من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ذكر متابعة العطاء
قال أبو تمام:
كلما زرته وجدت لديهنشباً ظاعناً ومجداً مقيما
وتوأم الندى يري الكرم الفلــتة في أكثر المواطن لوما
وهذا معنى صحيح حسن.
وقال:
إذا كانت النعمى سلوباً من امريءغدت من خليجي كفه وهي متبع
السلوب: التي لا ولد لها، والمتبع: التي يتبعها ولدها.
وقال:
ولتعلم الأيام أني فتهابأبي الحسين محمد بن الهيثم
بأغر ليس بتوأم ويمينهتغدو وتطرق فالفعال التوأم
كلف برب الحمد يزعم أنهلم يبتدأ عرف إذا لم يتمم
وقال أيضاً:
وصنيعة لك ثيب أهديتهاوهي الكعاب لعائذ بك مصرم
حلت محل البكر من معطى وقدزفت من المعطي زفاف الأيم
قوله: «وصنيعة لك ثيب أهديتها» يريد: أنك قد صنعت مثلها فليست بكر صنائعك، أي ليست أول ما صنعت، ولما لم تكن بكراً جعلها ثيباً، وقال: «وهي الكعاب لعائذ بك»، قام الكعاب ها هنا مقام البكر، أي هي ثيب عندك وبكر عند من تعطيه.
والكعاب هي التي قد كعب ثديها، وقد تكون بكراً وتكون ثيباً قد افترعت، فليست بضد الثيب في الحقيقة، ولكنه أقامها مقامها، لقوله: «حلت محل البكر من معطى».
وقوله: «وقد زفت من المعطى زفاف الأيم» يريد بالأيم الثيب، والأيم هي التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً.
وقد بينت هذا في أغاليطه وأوضحته.
وقال في موضع آخر يذكر الصنيعة:
وليست بالعوان العنس عنديولا هي منك بالبكر الكعاب
قوله: «ليست بالعوان العنس عندي» يريد لجلالتها، وأنه ما أسدي إليه مثلها، وأراد أن يقول «العانس» فقال «العنس» إنما هي الناقة التي قد انتهت في قوتها وشدتها وشبابها، وقد ذكرت هذا في أغاليطه أيضاً.
وقال أبو تمام في الحسن بن وهب:
جمعت لنا فرق الأماني منكمبأبر من روح الحياة وأوصل
فصنيعة في يومها وصنيعةقد أحولت وصنيعة لم تحول
كالمزن من ماضي الرباب ومقبلمنتظر ومخيم متهلل
قوله: «وصنيعة قد أحولت، وصنيعة لم تحول» لا يشبه أحوال الأمطار في قرب بعضها من بعض، ولكن قوله: «بأبرمن روح الحياة وأوصل» حسن جداً.
والصحيح المعنى في هذا قول البحتري:
لي منه في كل يوم نواللم تنله كدورة الترنيق
عنده أول وعندي ثانمن نداه وثالث في الطريق
وإن كنت لا أحب لفظة «الطريق» فإنها من ألفاظ العوام.
وقد أحسن البحتري أيضاً في متابعة العطاء كل الإحسان، فمن ذلك قوله:
إلى فتى يتبع النعمى نظائرهاكالبحر يتبع أمواجاً بأمواج
وقوله:
فإن تتبع النعمى بنعمى فإنهيزين الآلي في النظام ازدواجها
وقوله:
إذا كرت الآمال فيه تتابعتمواهب مكرور الأيادي معادها
وأحسن من كل حسن قوله:
يكر نواله عللاً عليناكرور الكأس أترعها المدير
وقال البحتري أيضاً في أحمد بن محمد بن بسطام:
تتابع منه كل يوم مواهبتفوت ارتداد الطرف سبقاً عجولها
إذا كرها بالبر منه أعادهاعلى النهج محمود السجايا جميلها
وقال:
بلغت يداه إلى التي لم أحتسبوثنى لأخرى فهو باد عائد
هو واحد في المكرمات وإنمايكفيك عادية الزمان الواحد
والبحتري في هذا كله أشعر من أبي تمام.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع