تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

ما قالاه في الوعد وإنجازه

وقال:

قوم إذا وعدوا أو أوعدوا غمرواصدقاً ذوائب ما قالوا بما فعلوا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»

قوله: «ذوائب ما قالوا»، فذوائب كل شيء أعلاه، يريد أن أفعالهم زادت على وعدهم ووعيدهم حتى غمرتها.

وقال:

فلويت بالموعود أعناق الورىوحطمت بالإنجاز ظهر الموعد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي»

حطم ظهر الموعد استعارة قبيحة جدًا، والمعنى أيضًا رديء، لأن إنجاز

الوعد هو تصحيحه وتحقيقه، وبذلك جرت العادة، أن يقال: قد صح وعد فلان، وتحقق ما قال، فجعل أبو تمام في موضع صحة الوعد حطم ظهره، وهذا إنما يكون إذا أخلف الوعد وكذب، ألا ترى أنهم يقولون: قد مرض فلان وعده وعلله ووعد وعداً مريضًا، فإذا أخلف وعده فقد أماته، فالإخلاف هو الذي يحطم

ظهر الوعد لا الإنجاز، فلا خفاء بفساد ما ذهب إليه، وكان ينبغي أن يقول: وحطمت بالإنجاز ظهر المال، لأن الوعد كان يصح ويسلم حينئذ، والمال يتلف.

وقال:

إذا وعد انهلت يداه فأهدتالك النجح محمولاً على كاهل الوعد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»

وكاهل الوعد إذا حمل النجح فمن سبيله أن يكون صحيحًا مسلماً، لا أن

يكون محطومًا كما قال في البيت الأول، وهذه استعارة في البيت صحيحة، وإن كان كاهل الوعد قبيحًا.

ومثل ذلك في الفساد قوله:

إذا ما رحى دارت أدرت سماحةرحى كل انجاز على كل موعد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

وهذا إتلاف الوعد وإبطاله، وإنما ذهب إلى أن الإنجاز إذا وقع بطل الوعد،

وليس الأمر كذلك، لأن الوعد ليس بضد للإنجاز، فإذا وقع بطل الوعد، وليس هذا بضد ذاك، بل الوعد الصادق طرف للإنجاز، وسبب من أسبابه، فإذا وقع الإنجاز فهو تمام الوعد، وتصحيح له، وتحقيق وتصديق، فهو بهذا غالط، والمعنى الصحيح قوله:

أبلهم ريقاً وكفاً لسائلوأنضرهم وعدًا إذا صوح الوعد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد»

فتصويح الوعد هو أن يخلفه الواعد، فيبطل، ولا يصح، و «صوح النبت» إذا جف.

ومثله في الصحة قوله:

تزكو مواعده إذا وعد امريءأنساك أحلام الكرى الأضغاثا

فهذا هو الصحيح، أن يكون الوعد يزكو، لا أن يبطل ويذهب، ولله در إبراهيم بن هرمة إذ يقول:

يسبق بالفعل ظن سائلهويقتل الريث عنده العجل

فهذه الاستعارة الصحيحة، أن يقتل العجل الإبطاء، لا أن يقتل الإنجاز الوعد، فأما قوله:

نؤم أبا الحسين وكان قدماًفتى أعمار موعده قصار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نوار في صواحبها نوار»

وقول البحتري:

وجعلت فعلك تلو قولك قاصراًعمر العدو به وعمر الموعد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أصبا الأصائل إن برقة منشد»

فإنر عمر الموعد مدة وقته، فإذا أنجز صار مالاً، فنفاد وقته ليس بمبطل له، بل ذلك نقله من حال إلى حال أخرى.

ألا ترى إلى البحتري كيف كشف عن المعنى، وجاءك بالأمر من فصه فقال:

يوليك صدر اليوم قاصية الغنىبمواهب قد كان أمس مواعدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «مِنْ رِقْبَةٍ، أدَعُ الزّيارَةَ عَامِدَا»

فبطلان الموعد هو بطلان للشيء الذي الموعد واقع عليه.

ثم أتبع هذا البيت بأن قال:

سوم السحائب ما بدأن بوارقاًفي عارض إلا انثنين رواعدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «من رقبة أدع الزيارة عامدا»

فالعارض: السحاب، وجعل البوارق مثالاً للمواعيد وجعل الرواعد التي هي البوارق على الحقيقة وحالهما واحدة، مثالاً للغيث، الذي هو العطايا فالرواعد ليست بمبطلة للبوارق، بل هي هي، لأن تلك نور يحدثه ازدحام السحاب واصطكاكه، والرعد صوت ذلك الازدحام، فالبرق يرى أولاً، والرعد يسمع ثانياً، وذلك لأن العين أسبق إلى الإبصار من الأذن إلى الاستماع، لأن العين ترى الشيء في موقعه، والأذن لا تسمع الصوت إلا إذا وصل إليها.

وقال البحتري:

والوعد كالورق النضير تأودتفيه الغصون ونجحه أن يثمرا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لله عهد سويقة ما أنضرا»

فشبهها بالمواعد التي تحول مواهب، وهذا أحسن ما يكون من التمثيل وأصحه، وأقام الرواعد مقام المواهب، لأنه قد يكون برق لا مطر فيه، ولا يكاد يكون رعد إلا ومعه الغيث، ثم إن التشبيه إنما صح بأن كان الرعد بعد البرق.

وما أحسن ما قال خلف بن خليفة الأقطع:

مواعيدهم فعل إذا ما تكلموابتلك التي إن سميت وجب الفعل
للشاعر خلف بن خليفة الأقطع، اقرأ القصيدة

يعني قولهم «نعم» فجل الوعد هو الفهل نفسه لصحته وصدقه، وقد مثل البحتري المواعيد أيضاً، وكيف تحول العطاء تمثيلاً آخر حسناً، فقال:

وشكرت منك مواهباً مشكورةلو سرن في فلك لكن نجوما
ومواعداً لو كن شيئاً ظاهراًتفضي إليه العين كان غيوما
للشاعر البحتري، من قصيدة «أحرى الخطوب بأن يكون عظيما»

لأن الغيم يصير مطراً، كما أن الوعد يصير عطاء، فأبو تمام فيما ذهب إليه غالط، لأنه وضع الاستعارة في غير موضعها.

وقال:

لو كان في عاجل من آجل بدللكان في وعده من رفده بدل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»
له رياض ندى لم يكد زهرتهاخلف ولم تتبختر بينها العلل

وهذا غلط أيضاً؛ لأن العاجل أفضل من الآجل، فكيف لا يكون بدلاً منه، وقد قيل -وجرى مثلاً-:

«والنفس مولعة بحب العاجل»

وكان ينبغي أن يقول:

«لو كان في عاجل قول بدل من آجل فعل»

وإلى هذا ذهب، غير أن الصواب لا يقبل إذا كان مطوياً في القلب، ومخبوءاً تحت الإضمار، حتى يخرج إلى الوجود.

ألا ترى إلى البحتري لما جاء بهذا المعنى كيف أورده على غاية الصحة والسلامة فقال:

لو قيل كفى امرأ من كثيرلاكتفينا بقوله من فعاله

وحسبك بقوله:

«لم تتبختر بينها العلل»

قبحاً.

وقال أبو تمام:

تحن عداته إثر التقاضيوتنتنج مثلما نتج العشار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نوار في صواحبها نوار»

وهذا بيت رديء المعنى، لأنه جعل الممدوح ممن يقتضى، وأن عداته تحن، والحنين لا يكون إلا بعد حبس ومنع، وقال:

«وتنتج مثلما نتج العشار»

والعشار من الإبل: الحوامل، التي قد أتى لحملها عشرة أشهر، والواحدة عشراء، فلا يزال ذلك اسمها إلى أن تضع، وبعد ما تضع، فأراد أن عداته تنتج لا محالة، كما أن العشار تنتج لا محالة.

وإنما خص العشار دون غيرها من الحوامل لعظم قدر الإبل عندهم، وأنها معولهم في الخصب والجدب، وعلى كل حال فقوله:

«وتنتج مثلما نتج العشار»

ليس بجيد ولا حسن، لأنه لم يدلل به على سرعة، بل هو إلى الدلالة على إبطائه أقرب.

والجيد له في هذا الباب قوله في أبي دلف:

يقول هو الذي ليس الوفاء لهعزماً وينجز إنجاز الذي حلفا

وهذا في غاية الحسن.

وقال البحتري:

يجن إلى المعروف حتى ينيلهكما حن إلف مستهام إلى إلف
ويقلق حتى ينجز الوعد مثل مايجافي الذي يمشي على رمض الرضف
للشاعر البحتري، من قصيدة «ومهتزة الأعطاف نازحة العطف»

وهذا جيد حسن لطيف.

وقال:

مواهب أعداد الأماني وخلفهاعدات يكاد العود منهن يورق
للشاعر البحتري، من قصيدة «بودي لو يهوى العذول ويعشق»

فذكر أنه إذا أعطى وعد، والوعد بعد العطية أحسن من الوعد قبل العطية، لأن تلك عطية واحدة وهذه عطيتان، وفرحتان، وذلك دليل على جود الجواد وربه لعطاياه، ومتابعته إياها.

ومثل هذا قول أبي النضر جهم بن عبد الملك في الفضل بن يحيى:

يفعل الناس إذا ما وعدواوإذا ما فعل الفضل وعد
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

وقال البحتري:

يمضي المنايا دراكاً ثم يتبعهابيض العطايا ولم يوعد ولم يعد
للشاعر البحتري، من قصيدة «إني تركت الصبا عمدا ولم أكد»

وقد مدح البحتري الوعد وفضل العطاء بعده على ما يأتي من غير وعد، وشبهه تشبيهاً يفوق كل حسن وصحة، فقال:

أحب انتظارات المواعيد والتيتجيء اختلاساً لا يدوم سرورها
وإن جمام الماء يزداد نفعهاإذا صك أسماع العطاش خريرها
للشاعر البحتري، من قصيدة «مغاني سليمى بالعقيق ودورها»

فسقط الآن الشك في أن البحتر -في هذا الباب- أشعر من أبي تمام.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.