من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
وفي الابتداء بالعطاء من غير سؤال
قال أبو تمام:
يأخذ الزائرين قسراً ولو كف (م) دعاهم إليه واد خصيب وهذا معنى جيد بالغ,
وقال:
فأضحت عطاياه نوازع شرداًتسائل في الآفاق عن كل سائل
وهذا تضعيف للمعنى شديد، وكيف تكون عطاياه نوازع شرداً خالية من معطى، وهل هذا شيء يعقل، وتقوم في النفس صحته؟.
فإن قيل: فهذه استعارة ومبالغة، قيل: الاستعارة التي فيها بعض الغلو لا تنكر، ولكن لكل جنس من المعاني سبيل في الاستعارة، وقد عدهت وجرى بها
الاستعمال، ولم تجر عادة الاستعارة في مال الجواد أن يقول المال: هل من طالب؟، هل من سائل، ثم أن يشرد في الآفاق يلتمس من يأخذه، وإنما العادة فيه أن يكون كارهاً لأن يبذل، خائفاً أن يمحق، لأنه يقال: فلان قد أتلف ماله، وقد محقه، فالاستعارة فيه أن يجعل المال شاكياً من التمحيق، وضاجاً من كثرة البذل، كما قال هو في باب من بعد:
قاسى المضير على التلاد كأنمايغدو على تفريق مال مذنب
وكما قال:
يلقى بها حر التلاد وعبدهعند السؤال مصارعاً وحتوفا
وكما قال:
غادرت فيها ما ملكت قتيلا
وكما قال أبو نواس:
بح صوت المال ممامنك يشكو ويصيح
فعيب بقوله: «بح» أنه إفراط في الاستعارة وغلو، وكذلك جرت العادة في غير المال أن يقال للرجل الكثير الاستعمال للماء: قد ضجت منك دجلة، والبحر على وجل، ونحو هذا مما هو على أفواه الناس، وذلك لأن كلما وقع الثلم والمحق لا تكون الاستعارة له إلا الخوف من ذلك، والكره له، كما أنه لو كان سبباً يعقل لما اختار أن يتلف ويستهلك.
والاستعارة الصحيحة في هذا قوله:
تكاد مغانيه تهش عراصهافتركب من شوق إلى كل راكب
لأن مغانيه لو كانت تعقل لهشت لسؤاله، وعفاته، كاهتشاشه هو إذ في احتشادهم فيها جمال له ولها معه.
وأصلح معنى هذا البيت أيضاً وجوده قوله: «تكاد»، فإنما تمثل الجمادات أبداً بما يعقل، فتحمل الاستعارة على ما يجوز فيه، ويليق به، ألا ترى إلى قوله في وصف سحابة:
لو سمعت بقعة لإعظام نعمىلسعى نحوها المكان الجديب
وذلك لما له فيها من المصلحة، وكذلك قول البحتري:
ولو أن مشتاقاً تكلف فوق مافي وسعه لسعى إليك المنبر
وذلك لما له في أن يرقاه من الجمال.
فالمال ما وجه شهوته لأن يمحق ويتلف حتى يجعله شارداً في البلاد يلتمس من يأخذه؟ فإن قيل:
فما الذي ينكر من الشاعر أن يغرب ويبدع، ويأتي بما لم يسبق إليه؟، قيل: ليس بمنكر أن يفعل ذلك إذا سلك الطرق المعهودة في ذلك المعنى، وأن يتفرع لها، ولا يخرج عنها، ويأتي فيها بكل ما يسنح له من المبالغة والإغراب، كما قال أبو نواس:
بح صوت المال ممامنك يشكو ويصح
فلم يقتصر على المعهود في هذا، بأن يقول: قد شكا المال، وكم يشكوك المال، حتى يجعل له صوتاً قد بح من كثرة ما يصيح فعلى هذا الوجه يكون الإغراب والإبداع، ولو قال أبو نواس: قد بح صوت المال مما يصيح، ويلتمس من يأخذه، لقلنا له: قد هجوت ممدوحك -أصلحك الله- أقبح هجاء.
والسليم الصحيح قول البحتري:
أعطيت سائلك المحسد سؤلهوطلبت بالمعروف غير الطالب
وأظن أبا تمام سمع قول أبي العتاهية:
وإنا إذا ما تركنا النوالفلم نبغه فيه يبتدينا
وإن نحن لم نبغ معروفهفمعروفه أبداً يبتغينا
وإنما أراد أبو العتاهية: أنه يبتغينا لمعروفه، لا أن المعروف بنفصل عنه، ويشرد في طلبنا والتماسنا، وقد أحسن أبو العتاهية.
وقال ابن أذينة:
أسعى له فيعنيني تطلبهولو قعدت أتاني لم يعنيني
وإنما أراد يأتيني الله به، وعلى هذا الوجه قال دعبل:
والرزق أكثر لي مني له تطلبا
أي أن الله -جل وعز- يأتيني به، فكأنه يطلبني.
وقد حذا هو حذو قول ابن أذينة، فقال:
الرزق لا تكمد عليه فإنهيأتي ولم تبعث إليه رسولا
فهذه طريقة الاستعارة في هذا المعنى.
وقال أبو تمام أيضاً في الابتداء بالعطاء:
ورأيتني فسألت نفسك سيبهالي ثم جدت وما انتظرت سؤالي
كالغيث ليس له أريد غمامهأو لم يرد بد من التهطال
وهذا معنى في غاية الجودة، إلا أنه كان ينبغي أن يجعل الغيث في موضع الغمام، والغمام في موضع الغيث، لأن الذي يراد ليس هو الغمام، وإنما هو الغيث، ولو قال:
كالغيم ليس له أردنا غيثهأم لم نرد بد من التهطال
أو «كالمزن» فإنهما لفظة أحسن من الغيم كان عندي أصح وأجود، وقوله:
ثم جدت وما انتظرت سؤالي
معنى قد ابتذلته الشعراء، وتقدمت فيه، ألا ترى إلى قول أبي العتاهية:
فلم نبغه فبه يبتدينا
وقال مسلم بن الوليد:
أخ لي يعطيني إذا ما سألتهولو لم أعرض بالسؤال ابتدانيا
وأجود من كل جيد في هذا قول سلم الخاسر:
أعطاك قبل سؤالهفكفاك مكروه السؤال
وقال أبو تمام أيضاً:
أسائل نصر لا تسله فإنهأحن إلى الإرفاد منك إلى الرفد
وهذا جيد بالغ، وهو قريب من قول مروان بن أبي حفصة:
لمعن بما يعطي من الذيبما نال من معروفه يتمول
وبيت أبي تمام أجود، وأجود منهما قول البحتري:
يحن إلى الإرفاد حتى ينيلهكما حن إلف مستهام إلى إلف
وإنما أخذه من قول أبي تمام:
ما زال بالمعروف وهو متيم
وقال البحتري على الوجه الأول المبتذل:
جاد حتى أفنى السؤال فلماباد السؤال جاد ابتداء
ونحوه قوله:
حليف ندى إن سيل فاضت جمامهوذو كرم إن لم يسل يتبرع
وقال:
رطب الغمام إذا ما استمطرت يدهجاءت مواهبه قبل المواعيد
وقال:
وثقت بنعماه ولم تجتمع بهايدي ورأيت النجح قبل سؤاله
وقوله: «لم تجتمع بها يدي» أي: لم أضم عليها يدي بعد، ثم مثله أحسن تمثيل فقال:
وتعلم أن السيف يكفيك حدهمكاثرة الأقران قبل استلاله
وقال:
كان ابتداؤك بالعطاء عطيةأخرى وبذلك للجسيم جسيما
وأجود من هذا كله قول مسلم:
أعطى فما تنفك تنزع همةأملاً إليه من المحل الأبعد
سبقت مواهبه مني مرتادهاواستحدثت همماً لمن لم يرتد
وقال البحتري في ابن بسطام:
وبديهة من طوله لم ترتقبوفاك مبتدئاً بها إنعامه
كالسيل أصبح في ذراك أتيهوالجو مصح ما يحس غمامه
وهذا أيضاً تمثيل في غاية الحسن والصحة والحلاوة.
ومثله قول السمط بن مروان بن أبي حفصة:
لعمري لنعم الغيث غيث أصابناببغداد من أرض الجزيرة وابله
فكنا كحي صبح الغيث أهلهولم تنتجع أظعانه وحمائله
ذكر ثعلب عن ابن سلام قال: قال أبو الغراف: سرق هذا المعنى من قول نهشل بن حري، وقد بعث إليه كثير بن الصلت الكندي -وهو قاضي عثمان على المدينة، ونهشل بالبصرة- بكسوة ومال، فقال نهشل:
جزى الله خيراً والجزاء بكفهبني الصلت إخوان السماحة والمجد
أتاني وأهلي بالعراق نداهمكما أرفض غيث من تهامة في نجد
فما يتغير من بلاد وأهلهافما غير الإسلام مجدكم بعدي
البحتري في هذا الباب عندي أشعر من أبي تمام لكثرة تصرفه فيه، ولما تضمنه من إساءة أبي تمام.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع