من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
في مراعاة أمر الدنيا والإضطلاع بالأمور وحسن الكفاءة
وهو قريب المعنى من الباب الذي قبله، يقول البحتري في مدح المعتز بالله:
به تعدل الدنيا إذا مال قصدهاويحسن صنع الدهر والدهر أخرق
وقال فيه:
مدبر دنيا أمسكت يقظاتهبآفاقها القصوى وما طر شاربه
وقال في المتوكل:
وله وإن غدت البلاد عريضةطرف بأطراف البلاد موكل
وأجود من هذا قول أبي تمام يعني نفسه في اغترابه:
أطل على طلى الآفاق حتىكأن الأرض في عينيه دار
وهذا المعنى حسن جدًا، ولكنه ليس له، وإنما سمع منصورًا النمري يقول في الرشيد:
وعين محيط بالبرية طرفهاسواء عليه قربها وبعيدها
فحذاء عليه، غير أن قوله: «كأن الأرض في عينيه دار» في غاية الحسن والحلاوة.
وقال البحتري في عبيد الله بن يحيى بن خاقان:
طرف مطل على الآفاق يكلأهابناظر لم ينم عنها ولم ينم
وبيت منصور أجود من هذا، وبيت أبي تمام أجود من بيت منصور، وإن كان منه أخذ، وما قاله الناس في السياسة أحسن من قول محمد بن وهيب:
وكأن ضوء جبينه قمربدر وسائر خلقه أسد
وكأنه روح تدبرناحركاته وكأننا جسد
ونحوه قول أبي العتاهية:
أمين الله أمنك خير أمنعليك من التقى فيه لباس
تساس من السماء بكل بروأنت به تسوس كما تساس
كأن الخلق ركب فيه روحله جسد وأنت عليه راس
وقال علي بن جبلة في حميد بن عبد الحميد:
يفتق ما يرتق أعداؤهوما لما يفتق من آس
فالناس جسم وإمام الهدىرأس وأنت العين في الرأس
وقال أبو تمام في محمد بن عبد الملك:
ردء الخلافة في الجلي إذا نزلتوقيم الملك لا الواني ولا النصب
جفن يعاف لذيذ النوم نافرهشحاً عليه وقلب حولها يجب
طليعة رأيه من دون بيضتهاكما انتمى رابيء في الغزو منتصب
حتى إذا ما انتضى التدبير ثاب لهجيش يصارع عنه ماله لجب
شعارها اسمك إن عدت محاسنهاإذا اسم حاسدك الأدنى لها لقب
وزير حق ووالي شرطة ورحاديوان ملك وشيعي ومحتسب
كالأرحبي المذكي سيره المرطىوالوخد والملع والتقريب والخبب
عود تساجله أيامه فبهامن مسه وبه من مسها جلب
قوله: «كما انتمى رابيء»: ارتفع إلى رأس جبل، وانتمت أي: ارتفعت، ومنه انتمى في النسب إلى بني فلان، أي ارتفع، و «الرابيء» الذي يربأ للقوم كأنه يرتفع إلى موضع عال، وليس هو من «الربوة» لأن تلك غير مهموزة، يفعل ذلك يرقب للقوم أمر العدو، والرابيء لا ينتصب وإنما ينام على بطنه
أو يستلقي على جنبه ليخفى شخصه؛ لأنه إن قام أدركته العين من بعد كما قال الهذلي:
أقمت بريدها يومًا طويلاًولم أشرف بها مثل الخيال
ولم يشخص بها بصري ولكندنوت تحدر الماء الزلال
فإن كان حذا على قول متقدم فالصواب هو هذا، إلا أن يكون أراد: نصب نفسه لذلك، أي: أعدها، ولم يرد الانتصاب.
و «الأرحبي» من الإبل منسوب إلى «أرحب» حي من همدان تنسب إليهم النجائب، و «المذكي» الذي قد انتهى في سنة وقوته، و «المرطى»: عدو الخيل فوق التقريب ودون الإلهاب، و «الوخذ» الاهتزاز في السير، مثل وخد النعام.
و «الملع» من سير الإبل السريع، و «التقريب» من عدو الخيل معروف، و «الخبب» دونه.
وليس التقريب من عدو الإبل، وهو عندي في هذا الموضع مخطيء، وقد يكون التقريب لأجناس من الحيوان ولا يكون من الإبل، فإنا ما رأينا قط بعيراً يقرب تقريب الفرس، و «المرطى» من عدو الخيل، ولم أره في أوصاف الإبل.
وقوله: «شعارها اسمك» يعني الخلافة، والشعار هو العلامة التي تخص الشيء، أخذ من الشعار وهو الثوب يصل شعر الجسد، وقسمة البيت رديئة على مذهبه في الطباق، لأن الشعار طباقه الدثار، واللقب طباقه الاسم، وكان ينبغي أن يقول: إذا اسم حاسدك الأدنى لها دثار، وذلك أن الشعار أخص بالجسد من الدثار، ولو استوى له أن يقوله كان أيضاً في غاية الرداءة، لأن الدثار يعلو على الشعار ويغطيه، وليس بجيد أن يعلو لقب حاسده على اسمه، وإنما يعني هذا الحاسد المعروف بأبي الوزير وكان قد اختص بالواثق، ولطفت منزلته عنده جداً، حتى كان ربما عرض عليه الكتب، وكان عدو محمد بن عبد الملك، فيقول: شعار الخلافة اسمك، لأنك الوزير، وذلك أبو الوزير لقب، فلهذا قال:
وزير حق ووالي شرطة ورحاديوان ملك وشيعي ومحتسب
فجعله الوزير حقاً، وأنه ينظر في الأمور كلها، ليعلم أنها إليه، وأنه القيم بها، وهذا بيت من مدح الوزراء في غاية الركاكة والسخف، وقبح المعاني والألفاظ، ومن الذي يشك في أن الوزير إليه النظر في هذه الأشياء، وكأنه أراد أنه يعانيها بنفسه، من غير واسطة، ليدل على كفاءته.
وجعله «رحا ديوان ملك»، و «الرحا» ها هنا في غاية القبح، وأراد أنه هو الذي يدبر أمور الديوان دون الكتاب، فجعله هو الذي يدور، ولم يقنع حتى جعله رحا، وإنما المستعمل من الاستعارة لمثل هذا المعنى: قطب الرحا لا الرحا، لأن المدار على القطب.
وقد جعل البحتري «رحى» في موضع أشبه بالصواب من هذا الموضع فقال:
لله أنت رحا هيجاء مشعلةإذا القنا من صبابات الطلى رعفا
ثم قال أبو تمام: «وشيعي»، منسوب إلى شيعة ولد العباس، وكان لهم في كل ديوان رجل من الشيعة، يخزن الديوان ويحفظ الحساب، فجعل الوزير أيضاً خازناً، وكان ينبغي أن يجري عليها أيضاً للخزن جراية!، ثم ختم البيت «بالمحتسب»، وما علمنا أحدًا مدح وزيرًا فجعله والي شرطة ولا محتسباً ولا خازناً، وقد كان يكفيه من ذلك كله أن يقول إنه ينظر في كبارها نحو ما قال البحتري في أبي نوح عيسى بن ابراهيم:
يؤيد الملك منهم نصح مجتهدلله يسرع بالتقوى ويتئد
مباشر لصغار الأمر لا سلسسهل ولا عسر التنفيذ منعقد
ولا يؤخر شغل اليوم يذخرهإلى غد إن يوم الأعجزين غد
وقال البحتري في الفتح بن خاقان:
تحمل أعباء المعالي بأسرها ... إذا خط منها مغرم عاد مغرم وقام بما لو قام رضوى ببعضه ... هوى الهضب من أركان رضوى الململم مدبر ملك أي رأييه صارعوا ... به الخطب رد الخطب يدمى ويكلم
أمد الرجال لبثة حين يرتئيوأسرعهم إمضاءة حين يعزم
بتسديده تلغى الأمور وتجتبىوتنقض أسباب الخطوب وتبرم
وما أحسن ما قال منصور النمري في حسن الكفاءة وسرعة إمضاء الأمور:
وليس لأعباء الأمور إذا عرتبمكترث لكن لهن صبور
يرى ساكن الأوصال باسط وجههيريك الهوينا والأمور تطير
وقال آخر -أظنه أشجع السلمي-:
بديهته مثل تفكيرهإذا رمته فهو مستجمع
وقال البحتري في ابن بسطام:
بتدبير مأمون على الأمر رأيه ... ذكير وأمضى المرهفات ذكيرها تحاط قواصي الملك فيه وتسكن الـ ... خلافة ملقاة إليه أمورها وذو هاجس لا يحجب الغيب دونه ... تريه بطون المشكلات ظهورها وقال أبو تمام في محمد بن عبد الملك:
هززت أمير المؤمنين محمدًافكان ردينيًا وأبيض منصلا
فما إن تبالي إذ تجهز رأيهإلى ناكث ألا تجهز جحفلا
ترى شخصه وسط الخلافة هضبةوخطبته دون الخلافة فيصلا
وما هضبتا رضوى ولا ركن معنقولا الطود من قدس ولا انف يذبلا
بأثقل منه وطأة يوم يغتديفيلقى وراء الملك نحرًا وكلكلا
وهذا جيد بالغ، إلا أن قول البحتري في الرأي «رد الخطب يدمى ويكلم»
أجود من قوله «ألا تجهز جحفلا»، وقوله «هوى الهضب من أركان رضوى الململم» أجود من قوله «بأثقل منه وطأة» وإن كان هذا قد جمع عدة جبال، ولكن قوله «فيلقي وراء الملك نحرًا وكلكلا» حسن جدًا. وقال أبو تمام في محمد بن عبد الملك:
وأنت شهاب في الملمات ثاقبوسيف إذا ماهزك الحق قاصل
من البيض لم تنض الأكف كنصلهولا حملت مثلا إليه الحمائل
مورث نار والإمام يشبهاوقائل فصل والخليفة فاعل
وإنك إن صد الزمان بوجههلطلق ومن دون الخلافة باسل
قوله: «مؤرث نار»، بنى البيت على معنى له وجه جيد، ولكن عكسه
أجود وأبلغ وأعرق، وذلك أنه قال: «مؤرث نار والإمام يسبها»، «فمؤرث» موقد، و «يشبها» يرفع لهبها، فجعله مبتدئاً، والخليفة متمماً، وكذلك قوله: «وقائل فصل والخليفة فاعل» وكان الأحسن أن يكون الخليفة المبتديء بتأريث النار وهو الذي يشب،
والخليفة القائل، وهو الذي يفعل؛ لأن القائل هو الآمر، والفاعل هو المأمور، ولكنه بنى الأمر على أن الخليفة يعمل على رأيه، فصار الخليفة مأمورًا عليه، ولو سمع الخليفة لأنكره وعاقب من أجله.
وقال البحتري يخاطب صالحاً مولى المهتدي بالله:
إن الخليفة ليس ينظر بالذيطالبت إلا أن تقول فيفعلا
وليس هذا من قول أبي تمام في شيء، إنما استشفع البحتري إلى المهتدي
بصالح، فقال إن الخليفة ينتظر أن يسأله في أمري فيفعل ما يقول، فأبو تمام أطلق القول عموماً في الأمور كلها، وأن وزيره يقول وأن الخليفة يفعل.
وقوله:
وإنك إن صد الزمان بوجههلطلق ومن دون الخلافة باسل
بيت غير جيد القسمة، لأن الصدود بالوجه لا يكون مقابلته طلاقة الوجه، و «الباسل» هو الشديد، والبسالة الشدة، ولذلك قيل للشجاع باسل، فذهب أبو تمام إلى أن الطلاقة في الوجه أن يكون منبسطاً مسفراً، والبسالة الشدة، فجعلها في موضع النقيض كما قال ابن هرمة:
كريم له وجهان وجه لذي الرضاأسيل ووجه في الكريهة باسل
والجيد النادر قول البحتري في محمد بن عبد الملك:
علقوا من «محمد» خير حبللرواق الخلافة الممدود
لم يخن ربها ولم يعمل التدبير في حل تاجها المعقود
مصلتاً بينها وبين الأعاديحد رأي يفل حد الحديد
صارم العزم حاضر الحزم ساري الــفكر ثبت المقال صلب العود
وقال البحتري في الحسن بن مخلد:
وزرالخلافة حين يعضل حادثوشهابها في المظلمات الواقد
المذهب الأمم الذي عرفت لهفيه الفضائل والطريق القاصد
ولي الأمور بنفسه ومحلهامتقارب ومرامها متباعد
إن غار فهو من النباهة منجدأو غاب فهو من المهابة شاهد
فقد اغتدى المعوج وهو مقومبيديه واستوفى الصلاح الفاسد
أوفى فأغشاك الصباح بضوئهوجرى فغرقك الفرات الذائد
وهذا هو القول الذي لو عصرته لانعصر، لكثرة مائه ورونقه.
وقوله:
«وشهابها -في المظلمات- الواقد»
مثل قول أبي تمام:
«وأنت شهاب في الملمات ثاقب»، وليس هذا بمأخوذ من ذاك، لأن المعنى مشترك وليس من خاص المعاني الذي يأخذها واحد عن آخر.
وقال البحتري في عبيد الله بن يحيى بن خاقان:
وكم لعبيد الله من يوم سؤدديجلي طخا الأيام ضوء شعاعه
وكم بحثوه عن طباع تكرميرد الزمان صاغرًا عن طباعه
سل الوزراء عن تقدم شأوهوعن فوته من بينهم وانقطاعه
وهل وازنوه عند جد حقيقةبمثقاله أو كايلوه بصاعه
زعيم بفتح الأمر عند انغلاقهعليهم ورتق الفتق عند اتساعه
علا رأيه مرمى العقول فلم تكنلتنصفه في بعده وارتفاعه
وقارب حتى أطمع الغمر نفسهمكاذبة في ختله واختداعه
تضيع صروف الدهر في بعد همهوتتوى الخطوب في اتساع ذراعه
وتعلم أعباء الخلافة أنهاوإن ثقلت موجودة في اضطلاعه
وما طاولته محنة من ملمةفينزع إلا باعها دون باعه
رعى الله من تلقى الرعية أنسهاإلى ذبه من دونها ودفاعه
فهل تريد زيادة في مدح وزير على هذا حسناً، وبلاغة وحلاوة معان؟!
وإذ قد انتهيت إلى هذا الموضع من الأبيات، فأذكر ما بعدها من اعتذار البحتري، وذلك قوله:
تصرعت حولاً بالعراق مجرماًمدافعة مني ليوم وداعه
أأنساك بعد الهول ثم ائصرافهوبعد وقوع الكره ثم اندفاعه
إذا نسى الله اطيافي ببيتهووفد الحجيج حاشد في اجتماعه
ووالله لاحدثت نفسي بمنعمسواك ولا عنيتها باتباعه
ولو بعت يوماً منك بالدهر كلهلفكرت دهراً ثانياً في ارتجاعه
وقال فيه:
الدهر يضحك عن بشاشة بشرهوالعيش يرطب من نضارة عوده
ونصيحة السلطان موقع طرفهونجي فكرته وحلم هجوده
إن أوقف الكتاب أمر مشكلفي حيرة رجعوا إلى تسديده
والحزم يذهب غير ملتاث إلىتصويبه في الرأي أو تصعيده
أوفى على ظلم الشكوك فشقهاكالصبح يضرب في الدجى بعموده
وهذا هو القول الذي لو قدحت منه النار لأورى.
وقال في أبي الحسن بن عبد الملك بن صالح:
أفنى «أبو الحسن» المحاسن منعماًبخلائق للقطر بعض شكولها
وإذا الأمور تصعبت شبهاتهاسبقت رياضته إلى تذليلها
عرف المصادر قبل حين ورودهاومواقع البدهات قبل حلولها
وهذا مثل قول الآخر:
مطل على الأشياء حتى كأنماله من وراء الغيب مقلة شاهد
يرى عاقبات الأمر والأمر مقبلكأن له في اليوم عيناً على غد
وحسبك بهذا حسناً، وهو ألطف من معنى البحتري.
وقال آخر:
بصير بأعقاب الأمور كأنمايخاطبه من كل أمر عواقبه
وقال آخر:
بصير بأعقاب الأمور كأنمايرى بصواب الرأي ماهو واقع
ورواه المبرد:
يرى فلتات الرأى والرأي واثقكأن له في اليوم عيناً على غد
وقال البحتري في أبي العباس أحمد بن الموفق:
وإن «أبا العباس» من تم رايهومن شهرت آثاره ومناقبه
يريناك لا نرتاب فيك إذا بدايؤديك نصًا نجره وضرائبه
وقد شحذت منه حداثة سنهشهامة غطريف حداد مخالبه
إذا المرء لم تبدهك بالحزم كلهقريحته لم تغن عنك تجاربه
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع