من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
إفاضة العدل وإقامة الحق
«...... ؟» بما قالوه في الخلفاء.
وقال أبو تمام في المأمون:
يأ أيها الملك الهمام وعدلهملك عليه في القضاء همام
ما زال حكم الله يشرق وجههفي الأرض مذ نيطت بك الأحكام
قوله: «يشرق في الأرض» عموم يليق بالخليفة، ولكن لا يقبح أن يوصف به وزير أو من يقوم مقامه، لأن الخليفة ينوط أمر الأحكام وغير الأحكام به.
وقوله: «وعدله ملك» ليس بمنكر أن يجعل العدل ملكًا على الحقيقة إذا كان يتدبر بإفاضته واستعماله، فلم يقنع بهذه الاستعارة حتى جعل العدل ملكاً همامًا من أجل قوله: «يا أيها الملك الهمام»، على مذهبه في رديء الاستعارة.
والهمام: ذو الهمة البعيدة، ويقال: الذي إذا همَّ بشي أمضاه ولم يتعذر عليه.
والجيد النادر في إفاضة العدل قول منصور:
لقد شمل البرية منه عدلسيجعله أئمتهم مثالا
يقدم عفوه وإذا استخفوانكال عقوبة مطل النكالا
وقال أبو تمام في المعتصم:
جلا ظلمات الظلم عن وجهه أمةأضاء لها من كوكب الحق آفله
وقام فقام العدل في كل بلدةخطيباً وأضحى الملك قد شق بازله
وجرد سيف الحق حتى كأنهمن السل موذ جفنه وحمائله
البيت الأول والثاني جيدان في مدح الخلفاء، وقوله في البيت الثالث: «من السل» لفظ غير جيد ولا متمكن.
وقال أيضًا المعتصم:
سكن الزمان فلا يد مذمومةللحادث ولا سوام يذعر
في الأرض من عدل الإمام وجودهومن النبات الغض سرج تزهر
البيت الاول في غاية الجودة، والثاني في غاية الركاكة لأنه من ألفاظ العوام.
وقال البحتري في المتوكل:
تحسنت الدنيا بعدلك فاغتدتوآفاقها بيض وأكنافها خضر
هنيئًا لأهل الشام أنك سائرإليهم مسير الشمس يتبعها القطر
وهذا في غاية الحسن والحلاوة، وقال فيه:
أظهر العدل فاستنارت به الأرض وعم البلاد غورًا ونجدا
وهذا عموم لا يحسن أن يقال إلا لخليفة، أو ولي عهد أو وزير.
وقال في المتوكل:
ما ضيع الله في بدو ولا حضررعية أنت بالإحسان راعيها
وأمة كان قبح الجور يسخطهادهرًا فأصبح حسن العدل يرضيها
وقال في المعتز:
إمام هدى عم البرية عدلهفأضحى لديه آمنًا كل راهب
وردت وما كانت ترد بعدلهظلامات قوم مظلمات المطالب
وقال في المهتدي:
ملي بنصر الحق والحق واحدإذا عصبة يومًا لظلم تصدت
وتأييده حكم الهدى بخشونةمن الجد لو مرت على الصخر خدت
وهذا في غاية الجودة إلا أنه خال من العموم، ويصلح أن يمدح به قاض وغيره من الولاة.
وقال فيه:
بالمهتدي بالله والهادي بهأرست قواعد ديننا فتأثلا
ورث النبي سجية مرضيةوطريقة قصداً وقولاً فيصلا
فإذا قضى في المشكلات ترادفتحكم تريك الوحي كيف ينزلا
وقال فيه:
أسفت لأقوام ملكت بعيدهموكانت دجت أيامهم فاسوأدت
مضوا لم يروا من حسن عدلك منظرًاولم يلبسوا نعماك حين استنجدت
ولم يعلموا أن المكارم أبديتجذاعًا ولا أن المظالم ردت
وقال فيه:
أرى حوزة الإسلام حين وليتهاتخرم باغيها وحيط حريمها
تدارك مظلوم الرعية حقهوخلى له وجه الطريق ظلومها
وقال في المعتمد:
بلغ احتياطك وفد كل قبيلةوأغاث عدلك أهل كل بلاد
وقال في المعتز:
أقام منار الحق حتى اهتدت بهوأبصرها من لم يكن قط مبصرا
وعادت على الدنيا عوائد فضلهفأقبل منها كل ما كان مدبرا
وهذا كله في غاية الجودة والصحة والاستقامة، وهو عموم لا يكون إلا من خليفة، أو من يقوم مقامه.
وقال في المتوكل:
عرفتنا سنن النبي وهديهوقضيت فينا بالكتاب المنزل
لولا قوله: «وهديه» كان يصلح أن يكون مدحاً لقاض أو فقيه، إلا أن يسرف مسرف.
وقال فيه:
إمام يراه الله أولى عبادهبحق وأهداهم لقصد سبيله
خليفته في أرضه ووليه المــرضي لديه وابن عم رسوله
ترى الأرض تسقى غيثها بمرورهعليها وتكسى نبتها بنزوله
وقال فيه:
أو ما ترى حسن الزمان وما بداوأعاد في أيامه المتوكل
أشرقن حتى كاد يقتبس الدجىورطبن حتى كاد يجري الجندل
فهذا ما يليق بالخلفاء من ذكر العدل وإقامة الحق وصلاح الأمور، والبحتري فيما أورده من ذلك كله أشعر من أبي تمام.
ومما قالاه من ذلك في سائر الناس، قال أبو تمام في محمد بن عبد الملك:
أرى ابن أبي مروان أما لقاؤهفدان وأما حكمه فهو عادل
وقال في إبراهيم بن الخصيب:
ما لأهل الشام أن يكفروا بعــدك فيهم نعماء أهل العراق
فلقد صار أفقهم بأياديــك حديثًا لسائر الآفاق
نزل العدل حيث شاءوا وأضحى الــجور والظلم عنهم في وثاق
كل يوم تزيدهم منك عدلاًونوالاً كذاك جري العتاق
هذه الأبيات كلها رديئة، وقوله: «كذاك جري العتاق»؛ لأن الخيل العتاق إذا استزدتها في الجري زادتك، وليس بالمعنى الحلو ها هنا.
وقال البحتري في صاعد بن مخلد:
فكيف وجدتم عدله وقد التقتمساوية شاء البلاد وسيدها
فإن تخرج الأيام مذخور حسنهافقد آن أن يبدي النضارة عودها
وهذا غاية في حسنه وحلاوته.
وقال في أبي الصقر:
تقرى جنوب الأرض جودًا ونائلاًوطبق عدلاً حزنها وسهولها
ولو سيقت الدنيا إليه بأسرهاولم يتلها حمد لعاف قبولها
وقال في أبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل:
إن العواصم قد عصمن بأبيضماض كصدر الأبيض المسلول
أعطى الضعيف من القوي ورد مننفس الوحيد ومنة المخذول
عز الذليل وقد رآك تشد منوطء على عنق العزيز ثقيل
رعت الرعية مرتعًا بك مونقًاوثنت بظل في ذراك ظليل
أعطيتها حكم الصبي وزدتهافي الرفد إذ زادتك في التأميل
وقال في إبراهيم بن المدبر:
نافر الجأش لا تقر حشاهأو تؤدى ظلامة المظلوم
وهذا كله جيد نادر فوق ما قاله أبو تمام.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع