تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

كرم الأخلاق ولينها

ومن ذلك قول أبي تمام في أبي سعيد:

لقد آسف الأعداء مجد ابن يوسف ... وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع أخذت بحبلٍ منه لما لويته ... على مرر الأيام ظلت تقطع

هو السيل إن واجهته انقدت طوعهوتقتاده من جانبيه فيتبع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»

ومثله قول البحتري في الفتح بن خاقان:

حرون إذا عاززته في ملمةفإن جئته من جانب الذل أصحبا

وهذا من المعاني المشتركة، وليس من المخصوصة التي لا يقع فيها اتفاق.

وقد أحسن أبو تمام كل الإحسان في قوله في الأفشين:

لانت مهزته فعز وإنمايشتد بأس الرمح حين يلين
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بذ الجلاد فهو دفين»
وترى الكريم يعز حين يهونوترى اللئيم يهون حين يهون
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بذ الجلاد فهو دفين»

وقال في أبي سعيد:

قطب الخشونة والليان بنفسهفغدا جليلاً في القلوب لطفيا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أطلالهم سلبت دماها الهيفا»

وقد أحسن أبو الشيص في قوله:

كريم يغض الطرف فضل حيائهويدنو وأطراف الرماح دوان
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «كريم يغض الطرف فضل حيائه»
وكالسيف إن لاينته لان مسهوحداه إن خاشنته خشنان
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «كريم يغض الطرف فضل حيائه»

وقال آخر:

إذا قيلت العوراء أغضى كأنهذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة

وقال أبو تمام أيضًا في عمر بن طوق:

الجد شيمته وفيه فكاهةسجح ولاجد لمن لم يلعب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحسن بأيام العقيق وأطيب»
شرس ويتبع ذاك لين خليقةلا خير في الصهباء مالم تقطب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحسن بأيام العقيق وأطيب»

وهذا معنى في غاية الحسن، وتمثيل في غاية الصحة.

وقال أبو تمام في أبي دلف:

جم التواضع والدنيا بسؤددهتكدد تهتز من أطرافها صلفا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا»

جعل «الصلف» ها هنا بمعنى: التيه، وهذا مذهب العوام، وقد غري به الشعراء المحدثون، فأما العرب فإن «الصلف» في كلامها: «البغض» من الرجل والمرأة، يقال: قد صلفت المرأة عند زوجها، إذا لم يحببها، وصلفت هي، إذا لم تحببه، فهو صلف، وهي صلفة، كما قال جرير:

إني أواصل من أردت وصالهبحبال لا صلف ولا لوام
للشاعر جرير، من قصيدة «سرت الهموم فبتن غير نيام»

وقال البحتري في التواضع، يخاطب ابن المدبر:

دنوت تواضعًا وعلوت قدرًافشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامىويدنو الضوء منها والشعاع
للشاعر البحتري، من قصيدة «فدتك أكف قوم ما استطاعوا»

وهذا لا شيءء يفوقه حسناً وصحة ومبالغة، وهو بتواضع الخلفاء أشبه منه بتواضع من سواهم، وأظنه أخذ المعنى من قول بشار:

أو كبدر السماء غير قريبحين يوفى والضوء فيه اقتراب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «طرقتنا بالزابيين الرباب»

/ وبيت البحتري أجود.

وقال في حسن الأخلاق:

صفت مثلما تصفو المدام خلالهورقت كما رق النسيم شمائله
للشاعر البحتري، من قصيدة «هب الدار ردت رجع ما أنت قائله»

وقال في أبي سعيد:

واستمطروا في المحل منك خلائقاًأصفى وأعذب من زلال الماء
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»

وقال البحتري في أبي نهشل بن حميد:

إلى أبي نهشل ظلت ركائبنايخدن من بلد ناء إلى بلد
للشاعر البحتري، من قصيدة «إني تركت الصبا عمدا ولم أكد»
إلى فتى مشرق الأخلاق لوسبكتأخلاقه من شعاع الشمس لم تزد

وقال أبو تمام في الحسن بن وهب:

ضم الفتاء إلى الفتوة بردهوسقاه وسمي الشباب الصيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لمكاسر الحسن بن وهب أطيب»
وصفا كما اعتدل الشباب وإنهفي ذاك من صبغ الحياء لمشرب
تلقى السعود بوجهه وتحبهوعليك مسحة بغضة فتحبب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لمكاسر الحسن بن وهب أطيب»

وقال البحتري في محمد بن يحيى:

كل يوم تسن مجدًا جديدًابفعالٍ في المكرمات بديع
أدب لم تصبه ظلمة جهلفهو كالشمس عند وقت الطلوع
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنزاعا في الحب بعد نزوع»
ورجال جاروا خلائقك الغر (موليست يلامق من دروع
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنزاعا في الحب بعد نزوع»
وليالي الخريف خضر ولكنرغبتنا عنها ليالي الربيع
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنزاعا في الحب بعد نزوع»

وإن كل هذا جيد إلا قوله:

«وليست يلامق من دروع»

فإنه تمثيل من قلت حيلته.

وقال في إبراهيم بن الحسن بن سهل:

خلق أتيت بفضله وسنائه ... طبعاً فجاء كأنه مصنوع وحديث مجد عنك أفرط حسنه ... حتى ظننا أنه موضوع وقال أبو تمام في أبي الحسين محمد بن الهيثم:

فلا يغبب محلك كل يوممن الأيام ألطاف السحاب

فثم الجود مشدود الأواخي ... وثم المجد مضروب القباب وأخلاق كأن المسك فيها ... بصفو الراح بالنطف العذاب وقال في الحسن بن وهب:

لمكاسر الحسن بن وهب أطيبوأمر في حنك الحسود وأعذب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لمكاسر الحسن بن وهب أطيب»
وله إذا خلق التخلق أو نباخلق كروض الحزن أو هو أطيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لمكاسر الحسن بن وهب أطيب»
ضربت به أفق الثناء ضرائبكالمسك يفتق بالندى ويطيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لمكاسر الحسن بن وهب أطيب»
يستنبط الروح اللطيف نسيمهاأرجًا وتوكل بالضمير وتشرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لمكاسر الحسن بن وهب أطيب»

ويقال: فلان طيب المكسر، وطيب المكاسر، إذا كان كريم الأخلاق سهلها.

ورياض الحزن، إنما يوصف بالحسن، ورياض الخفض والأغواط أخصب.

وقوله:

«يستنبط الروح اللطيف نسيمها»

مثل يؤكد به ذكاء طيب أخلاقه، وهي ضرائبه وأن يسير الروح ولطيفه يهيج نسيم أرجها.

وقال أبو تمام في الحسن بن وهب:

واجد بالخليل من برحاء الشــوق وجدان غيره بالحبيب
آمن الجيب والضلوع إذا ماأصبح الغش وهو درع القلوب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»
لا كمصفيهم إذا حضروا الودولاح قضبانهم بالمغيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»
يتغطى عنهم ولكنه تنــصل أخلاقه نصول المشيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»

وقال أبو تمام في محمد بن حسان الضبي:

بمحمد صار الزمان محمدًاعندي وأعتب بعد سوء فعاله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بمحمد صار الزمان محمدا»
بمروق الأخلاق لو عاشرتهلرأيت وجهك في جميع خصاله
أبدًا يفيد خلائقًا من ظرفهورغائبًا من جوده ونواله

وقال البحتري في أبي أيوب بن أخت أبي الوزير:

سر وإعلان تسوي منهمانفس تضيء وهمة تتوقد
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا يوم عرج بل وراءك يا غد»
فكأن مجلسه المحبب محفلوكأن خلوته الخفية مشهد
وتواضع لولا التكرم عاقهعنه علو لم ينله الفرقد
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا يوم عرج بل وراءك يا غد»
وشبيبة فيها النهى فإذا بدتلذوي التوسم فهي شيب أسود
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا يَوْمُ عَرّجْ بَلْ وَرَاءَكَ يا غَدُ»

قوله:

«فكأن مجلسه المحبب محفل...»

مثل قول ابن مطير:

يعف ويستحيي إذا كان خاليًاكما كان لو أضحى عليه رقيب

وهذا معنى متداول.

وقال:

صاف أمثال أحمد بن عليتعترف فضله على من تصافي
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألِمَا فَاتَ مِنْ تَلاقٍ تَلافِ»
أريحي إما يوافق من تهـوى وإما يكفيك حرب الخلاف

وفي نحو هذا يقول في أبي العباس عبد الله بن المعتز بالله وفي مدح المعتز:

ورأيت عبدالله في السن التيتعد الكبير بدهره المتطاول
للشاعر البحتري، من قصيدة «لَوْ كَانَ يُعْتَبُ هاجرٌ في وَاصِلِ»
قمر تؤمله الموالي للتييقضي بها المأمول حق الآمل
للشاعر البحتري، من قصيدة «لو كان يعتب هاجر في واصل»
يرجون فيه نجابة شهدت بهافيه عدول شواهد ودلائل
للشاعر البحتري، من قصيدة «لو كان يعتب هاجر في واصل»
ومذاهب في المكرمات بمثلهايتبين المفضول سبق الفاضل
للشاعر البحتري، من قصيدة «لو كان يعتب هاجر في واصل»
حدث يوقره الحجى فكأنماأخذ الوقار من المشيب الشامل

وقال في المعتز:

ضرب كنصل السيف أرهف حدهوأضاء لامع مائه المترقرق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أما الخيال فإنه لم يطرق»
/ ومهذب الأخلاق يعطفه الندىعطف الجنوب من القضيب المورق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أما الخيال فإنه لم يطرق»
طلق فإن أبدى العبوس تطأطأتشوس الرجال وخفضت في المنطق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمّا الخَيالُ، فإنّهُ لمْ يَطْرُقِ»

وقال في الفتح:

غرائب أخلاق هي الروض جادهملث العزالى ذو رباب وهيدب
للشاعر البحتري، من قصيدة «بنا أنت من مفجوة لم تعتب»
فكم عحبت من ناظرـ متأملوكم خبرت من سامع متعجب
وقد زادها إفراط حسن جوارهاخلائق أصفار من المجد خيب
للشاعر البحتري، من قصيدة «بنا أنت من مفجوة لم تعتب»
وحسن دراري الكواكب أن ترىطوالع في داج من الليل غيهب
للشاعر البحتري، من قصيدة «بنا أنت من مفجوة لم تعتب»

وهذا حسن جدًا. وقال:

رضيت منك بأخلاق قد امتزجتبالمكرمات امتزاج الروح بالبدن
للشاعر البحتري، من قصيدة «ليت الخليط الذي قد بان لم يبن»
وزدتني رغبة في عقد ودك إذشفعت ذاك الندى بالفهم والفطن
للشاعر البحتري، من قصيدة «ليت الخليط الذي قد بان لم يبن»
من يصبه سكن ممن يحب ومنيهوى فمالك غير المجد من سكن
للشاعر البحتري، من قصيدة «ليت الخليط الذي قد بان لم يبن»

هذا باب فضل أبي تمام فيه على البحتري ظاهر ومعلوم.

صفحة فارغة [في المطبوع]

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.