من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
وفي الإكثار من العطاء
قال أبو تمام:
لهى تستثير القلب لولا اتصالهبحسن دفاع الله وسوس قائله
وقال:
كم نفحة لك لم فيحفظ تعجرفهالصامت المال لا إلا ولا ذمما
مواهب لو تولى عدها هرملم يحصها هرم حتى يرى هرما
يعني هرم بن سنان المري، الذي مدحه زهير وكان من الأجواد، وقال أبو تمام:
إذا شئت أن تحصي فواضل كفهفكن كاتباً أو فاتخذ لك كاتبا
وهذا من معاني العوام، وضعفه المعلمين.
وقال في أبي الغريب يحيى بن عبد الله:
لولا تناهي كل مخلوق لقدخلنا نوالك ليس بالمتناهي
وليس هذا الجنس من الإغراق جيداً ولا حسناً.
وقال أبو تمام:
ولله أنهار من الناس شقهاليشرع فيها كل مقو وواجد
المقوي: الذي قد فني زاده، والواجد: الغني.
ولا يقال: أنهار من الناس شقها إلا من لم يسمع بمدح المادح، ولا بكلام العرب قط، وإنما المستعمل في هذا أن يقال: كالبحر، وكالسيل، وكالفرات، فأما نهر مشقوق فمن أقبح لفظ وأوضعه.
وإنما قال كعب بن معدان الأشقري:
براك الله يوم براك بحراًففجر منك أنهاراً غزارا
بنيك السابقين إلى المعاليإذا ما أعظم الناس الخطارا
لأنه جعل المهلب بحراً، وجعل بنيه أنهاراً مفجرة منه فحسن ذلك ولم يقبح.
وقال أبو تمام:
كأن أمواله والبذل يمحقهانهب تعسفه التبذير أو نفل
وهذا بيت جيد المعنى، وأجود منه قول البحتري:
تحسب في وفره يداه يديعدوه أو لغيره نشبه
مال إذا الحمد منه عيض غدامنهبه غانماً ومنتهبه
قوله:
تحسب في وفره بداه يديعدوه
يشبه قول أبي تمام:
وإن خفرت أموال قوم أكفهممن النيل والجدوى فكفاه مقطع
وهذا من قبيح المعاني:
وقال أبو تمام:
من رأى بارقاً سرى صامتياًجاد نجداً سهولها والحزوما
فسقى طيئاً وكلباً وذودان وقيساً ووائلاً وتميما
لن ينال العلى خصوصاً من الأقـوام من لم يكن نداه عموما
وهذا جيد بالغ في العموم والكثرة.
وقال أيضاً في كثرة العطاء:
يقول الحاسدون إذا انصرفنالقد قطعوا طريقاً أو أغاروا
وحسبك بهذا قبحاً وركاكة، وكان يجب أن يتبعه ببيت آخر يذكر فيه أنهم هربوا لئلا يؤخذوا فيعاقبوا عقوبة قطاع الطرق!.
ومن هذا الباب قوله:
سخطت لهاه على جداه سخطةفاسترفدت أقصى رضى المسترفد
«فاللها» جمع «لهوة»، وهي: العطية، وأصلها ما تلقيه في فم الرحا من الحب، كأنك جعلته طعمة للرحى، فشبهت العطية به، والجدوى هي العطية أيضاً، فكيف يسخط عطاياه؟، هذا عين الخطأ، ولو قال: «سخطت يداه على جداه» كان قولاً حسناً مستقيماً.
وقد جاء بهذا المعنى في موضع آخر وأتى به على الصواب فقال:
ما التقى وفره ونائله مذكان إلا ووفره المغلوب
قال: والوفر هو المال الكثير، والنائل: هو المال الذي يعطيه، وهو قطعة يقتطعها من وفره، وهو مذهب للوفر ومفنيه، كما قال زهير:
أخو ثقة، لا تهلك الخمر مالهولكنه قد يهلك المال نائله
وقد أحسن البحتري في هذا الباب كل الإحسان وذلك قوله في الكثرة والعموم:
وأنفق في العلياء حتى حسبتهمن الدهر يعطي أو من الدهر ينفق
عطاء كضوء الشمس غمر فمغربيكون سواء سناه ومشرق
وقال في قصيدة أخرى:
مواهب أعداد الأماني وخلفهاعدات يكاد العود منهن يورق
قوله: «أعداد الأماني» في غاية الحسن والصحة.
وقال:
لم يحص عدة ما توليه من حسنوسيد النيل ما لم يحصه العدد
وقال:
مواهب ضربت في كل ذي عدمبثروة وأماحت كل ممتاح
وقال:
كلما جاءت الليالي بإحسان فبادي إحسانها إحسانه
جمل من لهى يشككن في القوم أهم مجتدوه أم خزانة؟
وقال في مثله:
أعطيتني حتى حسبت جزيل ماأعطيته وديعة لم توهب
وإنما أخذ هذا المعنى من قول الفرزذق:
أعطاني المال حتى قلت يودعنيأو قلت أودع مالاً قد رآه لنا
وبيت البحتري أجود من هذا لفظاً وسبكاً.
وقال:
تجاوز غايات العقول رغائبيكاد بها لولا العيان تكذب
وقال في أبي نهشل:
وعطاياك في الفضول عداد الرمل من عالج وكيف الحقوق
ظل فيها البعيد مثل القريب الــمجتبى والعدو مثل الصديق
كحبي الغمام جاد فرويكل واد من البلاد ونيق
وهذه معان مختلفة، وكلها في غاية الجودة والصحة، ولا خفاء بفضل البحتري -في هذا الباب أيضاً- على أبي تمام.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع