من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
سداد الرأي والتدبير والاضطلاع بالأمور وحسن الكفاءة وإمضاء العزائم
قال أبو تمام في المعتصم:
فكر إذا راضه راض الأمور بهرأى تفنن عنه الريث والعجل
أراد أن الرأي يروض الأمور بالفكر، وقوله: «تفنن عنه الريث والعجل» أي تشعب منه، وصار أفناناً، يقول: يريث في حال إذا كان الريث أولى، ويعجل في حال إذا كانت العجلة أحزم، فالريث والعجل يصدران جميعًا عنه، وهذا بيت غير جيد ولا شهي.
وقال في المأمون:
وأرى الأمور المشكلات تمزقتظلماتها عن رأيك المتوقد
عن مثل نصل السيف إلا أنهمذ سل أول سلة لم يغمد
فبسطت أزهرها بوجه أزهروقبضت أربدها بوجه أربد
له في هذا البيت إساءة قد ذكرتها في أغاليطه.
ولله در أبي عبادة إذ يقول في المهتدي بالله:
وقد علم الأقوام أن صريمةإذا اختلفت شورى النجي استبدت
متى وقدت في مظلم الأمر ضوأتوإن ضربت في جانب الخطب قدت
وقوله فيه:
له عزمة ما استبطأ الملك نجحهاولا استعتب الإسلام ورى زنادها
إذا شوهدت بالرأي بان اختيارهاوإن غاب ذو الرأي اكتفت بانفرادها
وقال ابن هرمة في المنصور:
ولا ينتجى الأدنون فيما يحاول
وتبعه أبو العتاهية فقال:
إذا هم لم يشركه في الأمر غيرهوكان بما يأتي أطب وأبصرا
وقوله في المعتمد:
تبعت بنو العباس هدي محمدثبت البصيرة في المحجة هاد
وكأنهم لما اقتفوا منهاجهتبعوا ضياء الكوكب الوقاد
وقوله:
متيقظ عصمت بوادر حكمهبعرى من الرأي الأصيل شداد
كالسيف في ذات الإله وقد يرىكرمًا كفرع النبعة المياد
وقوله في المهتدي:
تثني بوادره الأناة وإنماسارت عزيمته فكانت جحفلا
وقال أبو تمام:
وعزائماً في الروع معتصميةميمونة الإدبار والإقبال
فتعمق الوزراء يطفو فوقهاطفو القذى وتعقب العذال
والسيف ما لم يلف فيه صيقلمن سنخه لم ينتفع بصقال
ما كان ينبغي أن يجعل العزائم إدباراً، لأنها لفظة قبيحة ولا يصح لها أيضًا معنى في هذا الموضع، وخاصة وقد قال: «في الروع»، إلا أن يتأول أن يكون أراد قولهم: فلان يضرب الأمر ظهرًا لبطن ويقبل بالرأي ويدبر، يريد أنه يصرفه ويقلبه، وبين اللفظتين فرق كبير، وما كانت ها هنا ضرورة إلى هذا اللفظ الرديء، لأن في سائر الألفاظ والمعاني مندوحة، و «تعقب العذال» رديء أيضاً، لأن الخليفة يجل أن يقدم أحد على عذله، وقوله: «فتعمق الوزراء يطفو فوقها» في غاية الحسن والجودة والحلاوة.
وقال أبو تمام:
ترى الحادث المستعجم الخطب معجماًلديه ومشكولاً إذا كان مشكلا
وهذا من أشعار المعلمين ومعانيهم؛ لأنه أراد بقوله «معجما» أي: منقوطاً؛ و «مشكولا» أراد الشكل.
والبحتري في هذا الباب أشعر من أبي تمام ألفاظاً ومعاني، وليس لأبي تمام فيه إلا قوله: «يطفو فوقها طفو القذى».
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع