تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

وفي تشبيه جود الجواد بالسحاب والغيث والأنواء

قال أبو تمام:

مواهب جدن الأرض حتى كأنماأخذن بآداب السحاب الهواطل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»

وهذا حسن جداً.

وقال:

نشأت من يمينه نفحاتما عليها ألا تكون غيوما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن عهدا لو تعلمان ذميما»

والبيت الأول أجود.

وقال:

جرى حاتم في حلبة منه لو جرىبها القطر شأواً قيل أيهما القطر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «تصدت وحبل البين مستحصد شزر»

فهذا تشبيه بالسحاب.

وأكثر ما جاء عنه تفضيل جود الجواد على السحاب فمن ذلك قوله:

في قلة كثر السماك وإن غداهطلاً وعفو يديه جهد المرزم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نثرت فريد مدامع لم ينظم»

السماك سماكان: الأعزل والرامح، وهما كوكبان من نجوم برج الأسد ونوء الأسد من أغزر الأنواء، والمرزم أحد كوكبي ذراعي الأسد وقال ابن هرمة:

جواد تبارى المرزمين شمالهوتحقر أنواء الربيع يمينها

قول أبي تمام أبلغ، وهذا أحسن لفظاً وأبرع.

وقوله:

غيث حوى كرم الطبائع دهرهوالغيث يكرم مرة ويلوم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أسقى طلولهم أجش هزيم»

وهذا غاية في الحسن والصحة.

وقال في مثله:

كرمت راحتاه في أزماتكان فيها صوب الغمام لئيما

وقال:

ولا أرى ديمة أنفى لنائبةمنه على أن ذاكراً طار للديم

وقال:

له كرم لو كان في الماء لم يغضوفي البرق ما شام امرؤ برق خلب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «تقي جمحاتي لست طوع مؤنبي»

وقال:

إن غاض ماء المزن وفضت وإن قستكبد الزمان على منت رؤوفا

وقال:

يفيض سماحة والمزن مكدويقطع والحسام العضب ناب

وقال:

إذا وعد انهلت يداه فأهدتالك النجح محمولاً كاهل الوعد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»
دلوحان تفتر المكارم عنهماكما الغيث مفتر عن البرق والرعد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»

قوله: «دلوحان» من السحاب والدوالح، وهي المثقلة بالماء.

«تفتر المكارم عنهما» تبدو وتظهر.

«كما الغيث مفتر عن البرق والرعد» أقام راحتيه مقام البرق والرعد، وأن الغيث يفتر عنهما.

هذا على ظاهر لفظ أبي تمام، وهو عندي من المقلوب، لأن حقيقة الافترار الانكشاف، ومنه قولهم: فررت الدابة، أي: كشفت جحفلته لأنظر إلى

سنه وقد فر فلان عن ذكاء، وفر عن عقل أي كشف، فوجه الكلام: دلوحان يفتران عن المكارم، أي ينكشفان وينفتحان عن الغيث، وهو عندي من المقلوب الحسن السائغ الجائز مثله للمتأخرين، لأن اليدين إذا انفتحتا وانكشفتا عن المكارم فإن المكارم أيضاً قد انكشفت، وكذلك البرق والرعد إذا انفتحا وانكشفا عن الغيث، فإن الغيث قد انكشف واتضح.

وقال البحتري في هذا المعنى:

لعمرك ما الدنيا بناقصة الجداإذا بقي الفتح بن خاقان والقطر

وقال:

وجرى جوده رسيلاً لجود الــغيث من غاية فجاءا سواء
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا أخا الأزد ما حفظت الإخاء»

وقال:

فهو غيث والغيث محتفل الودق وبحر والبحر طامي العباب
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما على الركب من وقوف الركاب»

فهذا شرط في غاية الجودة والقوة ولكن قول أبي تمام:

يفيض سماحة والمزن مكدويقطع والحسام العضب نابي

ألطف معنى.

وقد فضل البحتري جود الجواد على السحاب والغيث وتصرف في ذلك وافتن افتناناً

عجيباً فقال:

ليس السحاب ببالغ فيه الرضىفأقول إن نداه صوب سحاب

وقال:

إن أنا شبهته بالغيث في مدحيضضت منه وكنت المادح الهاجي
للشاعر البحتري، من قصيدة «كنت إلى وصل سعدى جد محتاج»

وقال:

فلو ذارعت أخلاقه الغيث حافلاًلحاجزها باع من الغيث ضيق
للشاعر البحتري، من قصيدة «أفي كل دار منك عين ترقرق»

وقال:

كرمت وكان القطر أنأى مسافةوأضيق باعاً من نداك وأقصرا

وقال:

وأكبر أن أشبه جود فتحبماء غمامة أو سيل واد

وقال:

ويحمل إسماعيل عنا ابن بلبلمن المحل عبئاً ليس يحمله القطر
للشاعر البحتري، من قصيدة «لما وصلت أسماء من حبلنا شكر»
بغزر يد منه تقول تعلمتيد الغيث منها أم تقيلها البحر
للشاعر البحتري، من قصيدة «لما وصلت أسماء من حبلنا شكر»

وقال:

إن قصرت همم العافين جاش لهمجحاف أغلب في حافاته الزبد
للشاعر البحتري، من قصيدة «يكاد يبدي لسعدى غيب ما أجد»
عفو من الجود لم تكذب مخيلتهيقصر القطر عنه وهو مجتهد
للشاعر البحتري، من قصيدة «يكاد يبدي لسعدى غيب ما أجد»

فقوله: «يقصر القطر عنه وهو مجتهد» مثل قول أبي تمام:

في قلة كثر السماك وإن غداهطلاً وعفو يديه جهد المرزم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نثرت فريد مدامع لم ينظم»

وبيت أبي تمام هذا أجود.

وقال البحتري:

قد قلت للغيم الركام ولج فيإبراقه وألح في إرعاده
للشاعر البحتري، من قصيدة «ردي على المشتاق بعض رقاده»
لا تعرضن لجعفر متشبهاًبندى يديه فلست من أنداده
للشاعر البحتري، من قصيدة «ردي على المشتاق بعض رقاده»

وقال:

أقول لثجاج الغمام وقد سرىبمحتفل الشؤبوب صاب فعمما
للشاعر البحتري، من قصيدة «أَكان الصبا إِلا خيالا مسلما»
أقل وأكثر لست تبلغ غايةتبين بها حتى تضارع هيثما
للشاعر البحتري، من قصيدة «أَكان الصبا إِلا خيالا مسلما»

وقال:

تراح الغوادي أن تشاهد عندهشبائهها من سيبه وشكولها
للشاعر البحتري، من قصيدة «قفا في مغاني الدار نسأل طلولها»
بقيت وكأين جئت باديء نعمةيقل السحاب أن يجيء رسيلها

وقال:

أعطيت حتى تركت الريح حاسرةوجدت حتى كأن الغيث لم يجد
للشاعر البحتري، من قصيدة «إني تركت الصبا عمدا ولم أكد»

هذا من قولهم: فلان يباري الريح جوداً، فيقال: أي جود للريح حتى يباريها الجواد، فإنما المعنى أنه يباري هبوبها، فيعطي أبداً ما هبت، كما نذر لبيد أن يطعم ما هبت الصبا وخبره في هذا مشهور.

ويجوز أن يكون ذهب إلى أن الأمطار لا تكون إلا الرياح، ولا يجمع السحاب ويأتي بالغيث إلا الريح، والأول أليق وأشبه لقوله: «تركت الريح حاسرة» أي: معيبة.

وقال:

ورأيت يوم نداك أشرق بهجةواهتز أطرافاً ورق نسيما
للشاعر البحتري، من قصيدة «أحْرَى الخُطُوبِ بأنْ يكونَ عَظيمَا»
ورأيت يوم الغيث في طلمائهجهماً محياه أغم بهيما
ويخص أرضاً دون أرض جودهوسحاب جودك في العفاة عموما
للشاعر البحتري، من قصيدة «أحرى الخطوب بأن يكون عظيما»

فهذا كله تفضيل لجود الجواد على الغيث.

وقد شبهه بالغيث أحسن تشبيه فقال:

يعطي على الغضب المتعتع والرضاوعلى التهلل والعبوس والأربد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أصبا الأصائل إن برقة منشد»
كالغيث يسقي الخابطين بأبيضمن غيمه وبأحمر وبأسود
للشاعر البحتري، من قصيدة «أصبا الأصائل إن برقة منشد»

وأحسن من هذا وأجمع قوله:

يجود على الطلاب سحاً وديمةوهطلاً وإرهاماً ووبلاً وريقا

فجاء بستة أنواع من نعوت الغيث في بيت واحد.

و «السح» شدة انصباب المطر، و «الديمة» المطر الدائم في سكون و «الهطل» فوق ذلك، و «الإرهام» من أرهمت السماء وهي الرهمة: المطر الضعيف الدائم، و «الوبل» من الوابل وهو المطر الشديد الضخم القطر، و «الريق» من تريق الماء وهو تردده على وجه الأرض من الضحضاح ونحوه، وإذا انصب الماء قلت راق يريق، ويقال أرقته أنا إراقة وهرقته، ويقال راق السراب

يريق إذا تضحضح فوق الأرض، والريق من كل شيء أفضله، ريق الشراب وريق المطر.

فأقول الآن في الموازنة بينها: إنه لولا قول أبي تمام:

والغيث يكرم مرة ويلوم

وقوله:

كان فيها صوب الغمام لئيما

لفضلت البحتري عليه، ولكني أجعلهما متكافئين.

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.