تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

باب ما ينبغي أن يمدح فيه الخلفاء من الجود والكرم

وقد أفردت لذلك كتابًا مفردًا يتلو هذا الكتاب، ولكن لما كان هذا الكتاب قد اشتمل على أكثر أنواع مدائح الخلفاء، وجب أن أذكر معها ما مدحاهم به من الجود والكرم، ثم إني أقدم قبل ذلك مقدمة فأقول:

إن هذه خلة من أدون الخلال التي يمدح بها الخلفاء، لأن من ملك الدنيا لم يك منكرًا منه العطاء والبذل، إذ كانت رغبات الناس جميعًا إليه، وكان إخراج المال واجبًا عليه، ثم إن الجود، وإن كانت خلة شريفة، فليست كسائر الخلال الشريفة التي قد تقدمت في هذا الجزء، لأن تلك لا تكون إلا في الأعيان من الناس، والجود قد يشارك الخلفاء وعظماء الملوك فيه أدون الناس طبقة، حتى الحائك والحجام.

فينبغي للشاعر أن يتأتى لمدح الخليفة بالجود بما يخرجه عن أن يكون

له فيه مشبه أو نظير، فإن قول أبي تمام في المعتصم:

تعود بسط الكف حتى لو أنهثناها لقبض لم تطعه أنامله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

وهو أبرع بيت له في وصف الجود، يصلح أن يمدح به بعض السوقة، إذا

كان متخرقاً في البذل، مسرفًا في إتلاف المال.

وسبيل مدح الخليفة أن يكون دالاً على الخليفة بمعناه نحو قول البحتري:

إذا غبت عن أرض ويممت غيرهافقد غاب عنها شمسها وهلالها
للشاعر البحتري، من قصيدة «قف العيس قد أدنى خطاها كلالها»
غدت بك آفاق البلاد خصيبةوهل تمحل الدنيا وأنت ثمالها؟
للشاعر البحتري، من قصيدة «قف العيس قد أدنى خطاها كلالها»

/ فجعله ثمال الدنيا، والثمال: الغياث.

وقوله فيه أيضًا:

قد قلت للغيث الركام ولج فيإبراقه وألح في إرعاده
لا تعرضن لجعفر متشبهًابندى يديه فلست من أنداده
للشاعر البحتري، من قصيدة «ردي على المشتاق بعض رقاده»
الله شرفه وأعلى ذكرهورآه غيث عباده وبلاده
للشاعر البحتري، من قصيدة «ردي على المشتاق بعض رقاده»

فجعله غيث العباد والبلاد.

وقوله في المعتز:

ياجمال الدنيا سناء ومجدًاوثمال الدنيا عطاء وبذلاً

ثم جعل صدر هذا البيت عجزه في قصيدة أخرى فقال:

يا ثمال الدنيا عطاء وبذلاًوجمال الدنيا سناء ومجدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لي حبيب قد لج في الهجر جدا»

وهذا لا يقال إلا لخليفة.

وكذلك قوله:

أكرم الناس شيمة وأتم النــاس خلقاً وأكثر الناس رفدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لي حبيب قد لج في الهجر جدا»
وحكى القطر بل أبر على القطــر بكف على البرية تندى
للشاعر البحتري، من قصيدة «لي حبيب قد لج في الهجر جدا»

وقوله:

بثثت فينا عطاء زاد فى عدد الــعليا ونوه باسم الجود تنويها
ما زال بحرًا لعافينا فكيف وقدقابلتنا ولك الدنيا وما فيها
أعطاكها الله عن حق رآك لهأهلاً وأنت بحق الله تعطيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها»

وقوله فى المعتز:

وماحسنت نواحي الأرض حتىملكت السهل منها والجبالا
بوجه يملأ الدنيا ضياءوكف تملأ الدنيا نوالا
للشاعر البحتري، من قصيدة «سلاها كيف ضيعت الوصالا»

وقال في المتوكل:

يا ابن عم النبي لا زال للدنــيا ثمال من راحتيك غزير
للشاعر البحتري، من قصيدة «لك في المجد أول وأخير»
أي محل عرا فكفك غيثأو ظلام دجا فوجهك نور
للشاعر البحتري، من قصيدة «لك في المجد أول وأخير»

ولله در أبي معاذ إذ يقول:

إذا جلس المهدي عمت فضولهعلينا كما عم الضياء من البدر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تجاللت عن فهر وعن جارتي فهر»

فهذا هو المدح الذي لا يليق إلا بخليفة، فإن مدح مادح بمثل هذا غير خليفة، فما ترك للخليفة شيئاً.

فأما قول أبي تمام في المعتصم:

مدى العفاة فلم تحلل به قدمإلا ترحل عنها العثر والزلل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»

وقوله فيه:

هو البحر من أي النواحي أتيتهفلجته المعروف والجود ساحله
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هو البحر من أي النواحي أتيته»
تعود بسط الكف حتى لو أنهثناها لقبض لم تطعه أنامله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

فهي في غاية الحسن والصحة والحلاوة والبراعة، وليس بمدح يخص الخلفاء

دون غيرهم، ولا أقول إن ذلك عيب في المدح، ولكن ما يخص أجود وأليق.

فأما قوله في المأمون:

من شرد الإعدام عن أوطاننابالبذل حتى استطرف الإعدام
وتكفل الأيتام عن آبائهمحتى وددنا أننا أيتام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

وقوله:

سخطت لهاه على جداه سخطةفاسترفدت أقصى رضا المسترفد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي»

وقوله:

لو يعلم العافون كم لك في الندىمن لذة وقريحة لم تحمد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي»

فليس ذلك بجيد، ولا محمود من الوصف، وقد ذكرت ما فيه في كتاب

«الجود والكرم» في مواضعه.

والبحتري في هذا أشعر من أبي تمام.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.