبو تمام:
إذا أكدت سوام الشعر أضحتعطاياه وهن لها مراعي
سعى فاستنزل الشرف اقتسارًاولولا السعي لم تكن المساعي
وما في الأرض أنصح للمعاليإذا دوجين من جود مطاعقوله:
«سعى فاستنزل الشرف اقتسارًا»
ليس بالمعنى الجيد، بل هو عندي هجاء مصرح، لأنه إذا استنزل الشرف
فقد صار غير شريف، لأنك إذا ذممت رجلاً شريف الآباء، كان أبلغ ما تذمه به أن تقول: قد حط شرفه، ووضع من قدره وشرفه، وقد بينت هذا في أغاليطه مشروحًا مستقصى.
وقوله:
وما في الأرض أنصح للمعاليإذا دوجين من جود مطاع
فياويحه، بلغ به عشق الاستعارة إلى نصح المعالي ومداجاتها، سوأة له.
وقد غضب ديك الجن على الدهر، وذكر أنه لا ينصحه، ولست أدري
أيهما تبع صاحبه في هذا الجنون المحض فقال:
لا جرد الدهر لي كفًا تعاقدنيعقدًا من النصح إلا وهو منقوض
ولا بسطت يدًا للدهر أنصحهما عشت إلا بنصح فيه تمريض
قد سود الدهر ما كانت تبيضهمن الأيادي لدى السود والبيض
وقال أبو تمام -ويكتب في أول الباب-:
لآل وهب أكف كلما اجتديتفعلن في المحل مالا تفعل الديم
قوم تراهم غيارى دون مجدهمحتى كأن المعالي عندهم حرم
وهذا من مختار معانيه.
وقال:
يكاد نداه يتركه عديمًاإذا هطلت يداه على عديم
تراه يذب عن حرم المعاليفتحسبه يدافع عن حريم
وهذا أيضًا مثل الأول في الجودة أو قريب منه.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع