من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
بلاغة الوزراء وحسن عبارتهم ووصف القلم
وإذ قد ذكرت كفاية الوزراء واضطلاعهم بالأمور، فأذكر ها هنا شيئاً من بلاغتهم، وحسن عبارتهم ووصف القلم.
قال أبو تمام في سليمان بن وهب:
ما على الوشج الرواتك من عتــب إذا ما أتت أبا أيوب
حول لا فعاله مرتع الذم (مولا عرضه مراح العيوب
سرح قوله إذا ما استمرتعقدة العي في لسان الخطيب
وقال في الحسن بن وهب:
لصدور الأقلام أمضى بكفيــك إذا شئت من سهام نبال
بمصفى فرندها النير الوشــي وحدثان عهدها بالصقال
نطف تثلج امرءًا وهو حرًان ببرد من المعاني زلال
وتناغي الهوى وتنساب في الروح بسحر من البيان حلال
يشرع الذهن والمسامع فيهافي صفايا أمثالها أمثالي
يريد أمثاله من الشعر الذي يقوله.
وقال فيه:
ولقد سمعتك والكلام لآليءتوم وبكر في النظام وثيب
فكأن قساً في عكاظ يخطبوكأن ليلى الأخيلية تندب
وكثير عزة يوم بين ينسب وابن المقفع في اليتيمة يسهب
تكسو الوقار وتستخف موقراًطوراً وتبكي سامعين وتطرب
قوله: «بكر في النظام» يريد مالم يسبق إليه، و «ثيب» يريد الألفاظ والمعاني قد تقدم الناس فيها واستعملوها، والبيتان بعد هذا رديئان جداً، وما ندبة ليلى الأخيلية من النساء وغيرها، والرجال أندب منها؟!، وكان ينبغي أن يفضله على ابن المقفع وغيره إلا أن يشبهه به، وكذلك ذكره «لكثير» ركاكة وضيق حيلة. وقال فيه حين ورد عليه كتابه:
لقد جلى كتابك كل بثجو وأصاب شاكلة الرمي
فضضت ختامه فتبلجت ليغرائبه عن الخبر الجلي
وكان أغض في عيني وأندىعلى كبدي من الزهر الجني
وأحسن موقعًا مني وعنديمن البشرى أتت بعد النعي
وضمن صدره مالم يضمنصدور الغانيات من الحلي
وكائن فيه من معنى خطيروكائن فيه من لفظ بهي
وكم أفصحت عن بر جليلبه ووأيت من وأي سني
فأطلق من عقالي في الأماني ومن عقل القوافي والمطي
فيا ثلج الفؤاد وكان رضفًاويا شبعي برونقه وري
لئن غربتها في الأرض بكراًلقد زفت إلى سمع كفي
بيان لم ترثه تراث دعوىولم تنبطه من حسي بكي
وهذه أبيات مضطربة، وليس فيها جيد إلا قوله: «ويا شبعي برونقه وري» وقال فيه:
فأجل القذى عن مقلتي بأسطريكشفن من كربات باك بالي
سود يبيضن الوجوه بمصطفىتلك النوادر منك والأمثال
واحثث أناملك السوابغ كلهاحتى يجول هناك كل مجال
فى بطن قرطاس رخيص ضمنتأحشاوه غرر الكلام الغالي
وهذا البيت الأخير جيد، والباقي صالح.
وقال في ابن الصالح الهاشمي:
لقمان صمتاً وحكمة فإذاقال لقطنا الجمان من خطبه
ولله در أبي معاذ بشار بن برد إذ يقول على هذا الروي:
لله ما قد حواه منطقهمن لؤلؤ لا ينام عن طلبه
يخرج من فيه في الندى كمايخرج ضوء السراج في لهبه
وما أحسن ما قال أبو عبادة البحتري في الحسن بن وهب أيضًا:
وإذا استهل «أبو علي» في الندىجاء الغمام المستهل بسكبه
وإذا احتبى في عقدة من حلمهيوماً رأيت متالعًا في هضبه
وإذا تألق في الندي كلامه الــمصقول خلت لسانه من عضبه
وإذا دجت أقلامه ثم انتحتبرقت مصابيح الدجى من كتبه
باللفظ يقرب فهمه في بعدهمنا ويبعد نيله فى قربه
حكم فسائحها خلال بنانهمتدفق وقليبها فى قلبه
كالروض مؤتلقًا بحمرة نورهوبياض زهرته وخضرة عشبه
أو كالبرود تخيرت لمتوجمن خاله أو وشيه أو عصبه
وكأنها والسمع معقود بهاشخص الحبيب بدا لعين محبه
قوله: «دجت أقلامه» يريد إذا أخذت المداد.
قوله: «باللفظ يقرب فهمه في بعده منا» أي: يقرب فهمه منا لحسن بيانه وتلخيصه، «في بعده» أي: في دقة معانيه.
«ويبعد نيله في قربه» أي: ويبعد أن ينال أحد، أي: يأتي بمثله، «في قربه» يريد أنه مطمع ممتنع، إذا سمعه سامع ظن أنه قريب عليه، وأنه يأتي بمثله، وهو منه بعيد.
وقوله: «فسائحها» أي ما يسيح منها فيجري، أي يتدفق ذلك خلال بنانه.
وقوله: «كالروض مؤتلقاً بحمرة نوره وبياض زهرته»، قد أنكر ذلك على البحتري بعض أهل اللغة وذكر أن النور هو الأبيض خاصة، وأن الزهر هو الأصفر لا محالة، وإنما يضمهما إذا قلت: أنوار وأزهار، فيدخل في هذا اللفظ سائر الألوان.
وقد قال -لعمري- قوم من أهل اللغة -منهم ابن الأعرابي وغيره- إن النور هو الأبيض والزهر هو الأصفر، فما يصنع إذًا بقول حميد بن ثور:
كأن على أشداقه نور حنوةإذا هو مد الجيد منه ليطعما
يصف فرخ الحمامة، وصفرة أشداقها، ويشبهها بزهر الحنوة، وهو أصفر شديد الصفرة، فقال: «نور حنوة»، ولم يقل: «زهر حنوة».
وقال الأعشى:
وشمول تحسب العين إذاصفقت وردتها نور الذبح
«والذبح» نبت، ونوره أحمر شديد الحمرة، ويروى «الذبح».
وقال أبو النجم:
فالروض قد نور في حوائهنورًا تحار الشمس في حمرائه
مكللاً بالنور من صفرائه
فجعل الأحمر والأصفر نورًا، وقد ذكرت هذا مشروحًا في الجزء الذي بينت فيه معايب البحتري، وذكرت ما عيب عليه مما هو عيب صحيح وما ادعى عليه مما ليس بعيب.
وقال البحتري في محمد بن عبد الملك الزيات:
لتفننت في الكتابة حتىعطل الناس فن عبد الحميد
في نظام من البلاغة ماشكامرؤ أنه نظام فريد
وبديع كأنه الزهر الضاحك في رونق الربيع الجديد
مشرق في جوانب السمع مايخـلقه عوده على المستعيد
ما أعيرت منه بطون القراطيــس وما حملت ظهور البريد
حجج تخرس الألد بألفاظ فرادى كالجوهر المعدود
ومعان لو فصلتها القوافيهجنت شعر جرول ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختيارًاوتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدركــن به غاية المراد البعيد
كالعذراى غدون في الحلل الصفــر أو رحن في الخطوط السود
وقد وصف أبو تمام القلم فقال في مديح محمد بن عبد الملك:
لك القلم الأعلى الذي بشباتهتصاب من الأمر الكلى والمفاصل
له الخلوات اللاء لولا نجيهالما احتفلت للملك تلك المحافل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابهوأرى الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقة طل ولكن وقعهابآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكبوأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وافرغتعليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوضتلنجواه تقويض الخيام الجحافل
وقد رفدته الخنصران وشددتثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلاً شأنه وهو مرهفضناً وسمينا خطبه وهو ناحل
وما وصف الناس القلم بأجود ولا أبرع، ولا أصح معان وألطف من هذا الوصف
وقد كان الناس يستحسنون قول المقنع الكندي:
قلم كخرطوم الحمامة ماثلمستحفظ للعلم من علامه
يسم الحروف إذا تشابه أيهالبيانها بالنقط من إعجامه
يحفى فيقضم من شعيرة أنفهكقلامة الأظفور من مقلامه
وبأنفه شق تلاءم فاستوىسقي المداد فزاد في تلآمه
مستعجم وهو الفصيح بكل مانطق الرجال به على استعجامه
وهجاه قاف ثم لام بعدهاميم معلقة بأسفل لامه
وهذه الأبيات في قصيدة يمدح فيها الوليد بن يزيد، ولا تبلغ في الجودة أبيات
أبي تمام، ولا تعشرها.
وما سمعت فيه وصفاً أردأ ولا أقبح من أبيات منسوبة إلى البحتري وهي لوهب ابن شاذان الهمداني، رواها أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب
«الورقة» ووصف وهباً هذا بشدة التكلف وقال:
وعريان من خلفه مكتسيسير من الوشي في يلمق
يحذف في الرأس شابورةتسيل على ذروة المفرق
فعمر في البحر مستأنساًفلم ير يبساً ولم يغرق
وناصب في البر شمس الهجيرفما لوحته ولم يفرق
إذا أنت مشيته راكباًتسمع منك ولم يخرق
يقيم بغريبه غرب البلادوينهى ويأمر في المشرق
إذا ما استقام سقى غيرهمن الثمد الآجن الأورق
وأطرق ثم جرى ماضياًعلى فكرة الساكن المطرق
فكم من طليق له موثقوكم من وثيق له مطلق
يسوق إلى المطبق الناكثيــن ومثواه في مطبق الخندق
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع